دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
بعد إبعاد قسري لـ41 عاما: الأديب الفلسطيني الكبير توفيق فياض يعود إلى وطنه

عاد مؤخراً إلى أرض الوطن الكاتب والأديب الفلسطيني، والأسير المحرر، توفيق فياض، بعد إبعاده عن وطنه قسراً قبل ما يزيد عن 41 عاماً.

وكان المحاميان محمد دحلة وسهاد حمود (دحلة) قد شرعا في النضال القانوني من أجل إعادة فياض منذ ما يزيد عن 15 عاما. وبعد مراسلات ومداولات على مدى سنين طويلة مع وزارة الداخلية الإسرائيلية ومع قسم الالتماسات في المحكمة الإسرائيلية  العليا والنيابة العامة، وفي أعقاب تقديم سبق التماس بهذا الشأن، نجحا بالحصول على موافقة لعوده إلى أرض الوطن.

وكان المحامي دحلة توجه إلى عمان يوم الأربعاء الماضي للقاء فياض القادم من تونس، حيث يقيم منذ أكثر من30 عاماً وذلك من أجل إتمام المعاملات المتعلقة بعودته لدى السفارة الإسرائيلية بعمان.

وقام دحلة باستصدار وثيقة سفر مؤقتة، تتيح لفياض العودة إلى البلاد، على أن يحصل على جواز سفر ومواطنة كاملة عند وصوله.

وعاد فياض فعلا عبر جسر الملك حسين، يرافقه المحامي دحله الذي عمل على تسهل إجراءات عودته ودخوله إلى البلاد.

وقال المحامي: 'إن الكاتب الكبير كان قد طلب منى أن أعيده للوطن، (فوق التراب أو تحته)، وقال: إن هذه وصيتي لك'، وقد أقسمت أن أبذل قصارى جهدي لكي يعود فوق تراب الوطن ويتنفس هواءه ويستنشق مناظره الخلابة، ولا يظاهي شعوري اليوم شعور، بأنني قد أوفيت بوعدي.

 

فياض

ولد فياض عام 1939 في مدينة حيفا، وبعد النكبة انتقل إلى قرية المقيبلة قضاء جنين، وعمل في قسم الجمارك في ميناء حيفا وهناك جنده قرمان للمجموعة.

اعتقل عام 1970 مع شبكة اتهمتها إسرائيل بالتجسس لصالح سوريا كان على رأسها الأسير المرحوم عبد الرحيم قرمان، وأطلق سراحه عام 1974 ضمن عملية تبادل أسرى مع مصر ونفي إلى القاهرة ثم انتقل إلى دمشق وبيروت وتونس.

من مؤلفاته: المشوهون - رواية، الشارع الأصفر - قصص، وادي الحوارث - رواية، بيت الجنون - مسرحية.. وقد صدرت سلسة الشارع الأصفر للمرة الرابعة عام 2004 وهي كما يقول عنها توفيق: هذه القصص القصيرة تحتوى المأساة الفلسطينية بكافة أبعادها، وتعبر عن ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه واحتضانه لها رغم ما تتجرعه من علقم وما يكبده من معاناة.

بعد إطلاق سراحه من السجن وتسليمه لمصر بتبادل الأسرى بعد حرب عام 1973 قال عن تلك التجربة:  خرجت من وطني فلسطين سنة 1974 ضمن عملية تبادل لأسرى  وكنت آنذاك في السجن، وقد كان خروجي إبعادا قسريا، وليس مجرد خروج فحسب، وقد عرفت ذلك وأنا ما أزال داخل السجن، حيث اكتشفت بعد اقتيادي من سجن (شطة) في منتصف الليل مقيدا، ومعصوب العينين، ليقطعوا بي الصحراء باتجاه مصر لتسليمي للجيش المصري، ولكن رفضي كان دون جدوى، وحين استل الضابط المصري سكينه ليبعد عني الضابط الصهيوني الذي كان يقودني بحركة متعالية، وراح يقطع قيدي البلاستيكي المنغرس في معصمي، غصصت بالدمع، وتيبس لساني ففقدت القدرة على الكلام، كانت لحظة من أصعب لحظات حياتي .. فقد عرفت أنني أصبحت بعيدا عن وطني، وأنه صار ورائي، وأن هذه اللحظة هي اللحظة التي ستغير تاريخ حياتي ومجراه .. أيضا.

