دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مستقبل سوريا بعد بشار الأسد ... الدكتور عادل عامر

عندما واجه بشار الأسد، الرئيس الذي اشتهر بأنه «إصلاحي»، المطالب الشعبية بتقديم إصلاحات وأخذ الدولة إلى مسار جديد، أظهر افتقاره إلى الرؤية والقوة والقيادة اللازمة للتغلب على أوجه القصور الخطيرة للنظام الأمني والمقاربات التي غلت يد الدولة السورية. ولم تلق كلمات الأسد القليلة وردود الأفعال التي اتخذها في احتواء الموقف سواء داخل نظامه أو لدى شعبه أذانا صاغية. حيث إن الإصلاحات الضئيلة، التي تم الإعلان عنها ببطء، لم تظهر سوى مدى بعده عن الأزمة التي كانت تدور رحاها في بلاده ومدى عجزه عن حماية نظامه. إن  نظرية الفوضى الخلاقة التي هي أداة فكر أميركي  بل واهم المفاتيح التي أنتجها العقل الاستراتيجي الأميركي في التعامل مع قضايا العالم العربي ، التي يهدف من  ورائها إن تبقى المنطقة العربية في حالة اضطراب وغليان وعدم استقرار؛ فقد صرح مسئولون أميركيون مرارا إن الشرق الأوسط الجديد سيولد من رحم الفوضى الخلاقة ! التي بدأوا بتطبيقها في المنطقة ابان الغزو الامريكي  للعراق ، فقد اورثت العراق  تراكمات خصبة من الفساد والسلبيات خلال العملية السياسية التي بدأت بوضع الدستور العراقي على اساس  طائفي ومحاصصة منحازة مبيتة ، ثم وصول قيادات سياسية متورطة في غالبيتها بالفساد ونهب الاموال ؛  مما اوجد بيئة خصبة لنشوء ونماء الحركات والفصائل الجهادية هذه التي يواجهونها اليوم ،ويحشدون الاحلاف والتجمعات الدولية  للقضاء عليها ، وكانت اميركا بالامس القريب وعن كثب تشهد مواقف تشكيل ونمو هذه الحركات والفصائل والكتائب والجماعات الجهادية بانواعها  ،بكل الحيثيات ؛حيث كانت على علم بما يحدث من ذلك  اولا باول !!    لقد قامت النخب الاكاديمية الامريكية وصناع السياسة فيها بالبحث والدراسة لانتاج وصناعة استراتيجية تحل مشاكل المنطقة بالطريقة التي يريدونها وفقا لاهوائهم ومصالحهم ؛ فتوصلوا الى صياغة مصطلح  “الفوضى الخلاقة ” بعناية فائقة بغرض التضليل والتمويه واغراق المنطقة العربية بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار، والسماح بانهيار الانظمة الحاكمة الحالية  ، وحدوث فوضى سياسية،  ظانين ان هذه الفوضى تخلق خريطة اكثر استقرارا وتفرز قادة ورؤساء اكثر طاعة وولاء لهم ، يصنعونهم على ايديهم وفق ارادتهم ورغباتهم ، ليسهل التعاطي معهم بواقعية المصالح المتبادلة. أما في جارتها سوريا، فالأوضاع أشد سوءًا هناك؛ فمن ثورة شعبية تطالب بالحرية والديمقراطية إلى صراع مسلح بين جبهتي المعارضة ونظام الأسد، إلى غابة تعج بالتنظيمات والجماعات المسلحة وأشهرها "داعش".

للمرة الاولى منذ اندلاع الازمة السورية بدأت الاحاديث السياسية الشيعية الخاصة تسير باتجاه ضرورة التعامل مع المستقبل السوري بعقلية "الدولة" لا عقلية "الطائفة" ، خصوصاً ان بعض السناريوهات التي تتحدث عن ظهور كيان "علوي" مستقل او شبه مستقل في الساحل السوري لاتبدو صالحة للابقاء على زخم الوجود الشيعي الشرق الاوسطي الذي تفترضه ايران والممتد منها الى العراق وسورية باتجاه حزب الله في لبنان ومنظمة حماس (السنية الاخوانية) في فلسطين غرباً وجماعة الحوثيين في اليمن جنوباً وصولا الى المجتمعات الشيعية التي تتخذ صف المعارضة في دول الخليج العربي كالكويت والسعودية والبحرين.

