دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حركية الذات وايحائية الدلالات :قراءة في قصيدة 'خاتمة الروح 'للشاعرة التونسية ضحى بوترعة...جوتيار تمر

النص:   خاتمة الروح

يباغتني اتجاه الرّيح  وكنت أتحسس قميصك في حدقة البكاء

وهذا الذي يملأ وجهي باليقظة لم يكن صوفيا ولا جاهزا لعداوتي

كان يرفع دمي قليلا  ليخوض في النثر والسرد

أبكي .... أستفرد وأنحسر وأتمازج مع خاتمة الرّوح

وهذا المدى لي......

نبيذ الصرخة يراودني كلما حدقت كبدي

أتدلى  وأتقاسم مع النوارس الرّحيل

سيغفر لي وجهك وشكل الماء سهوي

أقتسم معك هلع النسيان ....لم أجفف دمي من صباح ثقيل

كل الطرق مكتئبة  أتوهم أني فقط أعدل جهاتي  في اللهو

وأنا على وشك البكاء أشير الى صوت في قاع  غيمة

والرّيح تخلع نافذة الشهوة

لماذا قلت أني الصدفة وبعض من مفاصل الشّمس

أنا وخجل طفلة بدأنا بالإغماءة الأولى في مساء مفتوح

لم يكن سفر ولا ورقة سجلتها فوق الجسد

هذه الأرصفة  وهذا الطريق  وشيئا من رائحة نديّة لم تقفل

لماذا قلت أني مزلاج السّماء حين تقذف ألوانك فوق أجنحة الفراشات

هكذا كنا ولم يكن أحد  غيرنا ..

 أعد لك العربة لتتزين بقاموس الأولين

كنت أسمع الطريق وملامة الأقدام

 استيقظ فيك سرب العازفين

وكل الألات الموسيقية لها طعم النفور

ترسم فراشة والحلم يرفض أن يكون  بطل الرواية

ولا خاتمة  حديث الألوان

أترى تحت قميص السّماء وردة

أم ورقة للرثاء.......

إنّ هذا الدم الرماديّ يغدو عراء ....

لو يأتيني ما يفعله القلب في كف الفجر أكون قد علمت الرّحيل  ما يصنعه الماء الراكض ......

أنت  وحكمة الضجيج  وهزائمي  من سلالة البكاء

لاشيء غير ملامح غربتي  وشغب طفلة تعدك بالموت

أتشابه بزوربا وألمحه هناك

كنت أعرف أنّك هناك ,,,,وأن البحر بعيد

وأنني البكاء .......

ماذا تترك الفتنة في زوايا الرهبة

 والنور المكابد يخشى عمى الآلهة المفتعل

تقول الفراشة

 تعلمت من الصفقات غفران أن أجمع ضوء الطرقات

هكذا تعلمت أن أتأخر قليلا قبل البكاء

أشيائي.... خطاي ..توجسي يخونون القلب

 

القراءة / بقلم : جوتيار تمر

  حين تستهدف القراءة  من خلال البنية المعجمية القبض على التنظيم الدلالي الذي يسكن نص العنوان فانها بلاشك تثير زوبعة تساؤلات عن طبيعة الحقل الدلالي الذي يشكله العنوان " خاتمة الروح" في نشاطه النصي وكذلك البحث عن ماهية العلاقات الدلالية التي تتفاعل بموجبها كائنات النص المفردات والحقل الدلالي من حيث النسق المعجمي الذي يكرس التطابق بين المفهوم والشاعرة من خلال التوظيفات والاستعارات والتراكيب والمادة " الموضوع" هذا من جهة، ومجموعة الكلمات من جهة اخرى، مما يوعز بترابط متين في الحقل الدلالي بين فضاء المفهوم والمعجم، وهذا بالتالي ما يعطي انطباعا واضحا حول قيمة العلاقات بين تضاد وترادف تستمد بها الكلمة قيمتها الدلالية فالكلمات لاتكتسب دلالاتها الا من خلال مجموع التقابلات التي تربطها في وحدات الحقل مما يعني ان نص العنوان ينتظمه حقل دلالي عام دال على الموجودات.. كما يشير الى ذلك د. خالد حسين في تأويلاته للعتبة النصية.. لاسيما حين يكون العنوان ونص العنوان ضمن صيرورة تكاملية تحضر فيهما الذات كمحور اساس للحراك النصي بكافة مستوياته.

