دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
تركيا .. كرة القدم تحت أزيز «إف 16» وعيون الشرطة

موهيلسريفاستافا من ديار بكر:

تم إطلاق الغاز المُسيل للدموع في الهواء وطائرات مُقاتلة من طراز "إف 16" حلقت في سماء المنطقة، في الوقت الذي اتّخذ فيه الفريقان أماكنهما في ملعب كرة القدم في ديار بكر، الموطن "رغم أنفه" لحرب دامت شهرين بين الانفصاليين الأكراد والجيش التركي.

في إحدى زوايا الملعب كان اللاعبون من فريق إسطنبول العملاق، فناربخشة، وهو واحد من أغنى وأشهر الأندية في تركيا، مع أموال احتياطية سمحت له بشراء روبن فان بيرسي من نادي مانشستر يونايتد العام الماضي ـ الرئيس رجب طيب أردوغان يعتبر أحد مشجعيه.

في الزاوية الأخرى، فريق آمدسبور، النادي الصغير الذي على طريق غير محتمل للمباراة النهائية لكأس تركيا، الذي يتألف في أغلبه من الأكراد في مدينة كردية في الغالب، والمحروم من أحد نجومه في خط الوسط، الذي وشم كلمة آزادي - كلمة كردية تعني "الحرية" - على ذراعه.

مع منع مشجعي كلا الفريقين من الحضور، لم تكن هناك أي حشود لتهتف لهما - المتفرّجون الوحيدون كانوا من الأندية والاتحاد التركي لكرة القدم فضلاً عن مجموعات من رجال الشرطة الذين يرتدون الأقنعة، ويضعون أصابعهم على أسلحتهم الرشاشة. الملعب، إن كان يُمكن تسميته كذلك، كان أصغر من ملعب كرة قدم في مدرسة ثانوية، وليس فيه لوحة نتائج ولا أضواء كاشفة.

إذا كانت كرة القدم هي رمز للحرب، فإن مباراة يوم الثلاثاء الماضي كانت مليئة بالاستعارات. بالنسبة إلى كثير من مشجعي نادي آمدسبور، لم تكُن المباراة تمثّل كرة القدم فقط، بل عقوداً من الخصومة، والحرب والموت الذي قسم البلاد بين المُثل العُليا التركية والكردية الخاصة بالقومية والمواطنة.

يقول هايياناروكاك، الباحث في مركز موشي دايان الذي درس التاريخ الكردي والتركي وهو كاتب في مجال كرة القدم "إنها أكثر من مجرد لعبة. فريق فناربخشة كان الممثل التركي وفريق آمدسبور الممثل للأكراد والمظلومين - من وجهة النظر الكردية".

على بُعد عشر دقائق بالسيارة تقع مدينة سور المنكوبة الآن، حيث الجيش التركي يُحارب مجموعة غير مُنظّمة من المُسلّحين الأكراد الشباب مرتبطة بجماعة حزب العمال الكردستاني. أسابيع من معارك الشوارع المستمرة أسفرت وفقاً لتقديرات متفرقة، عن مقتل مئات المسلحين وعشرات المدنيين والجنود الأتراك.

استئناف العنف في المنطقة، الذي اندلع بعد انهيار عملية سلام مع الأكراد في العام الماضي، أدى إلى حالة استقطاب في أمة منقسمة في الأصل. بالنسبة إلى أردوغان، يُشكّل المسلحون تهديداً إرهابياً يجب القضاء عليه - وقد انتقد أي شخص يشعر أنه لا يذهب بعيداً بما فيه الكفاية لإدانة حزب العمال الكردستاني بأنه إرهابي. أما بالنسبة إلى مشجعي فريق آمدسبور، فإن دعم الفريق الكردي بدون وصفهم بالانفصاليين الأكراد قد أثبت أنه مهمة مستحيلة.