كبار السياسيين الشيعة ومنهم الحكوميين بدأوا اخيراً الحديث عن امكان التعامل مع المعارضة السورية، ووجهوا دعوات لتلك المعارضة ، واستجاب بعضهم خصوصاً من هم خارج ائتلاف القوى السورية الذي تشكل اخيراً ، اما ذلك الائتلاف الذي نجح في الحصول على اعتراف نحو 148 دولة اخيراً ، فأنه مازال يقرأ الموقف الشيعي العراقي باعتباره داعماً للاسد في مقابل موقف سني وكردي داعم للمعارضة بمستويات مختلفة، وفسر الشيعة العراقيون امتناع المعارضة السورية عن التعاطي معهم في مقابل تعاطيهم مع السنة والاكراد بوجود "فيتو خليجي – تركي" يدفع باتجاه القطيعة مع شيعة العراق. وخطورة هذا الواقع على لسان بعض الحكوميين العراقيين ان العراق ربما لن يجد له موطيء قدم في المستقبل السوري الذي سيكون لتركيا ودول الخليج العربي تأثير بالغ عليه.

وذلك السيناريو الاخير يطلق للمرة الاولى تساؤلات حول الجدوى الاستراتيجية من اللحاق بالسياسة الايرانية حول الاسد. لكن هذا الواقع المعقد ليس "مغلقاً" حسب سياسي شيعي رفيع ، "فالعراق قادر على اية حال في فتح خطوط تواصل مبنية على المصالح المشتركة مع النظام السوري الجديد مهما كان هذا النظام، ومهما تعرض العراق الى انتقادات الثوار السوريين بدعم الاسد".وكنتيجة لذلك، استولت العصبة الأمنية الاقتصادية السياسية التي أسسها بعض أقارب الأسد ومقربون منه، والتي أفسدها الإفراط في الاستحواذ على السلطة والعيش في إحساس مزيف بالاستقرار، على البلاد ولجأت إلى أدوات الإرهاب: الجيش وقوات الأمن. وعندما ارتفعت حصيلة موت المدنيين إلى ما يزيد عن ألف، وانتشرت صور أجساد المراهقين المشوهة على شبكة الإنترنت، وأصبحت العمليات العسكرية تحدث على نحو يومي، انهارت أسس الدولة التي أسسها حافظ الأسد.

وفي إطار ذلك الرد الوحشي، لم تنشر سوريا التي ظهرت منذ الربيع العربي الديمقراطية بل عدوى الحكم الفردي. ولم يخسر الرئيس الإصلاحي فقط صورته ولكنه فقد إلى حد كبير سلطته المطلقة. وتحولت جهود الأسد وذوي المصالح المرتبطة به لتعزيز نقاط ضعف القيادة التي ظهرت على من كان يطلق عليه «أسد دمشق الجديد».ويعد بشار الآن واحدا ضمن عدة أفراد آخرين من أفراد أسرته – بالإضافة إلى أخيه الأصغر، ماهر الأسد، الذي يدير اللواء الرابع للجيش وابن عمه رامي مخلوف، رئيس شركة الاتصالات السورية – الذين يديرون شؤون البلاد. ويتم اتخاذ القرار إلى حد ما بطريقة جماعية في تلك الأسرة. ويظهر تغير القيادة أن ما يحرك النظام حاليا هو معركة البقاء فقط. وقد عزز أصحاب المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تحكم الدولة أنفسهم ضد التغيير، كما لم تعد هناك رؤية لسوريا، بعيدا عن الاعتبارات الأمنية، موجودة ضمن الأجندة.

