دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الإفساد سلاح أعداء الشعوب الأخطر...عدنان الصباح

 الفساد وباء متحرك  لا يمكنه أن يعيش أبدا في حالة سكون أو هو غير قادر على أن يكون كذلك وإلا انتفت عنه صفة الوباء ولكي يكون كذلك فلا بد له أن ينتشر على أوسع قطاع ممكن وما يميز الفاسد هو رغبته الأكيدة بان لا يكون وحيدا وسعيه الدؤوب لضم اكبر قدر ممكن من الآخرين لصفه أكان ذلك لإرضاء الذات وتبرير سلوكه وجعله مقبولا اجتماعيا أو لصالح إيجاد أدوات ومساعدين له لتحقيق غاياته وتنفيذ مخططاته للوصول إلى تحقيق أهدافه الخاصة.

الفساد هي السلوك العملي أو الفكري المعاكس لمنظومة القيم وقواعد السلوك التي تنظم حياة مجتمع ما على قاعدة المصلحة الجماعية المشتركة بتحويل هذه المصلحة إلى فائدة محتكرة  لشخص أو فئة أو جماعة بخلاف مصلحة الجماعة ودون علمهم وقبولهم, وبالتالي فان الفساد يعني التخريب المتعمد للمصلحة الجماعية وتدميرها لصالح الفاعل حتى لو كان سلطة والسلوك العملي هنا هو التنفيذ المباشر للسرقة أو التخريب أو الإضرار بالجماعة والسلوك الفكري هو كل فكرة أو إشاعة أو تعميم لرأي يمجد الفساد أو يبرر له تحت أي سبب كان و يمكن القول أن الفساد الفكري هو اخطر أنواع الفساد لقدرته على الانتشار وخلق المبررات النظرية للفساد وإيجاد دوافع مبررة للفاسد للاعتقاد بان من حقه القيام بذلك كالاعتقاد بان وجود فاسد ما في موقع ما يبرر للآخرين أيضا اللحاق به والحصول على مكتسبات ما دام هناك من يفعل ذلك, أو أن يتم تمجيد أداء ذلك الذي يتمكن من الإثراء والسرقة والسلب دون أن يتمكن احد من الإيقاع به وتقديمه على انه ذكي أو متميز أو ناجح أو فهلوي وإضفاء صفات سوبرمانية عليه قد تقنع الآخرين بان بإمكانهم أيضا أن يكونوا كذلك .

والفساد أيضا سلوك ديكتاتوري قمعي يقوم على إلغاء حقوق الآخرين ومنعهم من الانتفاع بما يملكون من مقدرات جماعية بشكل متساوي أو عادل لصالح حصر المنفعة أو الفائدة جزءا منها أو كلها لصالح الفاسد الفرد أو الفئة أكانت حزبا أو إدارة أو عشيرة أو أسرة وهو سطو علني عنيف بالمضمون على ممتلكات الجماعة المادية والفكرية بما في ذلك السطو على عقولهم لصالح الفاسد شكلا ومضمونا.

والفساد انتهاك فظ لحقوق الآخرين الذين ائتمنوا الفاسد على ما لديهم من مقدرات ووضعوها تحت سلطته أو حمايته أو إدارته بهدف استخدامها لصالحهم أو تطويرها وتنميتها بما يشكل نموا لوجودهم أو تطويرا لبنيتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هادفين من ذلك خلق قاعدة مادية قوية قادرة على التأسيس لبناء فوقي ومنظومة قيمية وثقافية لتقدمهم ورفاهيتهم وإنسانيتهم.

ليس بالضرورة دائما أن يكون الفساد يعني الحصول المباشر على المصلحة الشخصية أو الخاصة فهناك دوافع مختلفة للفساد في أي مجتمع من المجتمعات

  1. المصلحة الفردية المباشرة والتي تأتي عبر سلب حقوق الآخرين أو ممتلكاتهم أو استخدامها لصالح فرد معين من خلال سلطته أو وظيفته التي تسمح له بإصدار الأوامر للتنفيذ لمرؤوسيه في أي موقع كان
  2. مصلحة فئوية والتي تستخدم فيها فئة حاكمة أو مسيطرة مقدرات الآخرين الجماعية ممن سلموا لهم القيادة لمصلحتهم أكان ذلك عبر الإثراء بالسرقة أو بالتحايل أو بالاستخدام غير القانوني أو الشرعي المعلن وفق النظام والقانون وعادة ما يكون ذلك من خلال السلطة الحاكمة والمتنفذين بها.
  3. مصلحة عقائدية والتي ينفذها فرد أو مجموعات لإفساد أو تخريب نظام أو مؤسسة لا يتفقون معها ومع مصالحها عقائديا.
  4. مصلحة الأعداء وعادة ما تنفذها دول أو مجموعات معادية من خلال خطط وبرامج للتخريب المتعمد وبأشكال وأنماط غير مباشرة وعادة ما يتم استخدام أفراد خائنين لانتماءاتهم ومجتمعاتهم لتنفيذ تلك المخططات.

