دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قرع طبول الحرب الإسرائيليّة... والقلب السوريّ النابض/ سعيد نفاّع

قلق وعدم فهم كبيران يساوران أهمّ المراقبين والمحللين الإسرائيليين في كل ما يتعلّق بما تصحّ تسميته، الهاجس النووي الإيراني، وقد عبروا عن هذا القلق وعدم الفهم مؤخرا، وكالآتي:
"رئيس الوزراء ووزير الدفاع يهددان بمهاجمة إيران، والعالم غير مبال. إسرائيل تحذر أن وجهتها نحو حرب ستشعل أسعار البترول وتسبب قتلا وتدميرا عظيمين، والعالم لا يفعل شيئا لمنع الكارثة. لا اجتماع طاريء لمجلس الأمن ، ولا بعثات دبلوماسيّة دراماتيكيّة، ولا بث مباشر في ال- سي إن إن والجزيرة، وحتى لا اهتزازات في أسعار النفط والغاز الطبيعي، ولا في تصنيف أو تدريج الائتمان النقدي لإسرائيل. هدوء في الجبهة. والتهديد المضاد للإيرانيين بضرب إسرائيل كذلك لا يحرك ساكنا عند أحد. فما الحاصل هنا؟
كل الدلائل تشير أن "المجتمع الدولي" ، يعني الدول العظمى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، سلّمت مع مبادرة الحرب الإسرائيليّة والآن يدفعون بنتانياهو أن يلتزم بكلمته وأن يرسل القاذفات لأهدافها في إيران. بمصطلحات عامة، السوق قد ثمن الهجوم الإسرائيلي بتقدير المخاطر منه، وينتظر الآن أن يتحقق التوقع من هذا التثمين. المجتمع الدولي خلق الظروف المثالية لعمليّة إسرائيليّة ضد إيران، وقد توقف عن مضايقة نتانياهو في قضيّة الاحتلال والمستوطنات والدولة الفلسطينيّة ويتيح له أن يتركّز في تحضير الجيش والرأي العام الإسرائيلييّن للحرب ضد إيران. "المحادثات النووية " التي أجرتها الدول العظمى مع إيران كانت مضرب المثل للعجز الدبلوماسي. العقوبات الاقتصاديّة على إيران لم توقف المشروع النووي، وربما ساهمت في تسريعه، ولكنها يمكن أن تصعب على إيران إدارة حرب طويلة ضدّ إسرائيل.".
كل هذا القول وقبل أن يأخذ نتانياهو لنفسه صلاحيّات لم تكن له طبقا لقانون أساس عمل الحكومة والأنظمة المترتّبة تعفيه من العودة إلى الهيئات الحكوميّة في حالات معيّنة إن اقتضتها الضرورة، توقيت هذا الإجراء عزّز توقّعات الناس العادييّن قبل المراقبين أننا على عتبات حرب ليست كالحروب، إذ أن وقتها معلن مسبقا وشبه محدّد، لأن الحروب وإن وُجدت كلّ دواعيها تنشب عادة دون سابق إنذار وعلى الأقل في إشعال شرارتها الأولى.
في تناول لي لهذه القضيّة بداية العام 2010 تحت عنوان "الحرب الإسرائيليّة الإيرانيّة ليست على الأبواب!"، توصلت إلى:
"يضع بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي إيران والتهديد الذي تمثله تجاه إسرائيل في أعلى سلّم أولوياته الاستراتيجيّة،. فهل فعلا يرى الإسرائيليون أن تهديدا كيانيّا آتيا لا محالة من إيران؟ أم أنّ سياسة نتانياهو الإيرانيّة هي هروب إلى الأمام في مواجهة استحقاقاته تجاه القضيّة الفلسطينيّة والعربيّة بشكل عام؟". وإلى أنّ:
"الحرب الإيرانية الإسرائيلية المتوقعة حتى وإن ما زالت لا تتعدّى التصريحات الناريّة لحكام البلدين حتى اليوم، وحّدت وتوحد الرأي العام الإسرائيلي. فاستطاع حكام إسرائيل خلق أجواء لدى الإسرائيليين بأن هذا الخطر الإيراني محدق وهو فعلا تهديد كيانيّ لهم. رغم أنّ المراقب يستطيع وبسهولة أن يصل إلى خلاصةٍ أن نتانياهو واستراتيجيّيه يعرفون حقّ المعرفة أن خطرا كهذا بعيد الحصول، ويصل إلى أن وضعهم إياه على هذه الدرجة من الاهتمام ما هو إلا هروب إلى الأمام أمام استحقاقات إسرائيل تجاه القضيّة الفلسطينيّة والعربيّة، هذه الاستحقاقات إن وُضعت على الطاولة جديّا كفيلة بإسقاط أية حكومة إسرائيليّة حتى كالقائمة اليوم والمتجانسة مبدئيأ، ويصل إلى أن "حربهم" ما هي إلا حرب بقاء حكوميّة وليست حرب بقاء كيانيّة.".