يباغتني اتجاه الرّيح  وكنت أتحسس قميصك في حدقة البكاء

وهذا الذي يملأ وجهي باليقظة لم يكن صوفيا ولا جاهزا لعداوتي

كان يرفع دمي قليلا  ليخوض في النثر والسرد

أبكي .... أستفرد وأنحسر وأتمازج مع خاتمة الرّوح

وهذا المدى لي......

حين تكون الذات هي المفهوم القيمي للحراك الشعري نجد بأنها تبحث دائما في الممكنات كي تجد ما يعبر عنها باستجلاء وبتناغم مع الحالة الشعورية والنفسية والذهنية، بحيث يمكن من خلالها ان نرسم بجدلية التشخيص ماهية الذات تلك، ومنافذ الولوج اليها، ودرجة الانفعال والتفاعل التي تمر بها، حتى ان لجأت الى الرمزية الايحائية للتعبير عن مكنونها..فكل توظيفاتها تتحول الى مفاهيم معنوية ترسم السبل التي تتخذها لخلق او ايجاد الدوال التي تعبر عنها سواء من حيث التقارب او التضاد " يباغتني اتجاه الريح.." ، فالياء هنا تبثت قيمة الذات التي تعتلي الحدثية النصية، حين تصادمها مع الحالة التي ترصدها، فعنصر المباغتة هنا الزمت الشاعرة  ان تجرد نفسها من الحذر في اخراج ما يعتلج اعماقها، مما كلفتها ان تتجاوز اللاممكن لتفسر ما للوقع النفسي والشعوري " اتحسس... البكاء.." من تأثير ارغمتها على التخلي عن مرتكزات كانت بالامكان ان تقيد سرعة انفضاح حالتها الشعورية والنفسية، غير ان الذات هنا ترسم نفسها من خلال افراغ الصور المحددة في لاوعيها والتي تعكس وعيها البصري المباغت والسمعي الفهمي من خلال التحسس والبكاء.. والاشارة الواضحة الى المعترك الذهني الباعث على هذا الحراك "  وهذا الذي يملأ وجهي.....  كان يرفع دمي... ابكي.... اتمازج مع خاتمة الروح... وهذا المدى لي" انها بلاشك حالة استجلاء ذاتية واضح تمنطق ال"أنا" داخل الموضوعة المثارة وتبين مدى التناغم الحاصل بين الموضوعة نفسها وبين موجبات الذات الساعية لايصال رؤاها بامتداد بلاغي صوفي منسجم مع ايحاءات العنونة وتماديها في نص العنوان نفسه بحيث نجدنا نفكك العنوان من خلال حراك الكلمات داخل المضمون النصي وبحضور ملفت للنظر للذات باعتبارها المحرك الاساس والموحي للحدث الشعري.. وماذا يمكن ان نقول عن ذلك بعد " وهذا المدى لي.."  حيث يصب كل الحراك في " لي" بوضوح وتعالي تام.