أهلا توفيق فيّاض

محمد علي طه

عاد توفيق فيّاض إلى وطنه، إلى قريته المقيبلة الصّامدة الباقيّة شامة على وجنة مرج ابن عامر،  بعد غربة قسريّة طالت حتّى بدا ليل الملك الضّلّيل نقطة في بحرها، فأهلا وسهلا خيّا توفيق!!.

أفسد سلطان المعبر فرحة تلاميذ مدارس قريتك الصّغيرة وصادر صهيل ستّة جياد كانت تهمّ بالسّباحة في فضاء المرج وتركها تحّمحم، ولكنّ السّلطان غبيّ، هكذا هم السّلاطين، فشل في أنّ يقيّد ماء "النّبع" وما استطاع تكبيل أنين شبّابة "الرّاعي حمدان" ونسي أنّ يربط "الكلب سّمور" بجدار "الشّارع الأصفر" ولم يعتقل اعتقالا أحترازيّا "هلول" جنين، وترك "الدّيك الضّائع" يصيح ليخرج النّاس من "بيت الجنون" ويعودوا إلى "وادي الحوارث".

جاءوا فرادى وجماعات من وادي النّسناس وساحة العين وخان العمدان وجبل القفزة وهضاب الرّوحة وجبل الكرمل وجبل حيدر وجبل سيخ ومن مراعي الأغنام ومن عين الصّرار ومن بير الصّفا ومن البيوت العتيقة ومن الأزقّة المبلّطة ومن الشّوارع الترابيّة، جاء أبطال قصصك القصيرة وشخصيّات رواياتك ولاعبو مسرحيّاتك يرّحبون بعودة عوليس الذي خطفته غولة الدّهور، فتى شابّا جميلا، وسجنته في غار ذي سبع بوّابات، ولغمت درب عودته، ولمّا فُتح باب الكهف عنوة، طاف في سماء ثلاث قارّات وفضاء سبع عواصم من القاهرة الى بيروت فتونس فدمشق فبغداد فالدّار البيضاء فصنعاء، وطاف وطاف حتّى كانت نهاية المطاف في أرض أبيه وأمه ليقول: "إمّا عليها وإمّا فيها" ... فأهلا خيّا توفيق!!

ماذا لو جلسنا ساعة على كرسيين صغيرين منّ قشّ الحَلْفاء تحت زنزلختة البيت وشربنا القهوة البلديّة المهيّلة متذكّرين أيّام حيفا وما بعد حيفا حينما صدرت روايتك  "ألمشوّهون " ومجموعتي "لكي تشرق الشّمس "قبل نصف قرن" شويّة فراطة " واحتفل القرّاء والنقّاد بهما وبنا في بيت الكرمة في حيفا، فهل تذكر من تحدّث عن روايتك ومن عالج قصصي؟؟

كان الكتاب الأوّل والنّدوة الأولى واللقاء الأوّل مع القرّاء والخوف  والارتباك. شابّان في مقتبل العمر أحدهما من قرية عزلاء منسيّة أسمها المقيبلة والثّاني من قرية نائية اسمها كابول. جلس أحدهما على المنصّة ينظر بحياء ريفيّ إلى السيّدات والسّادة الذين ملأوا القاعة فيما اختار صديقه الخجول جدّا مثل زهور المرج أنّ يجلس على كرسيّ في الزّاويّة الجنوبيّة، وحينما لم يحتمل النقد تحوّل الى نيكيتا خروتشوف الرّوائيّ.

تعال نذهب معا إلى شوارع  عبّاس والكرمة والأنبياء والملوك ووادي النّسناس.. و..و.. كفى .. إيّأك أن تفعل يا خيّا لانّ الدّرويش والقاسم والشّيخ الرّزين أبا ميخائيل قد رحلوا. ذهب كثير من الذين نحبّهم وشاخ كثيرون وشابت كثيرات ولم يبق سوى الّذكريات النّاعمة.

يا أخي الكاتب المبدع الكبير توفيق فيّاض تعال لنسير معا على شاطئ حيفا الجميل من مصبّ جدول المقطّع فالميناء فمسبح أبي نصّور فصخرات الكنيسة لعلّنا نلتقي بالأمّورة "حيفا" !

أهلا بك يا توفيق وشكرا لصديقنا المحامي الوطنيّ محمّد دحلة وزوجته تلميذتي سهاد اللذين عملا جاهدين ليفرشا درب عودتك بالورد والزّعتر الأخضر والمرميّة.

لا بدّ من حيفا وأن طال السفر. هكذا تمتمتٌ وهكذا وشوشتُك وهكذا هتفنا معا. وهذا ما كان وهذا ما سيكون.

 

البوم صور
2015-06-06