دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الممر الإجباري لربيع عربي حقيقي... بقلم د. جمال السلقان

أتابع بحزن ما يجري في تونس 'وأؤمن بأن ذات المشهد يسود في بقية المنطقة العربية'، المطالب العادلة في العيش الكريم هي نفسها التي كانت عشية الثورة، وباعتقادي ستبقى هذه المشكلة قائمة ما دام الشباب العربي غير مدرك لاستحالة التنمية الاقتصادية في اي قطر عربي على حدة من دون وجود سوق عربي موحد، وغير مدرك لحقه في الحديث عن "الشأن العربي" الواحد بما يُسقِط الجملة السياسية التي ترسخت بعد سايكس - بيكو. دون تجاهل لعوامل التاريخ المشترك والتكوين المشترك الموحد لأمة من طراز متجانس،. يفيد الإقتصاد من ناحية انه من الثابت أن لا طائل من أي محاولة "قطرية" لأي "قطر عربي" إزاء إشكالية التنمية أو حتى الإستمرار في البقاء إذا ما بقيت هذه المحاولة في الإطار القطري. لا يوجد بأي "قطر" عربي مقومات للإستمرار إقتصاديا لوحده من جهة تأمين مواطنيه للعيش بكرامة. إنه السوق! سوق عوامل الإنتاج الغير مجزّأ. إنه السوق العربي الكبير الذي يستثمر فيه المال النفطي العربي في الأراضي غير المزروعة في السودان والذي تنتقل فيه العمالة العربية القادمة من سيدي بوزيد وضواحي القاهرة إلى حيث تكون مهارتها ذات ميزة ولا تنتظر سياسات زين العابدين بن علي ولا الذين يحتلون جزيرة العرب ويسرقون خيراتها.! 


إنه السوق الموحد الذي يضاعف إنتاج وإنتاجية المشاريع الإقتصادية والذي يفتح الأفاق باتجاه التطور العلمي والتقني الذي حتما -مع سياسات إقتصادية اجتماعية عادلة وغير مستمدة من الرأسمالية- ستعالج البطالة المستشرية في الوطن العربي. هذا قول مبرر من الناحية الإقتصادية، لأن النشاط الإقتصادي والإجتماعي الممارس في الوطن العربي هو نشاط يقع دون خط الإنتاج الممكن. السوق العربي الموحد يزود النشطاء الإقتصاديين بميزة لا تملكها صيغة "الدولة القطرية". فالفرص أمام الإستثمار والرأسمال في ايجاد منافذ مربحة ستتضاعف، وعوامل الجذب التي ينتج عنها نقل التكنولوجيا ستزيد على نحو مثبت. الوصول الى خط "الإنتاج الممكن" دون الوقوع تحت طائلة التضخم هو فضاء حصري لوحدة السوق العربية. في سوق كهذا لا يحرق خريجوا الجامعات وغيرهم أنفسهم طلبا للحصول على وظيفة! وستكون هذه الأمة أمة محترمة بين الأمم. "دولة الإتحاد" العربي دولة عظمى مبنية على المواطنة وعلى تراث خصب في تأسيس دولة تجعل من التنوع في شعوبها ميزة وليس تهديدا..

إيماني العلمي بالتداؤب ' وهو يعود للوفورات الإقتصادية المتحققة من الوحدة ومن اتحاد عناصر الإنتاج على نحو أعظم من الوفورات التي تتحقق من خلال الجمع الأفقي البسيط للإقتصادات' هو ما يبرر هذا الإيمان بالسوق الموحد، وبمعنى أخر فإنه ثابت إقتصاديا [انه في حالة إتحاد إقتصادين -على سبيل المثال- فإن إجمالي الناتج المحلي للإقتصاد الجديد الموحد سيفوق حتما مجموع ما ينتجه الإقتصادان قبل الإتحاد]. ما ينطبق على الإقتصاد ينطبق على التوظيف الأمثل للموارد وتحسين الخدمات ونوعية المواطن وعدد أقل من المشاكل الإجتماعية والأمنية...الخ..
لن تتحرر هذه الأمة إلا إذا "أعملت" الفكر التوحيدي في وجدانها، وأصبح كل تونسي ومصري وعراقي ويمني وجزائري وسوري وفلسطيني يشعر بأن المال العربي المهدور في جزيرة العرب والذي يُبذًر على الفسق واللهو 'وهو يفوق كل ما أنفقته ناسا على برامج الفضاء وما رصدته دول أوروبا لإعادة البناء بعد الحرب العالمية الثانية وما أنفقته دول مثل الصين وكوريا الجنوبية وغيرها للتنمية' هو ماله، وأن ما يضيع من هذا المال لصيانة حدود سايكس بيكو والإبقاء عليها، هو في الواقع ما يتسبب بكدر عيش هؤلاء جميعاً..
لماذا سيكون من الصعب حل الإشكالات "المحلية" من دون التفكير بالشأن العربي كله؟ الجواب المختصر هو أن هذه الأمة تشكلت معا وتطورت معا ، وعندما امتدت اقاليمها وتبلورت هويتها ومنطقتها، فعلت ذلك على أساس افتراض حيوي مفاده أن منطقتها منطقة متكاملة وان بقاء وحدة اقاليمها بلا تجزئة هو شرط حيوي لوجودها، نعم، لمحض وجودها. في الواقع، وما إقامة كيان صهيوني في المنطقة العربية إلا لتثبيت واقع التجزئة وضمان السيطرة على ثروات وموقع المنطقة وحماية الأنظمة التي تتربع على مقدرات الأمة!!

2016-01-29