أشكال الفساد:

للفساد أشكال وأنماط مختلفة تهدف جميعها إلى احتكار المنفعة التي من المفترض أن تكون جماعية لصالح الفاسد أو الفاسدين وحجب هذه المنفعة المباشرة أو غير المباشرة عن الجماعة صاحبة الحق الشرعي بها ومن هذه الأشكال.

  1. فساد احتكار الحكم المطلق أيا كان مستوى هذا الحكم وتحكمه بمصائر ومصالح محكوميه من أدنى سلم الهرم بالأسرة الصغيرة وصولا إلى الحاكم الديكتاتوري المطلق للشعب والبلاد وهو اخطر أنواع الفساد وأكثرها تدميرا بسبب الإمكانيات التي يملكها الحاكم وعدم محدودية صلاحياته وغياب المسائلة عنه وعن أداءه.
  2. فساد احتكار المعرفة المطلقة وهو نوع غير ظاهر للعيان مباشرة من الفساد ويصعب التخلص منه ومن آثاره لمدى قد يصل حد القرون حين يملك شخص أو جهة أو هيئة حق التشريع دون مشاركة أو مسائلة مدعية بامتلاكها المعرفة أو الحقيقة وهذا النوع من الفساد يوجد عادة في أوساط مشرعي النظم والمثقفين ورجال الكهنوت الذين يدعون بأنهم وحدهم أصحاب الحق بتفسير النصوص الدينية أو الفكرية ويؤثر هذا الفساد في أوساط التابعين البسطاء والمؤمنين بالأفكار والمبادئ التي يقوم عليها أولئك المدعين ممن يفسدون الغد بكامله لأمة بكاملها.
  3. فساد الحصول على الحق بالسرقة وهو نوع من الفساد ينتشر في أوساط المظلومين أصلا من فساد الحاكم المطلق فيضطرون للتحايل من اجل الحصول على حقوقهم ففي غياب الضمان الاجتماعي أو التامين الصحي يلجأ صاحب الحاجة عادة للتحايل وهو ومن باب التضامن مع من هم في مستواه يساعد الآخرين أيضا بتعريفهم بأسس التحايل وطرقه ووسائله مع القناعة التامة بان ما يقوم به حق ومن النوع المطلق أيضا وتجده يدافع عنه علنا بل ويدعو له ويعتبره نوع من أنواع البطولة الاجتماعية أو حتى السياسية عند الضرورة وذلك لان هذا النوع يتيح المجال للآخرين لاستخدامه أيضا على نطاق واسع تحت نفس التبريرات التي قد يسوقها المظلومين لتحقيق حاجاتهم الضرورية جدا.
  4. الفساد بالتفضيل والتمييز بين المحكومين أو المنتفعين بأي شكل من الأشكال أكان هذا التفضيل أو التمييز قائم على الفروق الطبقية أو الدينية أو العرقية أو الجنسية وهو يعني منح فئة ما على أساس ما غير عادل امتيازات لا تحصل عليها الفئات الأخرى مما يعني تقسيم المجتمع إلى ما هو أعلى وما هو أدنى حتى في مجال تقديم الخدمة أو تحقيق المنفعة من الملك العام والجماعي أصلا.
  5. الفساد بالإهمال وسوء الإدارة وهو وان بدا انه غير مقصود إلا أن تأثيره يعد من اخطر أنواع الفساد لأنه يساهم في الفوضى وقدرة الفاسدين على الفعل يكون أكثر مما هي عليه في حال البناء المؤسسي الحقيقي والقائم على أسس إدارية ورقابية واضحة ومحددة وفاعلة واخطر ما في هذا النوع من الفساد انه قد يطال أجهزة الدولة أو المؤسسة بما في ذلك أجهزة الرقابة والقانون والأمن الضامنة لأمن الجماعة وسلامة حياتهم ونسقها القائم على الاستمرارية والتطور بدون منغصات أو هزات وهو قد يصل حد تدمير البنية الآمنة ويسهل انتشار وباء الفساد بكل نواحي الحياة.
  6. هدر المال أو الوقت وهما من نفس الصنف فمن يهدر الوقت المخصص للجماعة في أعمال لا علاقة للجماعة به كاللهو أو الانتفاع أو الفوضى هو نفس ذلك الذي يقوم بهدر مال الجماعة على أمور لا تفيد الجماعة ولا تصب في مصلحتها ولا تؤدي سوى إلى خسارة الجميع بما فيهم الهادر نفسه لمال ومقدرات الجماعة.