نبيذ الصرخة يراودني كلما حدقت كبدي

أتدلى  وأتقاسم مع النوارس الرّحيل

سيغفر لي وجهك وشكل الماء سهوي

أقتسم معك هلع النسيان ....لم أجفف دمي من صباح ثقيل

كل الطرق مكتئبة  أتوهم أني فقط أعدل جهاتي  في اللهو

وأنا على وشك البكاء أشير الى صوت في قاع  غيمة

والرّيح تخلع نافذة الشهوة

تتجه لغة النص الى حالة من التفسير  كي تخرج الذات نفسها من دوامة الانفعال الحاد الناتج من "يباعتني، حدقة البكاء، وابكي.." فتستعين برموز دالة تثير السكينة على الرغم من تفاقم حالة الذات وحالة التضاد الحاصلة في التوظيفات الدلالية " نبيذ الصرخة,,"  فالنبيذ يروض.. والصرخة تثير وتتتمرد لكنهما ناجمان عن الحدقة التي تكررت بكل تدويري رائع هنا.. بحيث تحولت من البكاء الى الكبد مما يدل على عمق تأثير الحالة وتمازجها الكبير مع مكونات الذات نفسها، لكنهت بالتالي تستكتين وترضخ لمفعول النبيذ من حيث الاداء البلاغي الدلالي التفسيري الذاتي للحالة نفسها، فنجد الشاعرة تخوص في رمزيتها الايحائية بهدوء وكأنها تريد ايصال رؤيتها الينا ضمن جدلية تثير السؤال لدينا اكثر مما نجد من خلال توظيفاتها بان السؤال كامن في كينونتها " اتدلى واتقاسم مع النوارس الرحيل.."، ولعل ما يثير الدهشة هنا هو تأخير الرحيل فبدل ان تقول الشاعر واتقاسم الرحيل مع النوراس نجدها تتلاعب بالكلمات لتوظفها بحسية حداثية متمكنة بحيث تثير التساؤلات لدى المتلقي.. وكأنها تريد ان تثبت سمة الرحيل عند النوارس وتلحق نفسها بها، مما يعني بانها كانت تعيش حالة الاستقرار قبل ذلك..لهذا نجد بان اللغة لدى الشاعر ة بقدر ما هي أداة تعبير تصبح أداة نقل لرموز الكيانات الأخرى الى ذاتها من أجل أتساع الحوار في كينونة الرؤيا عنده وبالتالي تصبح المفردات والتراكيب البلاغية هنا ناقلات لرؤاها الداخلية ومرأت تعكس صورها الذهنية وفي مخيلتها كي تبقى الرموز لديها متمازجة ومتشابكة ومتفاعلة بين صورها التشعبية وذاتها المحركة لماهية الحدث النصي.. فنلاحظ سياق التشابك الايحائي الرمزي الذاتي هذا " سيغفر لي وجهك وشكل الماء سهوي.." انه الايحاء الرمزي المتشابك بالذات والذات الاخرى المعينة التي تمد الذات الشاعرة بدفقة التأويل والتفسير لحاتها الشعورية الذاتية لذا تأتي التوظيفات والتوصيفات مدهشة لكونها ممتزجة في الاصل بكينونة الشاعرة وتخرج من بين صلبها " اقتسم معك هلع النسيان.. لم اجفف دمي.. اتوهم.. اعدل جهاتي.. وانا على وشك البكاء.. والريح تخلع نافذة الشهوة..." كلها مفردات تنمي ملكة الايحاء الرامز ضمن الحدث النصي التشعبي ولكنها كلها ايضا ايضاحات وتفسيرات وتأويلات للذات التي تعيش مخاض حالتها بخذخ الجدلية العميقة التي تثير بكل تمفصلاتها القيمة الحداثية التي تمتلكها الشاعرة في سعيها لايصال رؤاها المتقدة داخلها والمتلاحمة مع الخارج بتفاعلية وانفاعلية تجعلنا نشعر بالسيطرة التي تمتلكها الشاعرة على اداتها واتقانها لتوظيفاتها واستعاراتها بحيث يعيش المتلقي الحالة وكأنه يشاهدها لمدى تأثره بالحقل الدلالي الموظف سواء المتضاد او المتقارب.. فحين يتخيل  هذا الموقف " والريح تخلع نافذة الشهوة.."  فانه بلاشك سيتعين بمخيلته الممتلئة بالصور عن الحالة ضمن دائرة التجريب واللاوعي كي يتخيل المشهد بكل تفصيلاته.

لماذا قلت أني الصدفة وبعض من مفاصل الشّمس

أنا وخجل طفلة بدأنا بالإغماءة الأولى في مساء مفتوح

لم يكن سفر ولا ورقة سجلتها فوق الجسد

هذه الأرصفة  وهذا الطريق  وشيئا من رائحة نديّة لم تقفل

لماذا قلت أني مزلاج السّماء حين تقذف ألوانك فوق أجنحة الفراشات

هكذا كنا ولم يكن أحد  غيرنا ..