تنشب الحروب عادة إما انطلاقا وعلى خلفيّة تناقض مصالح تناحريّ أو انطلاقا وعلى خلفيّة تناقض قيميّ تناحريّ وفي الغالب يتداخل هذان المنطلقان مع غلبة لأحدهما على الآخر. إسرائيل ترى وعلى الأقل هكذا تدّعي، أنّ الحرب التي ستشنها إيران عليها هي حرب يغلب عليها الطابع القيميّ وليس المصلحيّ فهي أي إسرائيل لا تشكّل أي خطر جديّ على المصالح الإيرانيّة.
هذا الرّهَق الإسرائيلي على الخطر الإيرانيّ ووضعه في السياق القيميّ وبمعزل عن أية علاقة بالاستحقاقات الملزمة إياها تجاه الفلسطينيين والعرب، ليس إلا هروبا إلى الأمام من الاستحقاقات الفلسطينيّة عليها، ومرتبط ارتباطا عضويا باستحقاقات البقاء في السلطة المتبادلة حزبيّا في إسرائيل ومن خلال استغلال غياب استراتيجيّة فلسطينيّة عربيّة بديلة عن القائمة اليوم لحل النزاع وخصوصا والعالم العربيّ غارق اليوم في "جحيمه العربيّ"، ومرتبط بالراحة التي تعيشها إسرائيل في هكذا وضع والذي تريد له أن يستمرّ إلى أطول أجل دون أن تكشف نفسها بغياب فعل تجاه الاستحقاق الفلسطينيّ لفعل دوليّ، ولذا فالنسبة لها التهديد الإيرانيّ هو الفعل الذي يجب التعامل معه كيانيّا.
إذا كان نتانياهو في بداية تسنّمه سدّة الحكم حطّ الخطر الإيراني الوجوديّ حسب ادعائه، في أعلى سلّم اهتماماته هروبا إلى الأمام من الاستحقاقات الفلسطينيّة وقد نجح، إلا أنّه ورغم شعاره "أولويّة الخطر الكيانيّ" لم ينفذ هكذا مغامرة لا يضمن الخروج منها سالما وحجته غياب دعم دوليّ أو تحالف دوليّ أو إرادة دوليّة،  أمّا اليوم هو في وضع تحقق له الاثنان حسب تصوّره فملف القضيّة الفلسطينيّة في أسفل رزمة الملفات الدوليّة إن لم يكن على الرّف تأكله الغبار، وتحالف دوليّ داعم قائم عمليّا.
أحد الهواجس الإسرائيليّة الأساسيّة كما هواجس زارعيها في المنطقة وهواجس حلفائها الموضوعيين من أعراب وعثمانيّين وأصوليين، وبغض النظر عن المشروع النوويّ الإيرانيّ، كان ذلك الهلال المتشكل شمال- شرقيها، ميْمنته حزب الله وميْسرته إيران والعراق وقلبه سوريّة، ولذا دأبت إسرائيل ومنذ هزيمتها وحلفائها في لبنان 2006 على تدريب جيشها على حرب تشنّها أو تُشن عليها من هذا الهلال، ولذا يخطيء خطأ مميتا من يعتقد أن ما يحدث في سوريّة هو "ربيع عربيّ" وليس جزءا من هذه الحرب، وإن بأدوات بائنة غير أدواتها، التي تحضّر إسرائيل نفسها إليها ومنذ تلك الهزيمة المدويّة.
مئير داغان رئيس جهاز المخابرات الخارجيّة الإسرائيلي "الموساد" سابقا والذي تولاه منذ ال2002 وبقي على رأسه تسع سنوات، خرج على الملأ ومباشرة بعد انهاء مهامه في ال2011 ليحذر من مغامرة "إيرانيّة" يقودها نتانياهو وبراك، ومؤخرا قال في مقابلة لمجلّة جرحى الحروب الإسرائيليّة "هلوحيم- المحارب" :
"بُعيد هجوم على إيران ستنشب حرب مع إيران ومن النوع الذي نعرف كيف نبدأها ولكن لا نعرف كيف ننهيها فإيران قادرة أن تمطر إسرائيل بصواريخ على مدى أشهر طويلة، وكذلك أن تُفعّل حزب الله الذي يملك عشرات آلاف صواريخ جراد ومئات الصواريخ بعيدة المدى، وقادرة أن تُفعّل حماس (!) وهنالك خطر جدّي أن تنضم سوريّة للحرب."
هذا هو موقف الكثير من النخبة الأمنيّة الإسرائيليّة كيوفال ديسكين الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخليّة "الشاباك" وعاموس يدلين رئيس المخابرات العسكريّة السابق وقائدي الجيش الإسرائيلي السابق موطي أشكنازي والحالي بيني غانتس.  غير أن هنالك موقفا آخر يقف على رأسه نتانياهو ووزير دفاعه براك ونخبة من الخبراء الاستراتيجيين الإسرائيليين وآخرهم البروفيسور الفخري في الجامعة العبريّة واللجنة الأكاديميّة الاستشاريّة لمركز "بيجن السادات للبحوث الاستراتيجيّة" يحزكئيل درور والذي كتب مؤخرا بحثا أصدره المركز تحت عنوان " أمر الساعة المركّب هو مهاجمة إيران وإطلاق مبادرة سلام" يقول فيه:
"أن الخطر الإيراني جدّي وعلى إسرائيل أن تهاجم وتفعل حسنا إن تواكب هجومها بمبادرة سلام أساسها المبادرة العربيّة للسلام بيروت 2002 ،ويجب عدم المبالغة في الرد الإيراني أو في موقف أميركا والغرب والعالم العربيّ، ولا يجب أن يكون الهجوم مرتبط بمبادرة سلام إن تعذّر ذلك".