وفي الوقت نفسه، تواجه المعارضة التي تزيد من تعزيز صفوفها ببطء يوميا، تحدي عدم الوصول إلى الكتلة الجماهيرية المؤثرة التي أجبرت بن علي في تونس ومبارك في مصر على الابتعاد عن السلطة. وعلى الرغم من عمليات التوحد، وإنشاء شبكات تعاون خلال النزاع، ما زالت المعارضة تفتقر للقدرة على إحداث التغيير. تعتبر منطقة الشرق الأوسط  أهم منطقة في العالم من النواحي الاستراتيجية و العسكرية والاقتصادية  والروحية فمنها انطلقت الحضارة الإنسانية واليها ينتمي جل التراث الروحي والثقافي وعلى أرضها نمت أولى الإمبراطوريات  ودار فيها الصراع بين الإمبراطوريات  والى الآن لازلت جميع القوى العظمى تخوض الصراع من اجل إما استمرا ر الاستحواذ عليها (حالة أمريكا) أو اخذ حصة منها (حالة الصين وروسيا الاتحادية ).

من هذا المنطلق لا نستطيع أن ننظر إلى الاحداث الدائرة في سورية كمشكلة إقليمية  بل كمشكلة دولية لها أبعاد تخص الصراع بين القوى الكبرى  وأي محاولة لدراسة الاحداث من غير هذا المنظور  هو خطا كبير فكل ما يحصل نتيجته هو حتما تغير كبير ليس فقط في ميزان القوى العالمية بل ربما تغير خرائط  ونشوء دول جديدة  فهذا الصراع المستعر بين السنة والشيعة الذي استحضرته إدارة  بوش من تحت رماد عمره 1500 سنة  ,من خلال احتلال أفغانستان و العراق والذي أدى إلى إزالة معوقين في وجه المد الشيعي الإيراني  الحامل لأوهام إمبراطورية الفارسية في لبوس ديني .

يشكل مأساة قتل الحسين القوة التي تحركه   وهنا لابد أن يحضرنا الشاه إسماعيل صفوي وما قام به ’ إن أمريكا بتدميرها هذين العدوين  كانت إيذانا بانتهاء مرحلة الاحتواء المزدوج التي كانت محور إستراتيجية  إدارة بيل كلينتون طيلة التسعينيات  الخاصة بدول الخليج الفارسي ومع مجيء جورج بوش المحاط  بغلاة المحافظين الجدد مثل بول وولفويتس ريتشارد بيرد  أصحاب مشروع القرن الأمريكي مستغلين أحداث 11 من أيلول وشكل احتلال أفغانستان والعراق المرحلة الأولى في السعي لتحقيق هذا المشروع  القائم على نظرية الفوضى الخلاقة  أو التدمير الخلاق وهو الاسم الأصلي له  الذي يخطط كبار المخططين إلى إقامة الشرق الأوسط الكبير من خلال الفوضى  التي كنا نجهل كل شيء عنها  حتى انطلقت الشرارة من تونس  و ما عرف بالربيع العربي  لتبلع الموجة  مصر ونظام مبارح المترنح وليبيا القذافي  و من ثم موضوع كلامنا أي سورية  عقدة الشرق الأوسط  والتي ترسم الثورات الجارية فيها  الشكل المبدئي  للشرق الأوسط الجديد فهنا تتصارع قوى الهلال الشيعي مع المحور السني   ومن خلفهما القوى العظمى ,كما يتصارع فيها القوى القومية الكردية مع العرب والترك  بشكل ثانوي  الشدة ولكن محوري الفعالية من جهة توازن القوى بين المتصارعين  ومن جهة رسم الخريطة فالكرد هم القومية الوحيدة التي تتوزع أرضه كقبضة الأسد بين أربع دول رئيسية في المنطقة وتشكل كردستان المفترضة  العمود الفقري للشرق الأدنى القديم وأي تغيير لا بد أن يمر من كردستان وقبلها من سورية قلب العروبة وواسطة عقد الهلال الشيعي وبوابة تركيا إلى الخليج موطن الثروة السنية العربية .

الدكتور عادل عامر
دكتواره في القانون العام ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية وعضو المجلس الرئاسي للشئون القانونية والاقتصادية بالاتحاد الدولي لشباب الازهر والصوفية
محمول: 01118984318

2015-08-11