 أعد لك العربة لتتزين بقاموس الأولين

كنت أسمع الطريق وملامة الأقدام

 استيقظ فيك سرب العازفين

وكل الألات الموسيقية لها طعم النفور

ترسم فراشة والحلم يرفض أن يكون  بطل الرواية

ولا خاتمة  حديث الألوان

تعيش الشاعرة حالة من الحوار الذاتي وتستفيق على الخطاب البوحي المتوهج كي يشعر الاخر بعمق الكلمات التي توظفها الشاعرة في حقلها الدلالي فعلى الرغم من بروز التضاد في الكثير من المساحات الشعرية هنا الا انها اجمالا تحقق الكينونة المراد من خلالها ايصال الحقيقة الكامنة في الذات الشاعرة وبذلك تحقق الشاعرة وجودها من خلال اعطاء البعد الوجودي لدلالاتها واسقاط رؤاها الذاتية كي تكشف الصور التي تزاحمها في لاوعيها المنغمس في الحدث النصي الشعري " لماذا قلت ، انا وخجل طفلة ، سجلتها فوق الجسد.. لماذا قلت اني..." من لايحظ هذه التراكيب سيجد كي يتحول الخطاب من ترميزي الى بوحي وكأن الحوار نفسه تدويري يخرج ليعود بصداه الى الذات الشاعرة فتأتي التوظيفات والاستعارات هنا تكاملية للحدث النصي الشعري بصورته التي تريد الشاعرة ان توصفه لنا، وضمن مدركات مخيلتنا وموحياتها.. وذلك كي نعيشها وفق منطقها هي مع اعطاء فسحة التخييل لكي تتمرد على النسق المتاح " هكذا كنا ولم يكن احد غيرنا.. اعد لك العربة لتتزين بقاموس الاولين.." انها صور تركيبية مدهشة تحفر الممكن الذاتي وتوظيفه بطريقه جدلية تربط الحالة الانية بالاولين مما يعني اعطاء فسحة للتخييل بان يخرج من الدائرة المرسومة سلفاً والممنطقة من قبل الذات الشاعرة وهذا بلاشك يعطي انبطاعاً حول اتساع الحقل الدلالي الذي تزرع الشاعرة فوقه بتلاتها الشعرية وتقطف حصادها المثير للدهشة..فالشاعرة لاتتوقف عند مونولجها الداخلي للرسم البلاغي بل تتعداه الى مديات تجبر المتلقي على اللحاق بها وذلك من خلال اثارة مخيلته على المستويين السمعي والبصري " كنت أسمع الطريق وملامة الأقدام ،، استيقظ فيك سرب العازفين ،، وكل الألات الموسيقية لها طعم النفور ،،ترسم فراشة والحلم يرفض أن يكون  بطل الرواية ،، ولا خاتمة  حديث الألوان.." ، هذه المفردات الرامزة توحي بالكثير من التضاد الحاصل ضمن صيرورة الحدث الشعري الذاتي، لكنها في الوقت نفسه ترسم بيانياً الحالة الداخلية للذات وتصفها بدقة وتفصيلية ربما يتعذر على الشاعرة نفسها ان تجد مسلكاً بلاغياً تصويرياً اخراً لها.. فالصورة هنا تلقتط الطريق سمعاً لكنها تجابهها بملامة الاقدام.. اذا السمع هنا اشبه بمجاز بصري ولكن وقع السمع هو ما تثير الذات الملامة.. ولهذا نجدها تلجأ الى تحريك كل ما لديها من طاقة ذهنية في لاوعيها كي توقظ سرب العازفين.. مستعينة بالالات على الرغم من نفورها اي تضادها مع الحراك الذاتي الشعوري النفسي الذهني، وذلك علها تعيد مفعول النبيذ كي تستعيد بعض السكينة "ترسم فراشة.." لكن وقع الحالة اعمق من ما يمكن تصوره داخلياً لكون الذات نفسها تعيش ثورتها فحتى الحلم يرفض الانصياع.. انها بحق دلالات تعطينا السر في تفاعلنا مع الحدث الشعري وتجعلنا نعيش وقعها الداخلي والخارجي البصري والسمعي بشكل يتناسب مع صيرورة النص نفسه، فنجدنا داخل جغرافية الشاعرة التي استطاعت بتقنيتها الحداثية ان تجعلنا جزء من حراكها الشعري.

