دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أمريكا:ديون الطلاب تذكر الأمريكيين بالقروض العقارية السامة

بارني جوبسون وسام فليمنج من نيويورك:

ذهبت جنيفر تشار إلى كلية ويستوود في أتلانتا، تحلم بأن تصبح فنانة تشكيلية. اليوم تبيع منتجات تجميل، وتتساءل عما إذا كان العامان الماضيان في الكلية، التي ستغلق أبوابها بشكل دائم هذا الشهر، جديرين بالاهتمام.

تقول "شعرت أن بعض المواد الدراسية شبيهة أكثر بالاختيارية (دورات اختيارية) لطلاب المدارس الثانوية، أو لا لزوم لها لشهادتي"، موضحة أنها غادرت الكلية مع مجموعة صغيرة جدا من الأعمال لإظهارها لأرباب العمل. "كان الأمر مزعجا جدا. لماذا أدفع المال لشيء لا يستحق كل هذا العناء"؟

الإرث الوحيد الذي لم تتخلص منه شار منذ أن كانت في ويستوود هو الدَيْن. تقول "إن تسديد القروض التي تراوح بين 400 و500 دولار شهريا تستهلك نحو نصف مكاسبها المقبوضة. إنها تستفيد من مالك متسامح - والدتها - لكن الصعوبات التي تواجهها مع ديون الطلبة تعتبر فريدة من نوعها".

كان الأمريكيون قد راكموا بشكل جماعي ما يصل إلى 1.2 تريليون دولار من الديون الطلابية بحلول نهاية عام 2015، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المبلغ قبل عقد من الزمان. وقد اقترض كثيرون بكثافة اعتقادا منهم أن مواصلة تعليمهم بعد المرحلة الثانوية هي أفضل وسيلة للتملص من نير الأجور المنخفضة التي حاصرت الملايين خلال الانتعاش الاقتصادي.

بعضهم يجد الآن أن الأعباء تفوق الفوائد. القروض الطلابية تجاوزت بطاقات الائتمان في عام 2012 من حيث إن لها أسوأ معدلات تخلف عن السداد في قطاع الائتمان الاستهلاكي. فأكثر من قرض من بين كل عشرة قروض طلابية كانت متأخرة لأكثر من 90 يوما بعد تاريخ الاستحقاق اعتبارا من تشرين الثاني (نوفمبر)، وذلك وفقا لمحللي الائتمان لدى "إكويفاكس". وما يضيف إلى المخاوف أن بحثا يشير إلى أن أكبر المشكلات المالية يواجها الطلاب الذين لا يستطيعون على الأقل تحمل تكاليفها: الأمريكيون الأكثر فقرا الذين أخذوا قروضا أصغر لدفع ثمن دورات يتلقونها في مؤسسات أقل عراقة.

القوانين الاتحادية توقف سداد ديون الطلاب حال الإفلاس في معظم الأحيان، وهذا يعني أن الديون يمكن أن تلقي بثقلها على الوضع المالي الشخصي لسنوات. وأثار هذا قلقا من أن مستوى ديون الطلاب الذي بلغ في المتوسط ما يقل قليلا عن 29 ألف دولار لكل مقترض في عام 2014، ارتفاعا من 18550 دولارا قبل عقد من الزمان، سيكبح قدرة كثير من الأمريكيين على بدء عمل تجاري أو شراء منزل.

بالنسبة إلى مكتب الحماية المالية للمستهلك، الذي أنشئ في أعقاب الأزمة المالية باعتباره الجهاز المنظم الرئيسي لقروض التعليم، وضع ديون الطلاب يحمل بصمات القروض العقارية السامة التي تسببت في انهيار عام 2008. سيث فروتمان، القائم بأعمال أمين المظالم لقروض الطلاب في CFPB، يقول "نحن نرى انهيارا في سداد القروض الطلابية يذكرنا بشكل مخيف بما رأيناه في أزمة القروض العقارية".

وخلافا للأشكال الأخرى من الديون الاستهلاكية، كما يقول فروتمان، "القروض الطلابية لا تغطيها قوانين شاملة تتعلق بقضايا مثل عمليات الدفع، والتعامل مع الشكاوى، وكيفية مساعدة المتعثرين من المقترضين". ويضيف "هناك جيل من الناس تغلغلت فيه ديون الطلاب بشكل لم يسبق له مثيل. ونحن نرى هذا التأثير في الميزانيات الأسرية، وهذا له آثار أوسع نطاقا في الاقتصاد".