السؤال على ضوء كلّ ذلك: هل اعتداء على إيران والذي لم يكن على الأبواب قبل سنوات هو على عتباتنا اليوم؟!
ليس من نافل القول أن نشير بداية أننا من حيث ندري أو لا ندري دخلنا في قاموس مصطلحات سياسيّة أو حربيّة خلطت علينا المفاهيم، فصرنا نطرق الموضوع من باب وكأننا في صدد دولة عظمى هي إسرائيل مقابل دولة مستضعفة هي إيران، حتى رحنا نتعامل مع الموضوع وكأننا في صدد أميركا مقابل أفغانستان أو العراق أو حلف الناتو أمام ليبيا. الحقيقة أن المعادلة التي نحن بصددها تختلف ولذا يجب أن تختلف المصطلحات فلا إسرائيل هي أميركا أو حلف الناتو (رغم أنها ربيبتهم) ولا إيران هي أفغانستان أو ليبيا.
وعودة على السؤال، ربّما نحن اليوم فعلا على الأبواب والحرب على عتباتنا لأن أمورا أساسيّة تغيّرت من الممكن أن تدفع المغامرين الإسرائيليّين إلى الاعتداء على إيران. العالم العربيّ يعيش جحيمه فحتّى الثورات التي أيدناها في تونس وفي مصر وجزئيّا في ليبيا لم تُؤت الثمار المرجوة وإن لم يكن في الفعل فعلى الأقل في المواقف من القضيّة العربيّة البوصلة "فلسطين" وإسرائيل مرتاحة منها إلى أجل غير مسمّى، ولكن وجها آخر من الجحيم هو هذا التحالف "الخليجي العثماني الصهيونيّ الغربيّ" بعد أن نجحت الصهيو- إمبرياليّة في خلق عدو مُتخيّل خطر على نتانة عروشهم متمثّل في إيران وحلفائها ليصير الخطر "الصهيو-غربيّ" لعبة أطفال أمام هذا الخطر "الشيعيّ".
هذا التحالف القائم اليوم غارزا أنيابه في سوريّة قلب الهلال هو التحالف الذي ترجوه إسرائيل أو انتظرته، فهذا التحالف يحارب عنها قلب المحور المقاوم حربا شرسة ويبعده بذلك عن ساحة ردّة الفعل، ولن يجد هذا التحالف حرجا في فتح أجوائه أمام طائراتها ذهابا وإيابا من أنى لها أن تختار العدوان، جنوبا في سماء مكّة الكرّمة والحرم الشريف والعودة شمالا في سماء المسجد الأزرق الكبير أو العكس، وإن احتاجت فالقواعد الأميركية من ديار بكر شمالا إلى الدوحة جنوبا جاهزة لراحة الطيّارين الإسرائيلييّن إن احتاجوها لقيلولة أو طاريء غير متوقع.
لم يتغيّر شيء على أسباب اعتداء مغامرتيّ إسرائيليّ على إيران منذ أن تسنّم نتانياهو الحكم قبل ثلاث سنوات ونيّف إلا ما ذكرنا، وهذا  ربّما يغري المعسكر المغامر الإسرائيليّ ظنّا منه أنّ الظرف مؤات والفرصة سانحة ربّما لن تتكرر لا تحالفيّا ولا ميدانيّا إقليميّا ولا ميدانيّا إسرائيليّا أن ينفذّ مثل هكذا اعتداء، ولعلّ في التساؤلات موضوع مقدّمة هذه المعالجة التي يطرحها المراقبون الإسرائيليّون البيّنة أو المؤشّر على ما نحن بصدده.
أمّا إذا صدقت نبوءات الإسرائيليّين "التفاؤليّة" حول مدى وإمكانيّة الردّ الإيرانيّ وحلفائه فنحن في صدد انتصار مدوّ لإسرائيل وكل حلفائها وراء البحار ووراء الصحراء، وهذا ما لا نتوقّعه رغم الدم النازف من جسد سوريّة قلب المحور فالجسد صحيح أنه دامٍ لكن القلب فيه ما زال سليما ينبض وإنْ نبضاتٍ متسارعة.
قال الأدميرال الياباني الذي هاجم بيرل هاربر الأميركيّة في الحرب العالميّة الثانيّة ردّا على تهنئته بنجاح الهجوم "أخاف أن نكون أيقظنا اليوم ماردا نائما"، ومغامرة إسرائيليّة ربّما توقظ ماردا والأيام ستنبئنا ولكن عندما لا تعد تنفع الأنباء.             

أواسط آب 2012

2012-08-14