أسباب انتشار وباء الفساد:

  1. غياب الموروث القيمي الأخلاقي الجماعي الناظم لحياة أية جماعة وعلى أي مستوى.
  2. حدة التمايز الطبقي واتساع الفجوات بين الطبقات وظهور الفقر المدقع إلى جانب الثراء الفاحش خصوصا لجهة المسئولين الذين تظهر عليهم علامات النعمة بعد تسلمهم لمهام عامة ومسئولة عن الآخرين ومقدراتهم وشئونهم.
  3. انتشار ظاهرة التباهي بالثراء وبروز نمط التقليد لما هو بارز ومعروف كما في ظاهرة النجوم والإعلام ورجال الحكم الفاسدين.
  4. تردي الوضع الإداري وترهله أكان ذلك بالمستوى السياسي في الحكم أو الإداري بالمؤسسات الأقل وغياب الرقابة والتدقيق وعدم شيوع آليات لنظم الجودة الشاملة والحكم الرشيد.
  5. ضعف إرادة الإدارات المعنية أو عدم رغبتها بمقاومة الفساد وفضحه ومعاقبته والحد منه.
  6. غياب التشريعات والقوانين ونظم المسائلة والنزاهة والشفافية التي ينبغي لها أن تطال الجميع بأية مواقع كانوا من قاعدة الهرم إلى قمته اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
  7. غياب نظام الثواب الذي يمجد ويشجع النزاهة والصدق بما يجعل الفاسد مستفيدا والنزيه مشكوكا بإمكانية أن يحقق نجاحا من  خلال نزاهته واستقامته فيبدو للعيان انجازات للفساد وإخفاقات للنزيه ومسيرته.
  8. تعمق القناعة لدى الجمهور باستحالة التغيير والتخلص من الفساد ورموزه بسبب تجذرهم وحجم قوة الأدوات والأجهزة التي يستخدمونها لقمع الجمهور وإسكاته عن حقه بما في ذلك توسيع قاعدة الفساد ليصبح ظاهرة يخشاها العامة ويقبلون التساوق معها بدل الكفاح ضدها فالمواطن الذي يحتاج للحصول على خدمة ما ولا يمكن له ذلك إلا من خلال الرشوة مثلا لن يجد لديه القدرة ولا الوقت ولا الاستعداد للانتقال إلى الكفاح طويل الأمد لتحقيق مطلبه الخاص بل هو سيجد نفسه مضطرا للقبول بالواقع وتقديم الرشوة لتحقيق مصلحته الشخصية الآنية وهو في أحسن الأحوال سيرفع شعار الضعفاء " اليد التي لا تستطيع كسرها قبلها وأدعو عليها بالكسر " وكفى الله المؤمنين شر القتال.

"لا تفعل بالسر ما تخجل منه بالعلن وافعل ما دون ذلك كل شيء" هذه القاعدة يمكن اعتبارها أساسا لفضح الفساد وحصره في الظلام ذلك ان القيم الناظمة لحياة أي مجتمع أكانت قيما أخلاقية أو دينية رادعة تمنع الناس من التصرف بعلانية لما يخالفها وبالتالي فان العلنية هي الضامن لمنع ارتكاب ما يخالف ما هو متفق عليه كقيم ناظمة لحياة أية مجموعة أكانت شعبا بأسره أو حتى مجموعة محدودة كشركة أو مؤسسة ما وفي سبيل ذلك فان المساواة هي الأساس الأقدر على كبح الفاسد وعزله ومنعه من تحقيق أهدافه الخاصة أو نقل تأثير فساده للآخرين والمساواة هنا هي:

المساواة في الحق بالمنفعة: بمعنى أن يصبح من حق الجميع تحقيق المنفعة من الموارد والممتلكات العامة بنفس القدر وبدون أي تفريق أو تمييز ويكفي أن تكون عضوا في الجماعة نفسها ليصبح حقك مساو لجميع أفرادها بلا استثناء

المساواة في الفرص: وهذا يعني أن الحق متساوي للجميع في الاستفادة من أية فرصة متاحة كوجود شاغر وظيفي مثلا بحيث تقوم القاعدة في الاختيار على المنافسة العلنية المتاحة للجميع وفق الشروط الضرورية للوظيفة الشاغرة أيا كان المتقدم لها وهذا ينسحب أيضا على العطاءات والرواتب وسائر النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