الضغوط السياسية

الديمقراطيان، هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز، والجمهوري ماركو روبيو، وضعوا خططا مُفصّلة لإصلاح نظام اقتراض الطلاب الذي يُعتبر جزءا أساسيا من بيانهم في حملة الانتخابات الرئاسية. بالنسبة إلى الناخبين الذين ولدوا بعد عام 1980، ديون الطلاب والقدرة على تحمّل تكاليف الدراسة الجامعية هي ثاني أهم قضية تواجه الرئيس المُقبل بعد الاقتصاد وفرص العمل، وذلك وفقاً لاستطلاع أجرته في كانون الثاني (يناير) مجلة "يو إس أيه توداي" و"روك ذا فوت" USA Today/Rock the Vote.

واتّخذت إدارة الرئيس باراك أوباما بعض المبادرات لتخفيف العبء على المُقترضين، بما في ذلك زيادة المنح للطلاب الأقل ثراءً، من خلال توسيع البرامج التي تضبط سداد الدفعات وفقاً لحجم رواتب الخرّيجين واستحداث إعفاءات ضريبية على نفقات التعليم.

وتسعى الإدارة أيضاً إلى تنفيذ حملة تدقيق على الجامعات التي، كما تقول، تربح بشكل غير قانوني من الطلاب، بما في ذلك الجامعات التي تُدير "مطاحن تجنيد" لتسجيل أكبر عدد ممكن من الناس، بغض النظر عن قدرتهم أو احتمال نجاحهم.

النقطة الخلافية الرئيسية في نقاش قروض الطلاب هي الانتشار الكبير لمشكلات السداد في الجامعات المملوكة للشركات الهادفة إلى تحقيق أرباح - التي تتم إدارتها كأعمال تجارية لجني المال للمالكين والمساهمين - التي كانت في الأعوام الأخيرة تتودّد بقوة للطلاب ذوي الدخل المنخفض. إنها تختلف عن الجامعات الخاصة غير الربحية، التي يتم تمويلها جزئيا من خلال الهِبات وتشرف عليها مجالس إدارة لا تملك حصصا مالية في المؤسسة، والجامعات العامة التي تحصل على جزء كبير من تمويلها من الولايات والإيرادات الضريبية المحلية.

وأنشأت وزارة التعليم في الولايات المتحدة وحدة تنفيذية لاستهداف المؤسسات التي تُغري الطلاب للتسجيل فيها من خلال حملة تسويق خادعة، أو تسجيلهم في كليات حيث يفتقدون المهارات اللازمة لها، أو يطلبون لهم مساعدات مالية فيدرالية بشكل مُخادع. تيد مايكل، وكيل وزارة التعليم، يقول "إن عدد المُقترضين الضعفاء ارتفع جزئياً لأن الجامعات تقبل مزيدا من الطلاب البالغين، بما في ذلك الأمهات العازبات والمتقاعدون العسكريون في العشرينات والثلاثينات من العمر".

ويضيف "هذه الطبقة من الناس يغلب عليها أن تكون ذات دخل أقل من الطلاب من الطبقة المتوسطة التقليدية، الذين يضعهم أهلوهم في شاحنة عائلية صغيرة في مؤسسة لمدة عامين أو أربعة أعوام. لذلك ليس فقط أن مزيدا من العبء يقع على الطلاب وعائلاتهم، لكن يقع أيضاً على السكان الأقل ثراءً بشكل متزايد (...) وليس لديهم المخزون المؤقت من الثروة للاعتماد عليه".

السعي إلى الإعفاء

أزمات ديون الطلاب في أمريكا تعود جذورها إلى الركود الذي وجه ضربة ثلاثية، عن طريق إجبار الطلاب على تحمل مزيد من الاقتراض، حتى مع تقليل الولايات المتعثرة دعمها التعليم، وتضاؤل فرص العمل للخريجين.