أترى تحت قميص السّماء وردة

أم ورقة للرثاء.......

إنّ هذا الدم الرماديّ يغدو عراء ....

لو يأتيني ما يفعله القلب في كف الفجر أكون قد علمت الرّحيل  ما يصنعه الماء الراكض ......

حين تبدأ الشاعرة هنا ب" أترى..." لابد وانها وصلت الى مرحلة تريد اقحامنا في كل تفاصيل رؤاها الاتية لاسيما انها استطاعت منذ البدء سواء من خلال العنونة او نصية العنوان ان تجعلنا داخل سياقاتها النصية وحراكاتها الصورية والبلاغية ضمن حقلها الدلالي المتسع والممتلئ بالمقاربات والتضادات،. وهذا ما يتضح هنا بجلاء " أترى تحت قميص السماء وردة ـ.. ام ورقة رثاء..." لكون الذات نفسها لاتقف عند حدود التساؤل او المفردات المتثيرة للسؤال، بل نجدها تجذب المتلقي وتقحمه في صراعها الذاتي ومن ثم تعود بذاتها كي ترسم ملامح الجواب، وهكذا نوع من الخطاب الشعري يثير بلاشك ذهنية المتلقي ويثير عنده الدهشة والتساؤل من ماهية التوظيف الدلالي ، وهي اللحظة التي تحقق فيها الشاعرة الصدمة الشعرية التي تتيح لنصها الوصول الى مستويات النضج الدلالي والتصويري معاً " ان هذا الدم الرمادي يغدو عراء... لو يأتيني..... أكون قد...." فكل الاشياء المتضادة والمتقاربة تحاول اكتشاف الحالة وتعمل على تطابقها مع  الصور المتسربة من اللاوعي بحيث نلامس محاولات الشاعرة في استعادة رموزها وتحفيزها كي تنشط من جديد لاثارة المزيد من التأويلات المتحركة داخل ذهنية التصور الاساس لمكونات الرؤية النصية والذات الشاعرة معاً، مما يخلق تمازجاً اخراً بين النصية والذات وبينهما وبين المتلقي الساعي لرسم معالم النص من خلال تفاعله الزمني اللحظوي وتخيلاته التي تعطي انطباعاته حول الذات الشاعرة ، وهذا بالتالي يعطي قدرة تحفيزية خيالية لديه..كي يستطيع مواكبة النسق النصي التصاعدي المثير.

أنت  وحكمة الضجيج  وهزائمي  من سلالة البكاء

لاشيء غير ملامح غربتي  وشغب طفلة تعدك بالموت

أتشابه بزوربا وألمحه هناك

كنت أعرف أنّك هناك ,,,,وأن البحر بعيد

وأنني البكاء .......