المساواة في الحق بالمعرفة: وتشمل التعليم وإشهار الأنشطة والمعلومات والبيانات بأقصى ما تسمح به الظروف والمصلحة الجماعية ولا يجوز احتكار المعرفة بيد شخص واحد أيا كانت صفته أو قدراته أو موقعه ولا يجوز أن يصبح الاحتكار دائما حتى لو كانت هناك ضرورة له في المسائل الوطنية الكبرى على وجه الخصوص وهنا تظهر أهمية التداول السلمي للسلطة بكل المستويات

إن تجريم الفساد اجتماعيا وفكريا وإبراز صورته البشعة بكل الوسائل المتاحة وفي مقدمتها وسائل الفكر واللغة وأدوات ووسائل الإعلام هي أنجع الوسائل المتاحة لدفع الآخرين بالبقاء بعيدا عن تهمة الفساد أو شبهته خشية أن يقعوا في فخ الفضح المطلق لهم ولسلوكهم بما يضمن عزلهم كما يجري ذلك مع مرضى الجرب المعدي.

الفساد أداة الامبريالية والصهيونية لإخضاع الشعوب:

تسعى قوى الظلام المتمثلة بالقوى الامبريالية والصهيونية لاستخدام أنجع وأسهل الطرق لإخضاع الشعوب بأسهل الأدوات وأكثرها ديمومة من خلال الحاكمين الفاسدين والذين يقودهم فسادهم إلى القبول بسرقة الفتات من ثروات بلادهم مقابل فتح خزائن وثروات الوطن وبالتالي جعل الوطن نفسه نهبا لاعداءه من المحتلين واللصوص وما تقوم به الولايات المتحدة بالعراق إلا اكبر نموذج على مصلحتها باستفحال الفساد لتجد به حليفا رئيسيا لبقائها وإحكام سيطرتها على مقدرات العراق وثرواته لصالحها وكذلك تسهل قوات الاحتلال الإسرائيلي واذرعها كل صنوف الفساد وتتستر عليها وتمعن في الصمت لقناعتها أن الفساد هو حليفها الأقوى ضد الشعب الفلسطيني وان شعبا ينخره الفساد يستحيل عليه الكفاح في سبيل حريته فحين يتحول الوطن إلى بقرة حلوب لثلة من المستفيدين والمرتزقة يعزف الناس عامة على الكفاح في سبيله لقناعتهم انه لم يعد وطنا لهم بل شركة لمجموعة من المتنفذين وهذا ما عاشه العرب أيضا في سائر بلدان ما سمي بالربيع العربي وكما كان الحال في تونس التي أسقطت بن علي ومصر التي أسقطت مبارك لتجد نفسها اليوم أمام وباء الفساد المستفحل وعميق الجذور لحد يصبح فيه اجتثاثه مهمة شاقة وطويلة ومتعددة الجوانب بما يكفي لنصل للقول إن التخلص من الفساد يحتاج لثورة جديدة تطال كل مناحي حياتنا وبدون أن ننجز ذلك فان الاستقلال الوطني والديمقراطية والعدالة والسلم والرخاء تبقى مجرد أوهام للحالمين على الورق لا أكثر ولا اقل.

يصبح الفساد وباء خطيرا يطال الكل حين يتحول دور الفاسدين في قمة السلطة أيا كانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية بعد أن يستشري فسادهم لدرجة تتحول مهمة أصحابه عندها من الفساد إلى الإفساد ونشره على كافة المستويات وبدرجات متفاوتة تخدم عرابيه, وبنفس الوقت يسود الضعف والتشتت لدى المحكومين ويترسخ الشعور بالظلم المترافق مع الشعور بالعجز ويلجأ المحكومين إلى قيم غريبة تقوم على أفكار مثل تلك القائلة أن سرقة المسروق حلال, وان مشاركة الفاسد في الغنائم حق لا سرقة, وتسود القناعة بان الحق الذي لا تستطيع الحصول عليه من الفاسد بالقانون اسرقه أنت أيضا, ولا تتعب نفسك وتكافح لإسقاط الفاسد واستعادة حقك بل جاري الفاسد لتطال منه منحة تعيد لك جزء من حقك, إن ذلك سيؤدي إلى خراب شامل  يصبح التخلص منه مهمة شاقة لا يدري احد المدى الذي نحتاجه لتحقيق ذلك ومثل هذه البيئة هي البيئة الأفضل لتحيا فيها القوى والجهات المعادية للشعب وقضاياه, وبالتالي فان الكفاح الجماعي المنظم بكل السبل المتاحة هي الوسيلة الوحيدة لإسقاط الفساد وعزله كليا عن حياة الناس وقضاياهم.

 

2016-04-25