بموجب نظام الولايات المتحدة، الحكومة والولايات الاتحادية توفران المنح والقروض للطلبة، لكن حكومات الولايات خفضت التمويل في السنوات الأخيرة. وقروض الحكومة الاتحادية، التي عليها أسعار فائدة منخفضة ولا تتطلب شيكات ائتمانية، تذهب مباشرة للطلاب وتدار من قبل وزارة التعليم وبتمويل من وزارة الخزانة.

ازدهرت الكليات الربحية منذ بداية العقد الأول من القرن الحالي، من خلال تلبية الطلب على التعليم العالي الذي لا يمكن للمؤسسات العامة وغير الربحية الحالية أن تلبيه. فهي توفر الراحة والمرونة لأعداد متزايدة من الطلاب غير التقليديين الذين لم يحصلوا على الدرجات المؤهلة للدراسة الجامعية لمدة أربع سنوات ويرغبون في الحضور للدراسة بدوام جزئي أثناء عملهم.

وكثير من الكليات أصبح تحت ظل تصاعد التدقيق التنظيمي وضغط الأرباح وسط معدلات التخلف عن السداد العالية بين الطلاب، والتحقيقات في مزاعم التسويق النشطة. كليات كورنثيان، واحدة من أكبر السلاسل الربحية في البلاد بما لديها من 16 ألف طالب، تقدمت العام الماضي بطلب لحمايتها من الإفلاس، وسط مزاعم حكومية بأنها ضللت الطلاب فيما يتعلق بفرصهم في الحصول على وظيفة. ولم تعترف كورنثيان بارتكاب أي مخالفات عندما بثت هذه الادعاءات لأول مرة، وقالت "إنها لا تستحق أن تضطر إلى الإغلاق" حين أعلنت عن إغلاق أبوابها في نيسان (أبريل) الماضي.

وتلقت وزارة التعليم تقريبا عشرة آلاف طلب مقدم من الطلاب الذين يسعون إلى شطب ديونهم بموجب القانون الفيدرالي الذي يعفي المقترضين الذين يثبت أن مدارسهم استخدمت أساليب غير قانونية لإدراجهم فيها. وحتى الآن وافقت على إلغاء ما يقارب 28 مليون دولار من ديون 1300 طالب كانوا في كليات كورنثيان.

في ويستوود، سينتقل الطلاب الباقون إلى مؤسسات أخرى بعد إغلاقها، المقرر يوم الجمعة. السلسلة، المملوكة لشركة تعليم خاصة تسمى كليات ألتا، التي تملك حصة الأغلبية فيها شركة الأسهم الخاصة هاوساتونك بارتنر، سبق أن اتهمت باستخدام تكتيكات مضللة لجلب الطلاب إليها. في عام 2012 توصل المدعي العام في كولورادو إلى تسوية بقيمة 4.5 مليون دولار بعد مزاعم بأن المؤسسة ضخمت معدلات التوظيف. ولم تعترف ويستوود بالمسؤولية كجزء من تلك التسوية.

وفي بيان أعلنت فيه عن إغلاقها، ألقت ويستوود باللائمة في تدني معدلات الالتحاق على "تحولات السوق والتغيرات في البيئة التنظيمية" وقالت "إنها تشعر بالفخر لمنجزاتها".

لوقا هيرين، من مجموعة "ذا ديبت كوليكتف" الناشطة، يضغط من أجل الإعفاء من الديون من قبل وزارة التعليم. ويقول "التخلف عن دفع الديون مرتفع بشكل شنيع بين الأمريكيين الأكثر فقرا". ويرى أن ازدهار المؤسسات الربحية أوجد "إشكالية ديناميكية" بين أولئك الذين لديهم وسائل متواضعة ويعتقدون أن الكلية تعزز قدرتهم على الارتقاء في سلم الدخل، لكن تركهم الدراسة جعلهم مستضعفين من الناحية المالية.

آدم لوني، من وزارة الخزانة الأمريكية، وقسنطين يانليس، من جامعة ستانفورد، أجريا دراسة تشهد على هذا القلق. وخلصت الدراسة إلى أن الطلاب الذين تخلوا في عام 2011 عن الكليات الربحية أو غادروا كليات الكورسات ذات العامين كانوا يمثلون 70 في المائة من المعسرين عن السداد بحلول عام 2013، وكانوا أكثر عرضة للبطالة من الذين غادروا الجامعات التقليدية. ويميل المقترضون الذين يتحملون أكبر الديون إلى التسجيل في الكليات التي تمنح درجات أكاديمية متقدمة، أو الجامعات ذات الأسماء الكبيرة، إلا أنهم ليسوا هم الأكثر احتمالا أن يتمكنوا من دفع الديون بعد ذلك.

