دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أنا ونفسي..كرّاً وفرّاً...بقلم: نادين فراس ياغي

 في المساء الذي اندلعت به ثورة العاطفة على شعارات الأمل الكاذبة، انتشلتني نفسي من حطام الهذيان، وأيقظت قلبي من نبضاته التي خدعت أيقاعه بتنويم مغناطيسي نسج من لحظاتِ الزمنِ سباتاً..جلست أمام نفسي على أرصفة الشّفق بينما هديلُ الحمام يناجي الشمس لترضع السماء حليبَ الفجر..أريد الاقتراب من نفسي إلا أنّ التجاذب بيننا منعدم، أريد الارتماء في أحضاني لعلّ شحنات الطّمأنينة داخلي تتوازن إلا أنّ العظام تغرز حدّتها في جسدي حتى تكفكف نفسي دموع الألم وتهجره.. نفسي قد تغضّنت بسواد أفكاري المهترئة، وقد أصابتها عدوى العطب البطيء من تواني المشاعر عن الاعتراف بخلجاتها المضطربة بظواهر خرجت عن قوانين الطبيعة وتوّجت نفسها بصولجان الماضي..ترمقني بنظراتٍ تشتعل بنيران الأسى، لا ضحيّة حولها لتفترسها وتلوكها بين فكّيّ المتعة، فانقلبت على لهيبها تُضرمه وجعا واخمدت لظاها حسرةً على انقراض الجريمة التي كانت مصدر وقودها.. نفسي رمادٌ نثرتهُ على قبري حين تجرّأتُ على اقتطاف الورود من حقل الموت..نفسي وعدٌ قد تناسيتهُ يوم ما انكفأتُ عن الصّلاة في معبد الحياة..هي جزئيَ المشرّد الذي يحوم طيفا حول خراب الحرب في داخلي بحثاً عن ذاكرةٍ قُتلت دون سببٍ يُذكر..هي الفراغُ الذي خلّف وراءه عشّا مهجورا في خدران عينايَ التي يتّمتها النجوم حين سرقت بريقها..هي الصّرخةُ التي بترَ سقمُ الجمود قدميها وما عادت قادرةً على مغادرة حنجرتي..هي الدّمعة التي انحبست خلف قضبان فرحي المصطنع حين تثاءبت السماء غيوماً عقيمة لا تُنجب مطرا..هي قطرةُ الدّم التي تخثّرت على شفتاي التي مسّها حبّ شيطانيّ ففقدت عذريّتها للجنون.. نفسي مضنكة، فهي حاويةٌ معزولة ألقي فيها مخلّفات مشاعري المتعفّنة التى أسعى للتّخلّص من سمومها، هي مصحّةٌ تضمّ نتائج تجاربي الفاشلة التي أخدّر شذوذها بأدوية المنطق..هي كلٌ ما أهرب منه وكلّ ما أهرب إليه، هي انعكاسٌ نسبيّ الصّحّة لحقيقة جوهري كلّما سألني غريبٌ عن حالي.. نفسي هي إجهاض كياني لنفسه، هي المولود الذي لم أرغب بمستقبلٍ معه فغصبتُهُ عن الخروج من رحمي يوم ما طرقت قدسيّة الأمومة على جدران كفري بالسّعادة..هي القربان الذي أسميتُهُ أضحيةً لآلهة الوهم والخداع..هي ضحيّتي التي جعلتها لوحةً لألوان التّعذيب والقهر.. فأنا عقابٌ لنفسي وأنا سجّانها، أبقيها في كهف الوحدة حتّى لا تخرج من مضجعها وتُبصر الوحشُ الذي يختبئ وراء جمالي المناور..أرمي لها فتاتٌ من خبز الواقع، لا كثيرا حتّى لا تقوى عليّ ولا قليلاً حتّى لا تذوي وتموت، هي تحت سيطرتي، أمّيّة لا تعرف أن تتهجّى الحروف التي تسكنُ جملها، أو هكذا ظننت.. إلّا أنها تقف أمامي..أشعر بحرارة أنفاسها على نحري وهي تخنقني بعدم الكلام..هي أمامي ولا مجال للهروب منها بعد الآن..تطالب بحقٍّ قد بطشتُ به سنينا وادمنت الصّمم حتّى لا أسمعه..أريد التّخلّص منها إلّا أنّها تقاوم..هي ثابتةٌ على كفاحها ولن تكنّ حتى تتلحّف بكفن الشّهادة في سبيل وطنٍ حُرمت منه.. أمّا أنا فأرتعش رعبا من نفسي وأبحث في روعي عن طريقةٍ للتّملّص منها..فهي كرّي وفرّي وهي مفرّي الى كرّي.. 

2016-05-06