ماذا تترك الفتنة في زوايا الرهبة

 والنور المكابد يخشى عمى الآلهة المفتعل

الجميع بين الاضداد هي محصلة التراكمات السابقة التي خلقت هذا التوهج الشعري الذاتي لدى الشاعرة، فحين تتصاعد الرؤية الحدثية النصية من الذات المحورية لتعانق في مداياتها المقتنيات والتراكيب والاستعارات والصور والتشكيلات البلاغية والتطور الحاصل ضمن دائرة تحفيز اللاوعي وكل الالتقاطات المتقاربة والمتضادة والناجمة من التفعيل الذاتي الشعوري سواء من تبعيات الحدقة والبكاء او هلع النسيان او  نبيذ الصرخة ونافذة الشهوة والى غير ذلك من المفرادت الراسمة لذات بدون قيدية واضحة فانها بكل تأكيد ستصل بنا في ختاماتها الى هذه الحالة التضادية التي تبرز قيمة الصراع نفسه داخل الذات الشاعرة مع صراعها الساعي لابراز رؤيتها " أنت  وحكمة الضجيج  وهزائمي  من سلالة البكاء ،، لاشيء غير ملامح غربتي  وشغب طفلة تعدك بالموت.." هذه الصورة الراسمة لماهية الصراع الحاصل  داخل كينونة الشاعرة تأتينا بملامح صاخبة صارخة خارجة من ولاعيها وراصدة لواقعها النفسي والشعوري والذهني بحيث نشعر بأن مفعول النبيذ كان سلاحاً ذو وجهين فالسكينة لم تكن الا الهدوء الذي يسبق العاصفة لتحرك في الذات هذا التضاد وتصل بها الى حافة الهلاك والهزيمة واستعادة البكاء والغربة التي تفضي بالنهاية الى الموت، انها لصور مبتكرة في جدليتها ورمزيتها وبعدها الوجودي وبعدها الدلالي، بحيث تلزمنا على الانقياد التام لماهية الرؤية والبقاء ضمن الجغرافية التي ترسمها بدقة وحرفية " أتشابه بزوربا وألمحه هناك ،، كنت أعرف أنّك هناك ,,,,وأن البحر بعيد ،، وأنني البكاء .......ماذا تترك الفتنة في زوايا الرهبة ،، والنور المكابد يخشى عمى الآلهة المفتعل .." فهذه التشبيهات والوصفيات تبقينا ضمن مساحات المد النصي الدلالي ، على انها تفتح امام مخيلتنا الافق او البعد الثالث كي نخرج بعض الصور التي تحركه فينا هذا المشهد المختم بعمى الالهى المفتعل والمسبق ب" زوربا " حيث الافق والحرية.. والفكرة التي تنفلت من قيودها الذاتية لتصبح هذه التشبيهات مرآة عاسكة لها.

تقول الفراشة

 تعلمت من الصفقات غفران أن أجمع ضوء الطرقات

هكذا تعلمت أن أتأخر قليلا قبل البكاء

أشيائي.... خطاي ..توجسي يخونون القلب

 ان اعادة الفراشة الى الواجهة من جديد لدليل على ان الروح خرجت لتوها مرة اخرى من حالة النفور والرفض التي سبقت لتستكين الى الحلمية المرافقة للفراشة، ولكن ليس دون ان تسطر رؤيتها بحرفية واتقان، فالفراسة حين تقول الروح تقول وقتها، وهي لاتريد ان تبرهن مدى فعالة الانهزام والبكاء على ذاتها انما فقط تريد ان توصل كلمتها  حتى وان لزم ذلك تعريها من جديد من ذاتها وفضح مكنوناتها، وهذا رد فعل ارادي ليس بخارج عن الرغبة الذاتية ولا عن قناعاتها الوجودية.. لذا نجد الذات هنا تحاول ان ترسم لنا محصلة تجربتها وما توصلت هي اليه من قناعات " تعلمت من الصفقات غفران... ان اتاخر... اشيائي،، خطاي،، توجسي،، يخونون القلب.."، فتحيل كل مقتنياتها وكل ادراكاتها وكل ما توصلت اليه من تجربتها الى الخيانة التي بدورها تتقمص دور البطولة في ختمة الحدث النصي بمشاركة القلب، مما يجعل من هذا النص اجمالا اشبه بسيرة ذات اكتسب قيمته من خلال الحقل الدلالي المنوط بكل التفاعلات الداخلية والخارجية وكل الاشياء التي رافقت هذه التفاعلات سواء أكانت داخلية ام خارجية، لكونها اجمالا استطاعت ان تعكس الصورة الداخلية للذات الشاعرة بدقة وتفصيلية اتاحت لنا كمتلقين ان نواكب حراكات النفس والذات الشاعرة وكل تجليات الروح التي تمخض عنها هذا التشكيل الدلالي البلاغي الواعي لكينونة الشاعرة.

 

2015-11-06