البيانات التي جمعتها "إكويفاكس" لـ "فاينانشيال تايمز"، الخاصة بتتبع ديون الطلاب المتعثرة تظهر أن بعضا من أكبر المشكلات توجد في الولايات الفقيرة. في ولاية ميسيسيبي، نحو 17 في المائة من القروض الطلابية تعتبر مستحقة منذ أكثر من 90 يوما، وهي أعلى نسبة في البلاد، تليها نيو مكسيكو بنسبة 15 في المائة.

لكن المدافعين عن الكليات الربحية يصرون على أنها توسع الفرص، وليس العكس. نيت كلارك، الذي يدير "كارير كوليدج" في شمال ولاية نيفادا، يرى أن إدارة أوباما تبالغ في مدى الممارسات السيئة في القطاع.ويقول "أعتقد أنه أمر موجود عند مستوى معين. كل قطاع من قطاعات الاقتصاد لديه نوع من الفساد، ونحن بحاجة إلى مراقبة ذلك". لكنه يخشى من أن تحقيق وزارة التعليم يمكن أن يتحول إلى "مطاردة ساحرات". ويضيف "هناك كثير من المال الذي سينفق على شيء ما ولن تنتج عنه أمور كثيرة". وحتى تلك المؤسسات التي تحاول أن تفعل الشيء الصحيح تكافح من أجل الحفاظ على الطلاب بعيدا عن المتاعب المالية. فمعدل الإعسار الحالي بين طلاب كلارك السابقين 24.6 في المائة، وهو يأسف على ذلك، لأنه بشكل مثير للقلق على مقربة من عتبة 30 في المائة، حيث يمكن للحكومة إيقاف طلاب المؤسسة من الوصول إلى القروض الفيدرالية.

جيوب الأزمة

يقول مايكل "إن وزارة التعليم حددت "جيوب الأزمة الحقيقية في اقتراض الطالب" لكنها تعتقد أنها موجودة إلى حد كبير في أماكن حيث يلتحق الطلاب بالبرنامج ولا يكملونه". وهو يؤكد أن الكلية لا تزال تمثل "استثمارات كبيرة" ذات مردود كبير جدا بالنسبة إلى الأشخاص الذين أتموا أي شيء، سواء من الدرجات العلمية التي تستغرق أربع سنوات أو دبلوما سريعا. وأظهر بحث أجراه ديفيد أوتور، وهو أستاذ في معهد ماساتشيوستس للتكنولوجيا، أن فجوة الإيرادات بين متوسط أجر الجامعيين الذكور الأمريكيين ونظرائهم الذين لديهم تعليم ثانوي تضاعف بين عامي 1979 و2012. ومعدل البطالة للأمريكيين الذين يحملون شهادة البكالوريوس، أو أعلى، كان 2.5 في المائة في كانون الثاني (يناير)، مقابل 5.3 في المائة لخريجي المدارس الثانوية الذين فاتهم التعليم في الكلية.

على هذا النحو، لا يزال كثير من الأمريكيين مقتنعين بأن تكلفة التعليم الجامعي تستحق ذلك العناء. لافونتات ويليامسون، الذي يعيش في كولومبيا عاصمة ولاية كارولينا الجنوبية، واحد من هؤلاء. يقول "في حين لا يخطط أي من أصدقائه للذهاب إلى الكلية، إلا أنه قدم طلبا للحصول على مقعد في الجامعة لدراسة الصيدلة"، مقتنعا بأن المقامرة ستؤتي ثمارها في راتب أعلى بكثير مما لو اعتمد على التعليم الثانوي.

"أود أن أكون بدلا من ذلك مدينا لأجل عشر سنوات ولا يزال بإمكاني في نهاية المطاف كسب المال". لكنه يعترف بسهولة بوجود شكوك حول حجم القروض التي يمكن أن يواجها. "إنه شعور مخيف".

FINANCIAL TIMES

2016-03-02