في وقت سابق من هذا الشهر، تمت مداهمة مكاتبه من قِبل وحدة مكافحة الإرهاب بعد نشر الأنصار تعليقات انتقادية على وسائل الإعلام الاجتماعية، في حين فرض اتحاد كرة القدم غرامة على النادي بسبب الرسائل السياسية التي اعتبرها نوعا من الدعاية. وكان نادي آمدسبور قد حُرم من خدمات دنيز ناكي، لاعب خط الوسط الكردي المولود في ألمانيا، الممنوع من لعب 12 مباراة بسبب انتقاده العمليات العسكرية.

دخل لاعبو آمدسبور إلى الملعب وهم يحملون لافتة عملاقة كُتب عليها عبارة "الأطفال ينبغي ألا يموتوا، ينبغي لهم القدوم إلى المباراة".

في أول دقيقة من اللعب، وقفوا ثابتين، وأيديهم مضمومة في مواجهة المسؤولين الذين حظروا مشجعيهم من الحضور بسبب ترديد الكلمات نفسها في المباريات السابقة. بينما كان لاعبو فريق فناربخشة المُعارض يمررون الكرة بتمهّل بين بعضهم بعضا، ناظرين إلى السماء في الوقت الذي كانت فيه طائرة مقاتلة تُحلّق فوقهم.

هناك كثير من اللحظات السريالية الأخرى: رجال الشرطة يراقبون من فوق جدار مرتفع حشدا من الأنصار الذين تم إبقاؤهم بعيداً عن الملعب باستخدام الحواجز وخراطيم المياه والغاز المُسيل للدموع ـ وجاءت لحظة من الذعر عندما انقلب كرسي في منصة كبار الشخصيات، محدثا صوتا مدوّيا تبعته ضحكات قلقة.

في الخارج احتشد المشجّعون الجزعون حول حاجز للشرطة، على أمل السماح لهم بالدخول، على الرغم من الحظر. أحمد أكسو، الطالب البالغ من العمر 19 عاماً، انتقد قائلاً "لو كنّا من الأتراك كان بإمكاننا مشاهدة هذه المباراة، لكن لأننا أكراد لا نستطيع. في إنجلترا إذا نطقنا بكلمة "حريّة"، فلا بأس، لكن هنا يتم إرسالنا إلى السجن فقط". في المعلب كان الفريقان متعادلين، إن لم يكُن في المهارات، ففي العواطف. المباراة مالت لمصلحة فريق آمدسبور، ثم لمصلحة فريق فناربخشة، ثم عادت لتنتهي بالتعادل 3-3. يقول جون ماكمانوس، الذي يحمل شهادة دكتوراه من جامعة أكسفورد في كرة القدم التركية "كانت مبارة متوازنة بشكل متساو للغاية. لقد كانوا متعادلين تماماً، لمدة 90 دقيقة على الأقل". تم حذف لحظة واحدة من الدراما من البث التلفزيوني من خلال مزيج بارع من إعادة عرض اللعب - بعد الهدف الأول، أمسك المهاجم سيهموسأوزير قميصا كُتب عليه اسم زميله ناكي ولوّح به باتجاه مسؤولي الاتحاد.

يقول ناكي "إنه رفض عروضا ذات أجر أفضل جاءت من بلجيكا وهولندا ليأتي إلى نادي آمدسبور".

وقال في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز"، "عادةً لاعبو كرة القدم لا يرغبون في المشاركة في السياسة. إنهم يريدون أموالهم وحياتهم المهنية. لكن قبل أن أكون لاعب كرة قدم، أنا إنسان. عندما نلعب في الوقت الذي توجد فيه حرب، ينبغي أن أعبّر عن رأيي".

ويُشير إلى أنه لو أن لاعبا تركيا رفع لافتة لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتبع له أردوغان، أو أدى التحية العسكرية "عندها يكون هذا اللاعب بطلا". لكن "إذا كنت تفعل هذا ككردي، فأنت إرهابي".

المواجهة ستستأنف في آذار (مارس) عندما يلتقي الفريقان في ملعب نادي فناربخشة في مباراة الإياب.

2016-02-13