دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قصة كلب اسمه عنتر ...جواد بولس

تسكن هنيدة وعائلتها في الشقة المقابلة لشقتنا في حي بيت حنينا الواقع شمالي القدس والقريب من حاجز قلنديا العسكري ومن سور الفصل الذي بعدما اكتمل بناؤه ضمنت إسرائيل محاصرة مدينة كانت محتلة وتقاوم، فصارت تعيش على ما يجيزه الاحتلال من مكرمات ويتيحه من مقومات تبقي سكانها الفلسطينيين ينامون على شفرة أمل مخشرم وعلى دعاء المتشائلين التائهين: ربنا احمنا من الأسوأ ومن السوس والجوع وأبق غربنا مشرعًا واحفظ بحرنا ويافا كي يكون وسائد لغمامنا المرتجى.

دخلت هنيدة علينا ومعها ثلاثة أولادها. كانت حزينةً، بل كانت تموت حزنًا، وزينها الصغير جلس أمامنا ولم يبك في بيتنا، لأن الأطفال في فلسطين يولدون وفي مآقيهم نجوم ويخزنون الدمع كي يذرفوه ليحيوا وردة حمراء نجحت في التسلل من شق جدار أرعن أو على صبح لم يفق في حاراتهم ذات نهار كسير.

"لقد قتل عنتر. وزين لا يلعب فقط مع عنتر، بل يعدو ويتسابق معه في الشوارع، يرمي له الكرة مرة، وأخرى يدوخ ويرتمي من شدة التعب.. عنتر هو كلب أولادي والليلة دخل جيش الاحتلال لاعتقال  شابة وشاب فقتلوا عنتر برصاصة في رأسه، من يستطيع أن يقول ما أراد أن يقوله كلب قبل موته؟"

كنت عائدًا من يوم عمل مضن يشبه، في الحقيقة، معظم أيامي أو حتى معظم أيام الفلسطينيين الغارقين في ليل من العدم، وفي بحور من أمل عاجز مزروع في حواكير البلاد كالصبار ومثله عنيد. 

نظرت في وجه لور، وكانت تحدق فيّ وكأنها مصغية لما كنا، أنا وأمها، نتحدث فيه، فما لها وذلك "الحزن الراديكالي/المطلق" على مخلوق بريء ككلب أليف وصديق لعائلة، أو ما تطرقنا إليه من أمور تهم الكبار وتشغل ليل ثرثراتهم، مثل ما نظّرت له "حنا أرنت"، عن الشمولية والرعب والإرهاب، مثلًا، أو ما يخطط له محتل غاصب أو حاكم مستبد أو نظام قامع وقاهر، وما هي أدوات سلطانهم.

حين تخاطبت نظراتنا حررت لور بسمة، تعادل في الحقيقة غصة جميلة، وسمرة وجهها المغموسة بخمرة الحزن، تكشفت ساعتها، بلون حبة توت برية، وجبينها العريض صار جارًا للقمر.

في الصباح الباكر اتصل معي بشار وأخبرني أن الصليب الأحمر أعلم والدته بأن زيارتهم لوالدهم القابع في سجن ريمون الصحراوي في النقب لاغية، وذلك على أثر نقل والدهم إلى سجن آخر. كانت العائلة قلقة ومضطربة فهم ينتظرون موعد الزيارة كما ينتظر الفلاح تنهيدة الفجر، وقد قاموا لضمانها بجميع ترتيباتهم والأصعب أن والدهم كان ينتظرهم بشوق لا يعرفه إلّا الشوق ذاته.

لم يخبروهم عن سبب نقله قبل الزيارة ولا عن مكان اعتقاله الجديد. أحسست بألم شديد وبغضب، وبدأت اتصالاتي مستفسرًا عمّا حصل وأسباب ذلك، لم أنجح إلا بعد ساعات حين أعلمني ضابط مسؤول في مصلحة السجون أنهم نقلوا مجموعة من الأسرى وبينهم جودة، والد بشار، إلى سجن آخر وذلك في خطوة عادية روتينية، فبعد أيام سيعيدونهم إلى سجن ريمون. ألمهم، هكذا لفتُّ نظر هنيدة، أن المسألة عندهم لا تتعدى كونها خطوةً عادية روتينية، فهم يتعمدون تحويل هذا القلق الفلسطيني إلى شأن يومي وعادي وهذه اللوعة والحسرة إلى هاجسين معاشين بروتينة مخدرة  .

وافقتني هنيدة وحاولت أن تشرح أن حزنها على ضحية لا حول لها ولا قوة بالضرورة هو "حزن مختلف، فهو حزن لا يقال ولا يحكى بل يعاش فقط في مسامات الروح المخبأة وفي اللاوعي الذي لا يخجل من إنسانيته الخام"، بلمحة خاطفة لاحظت أن لور تحاول أن تبدي قلقًا من كلامنا وتفاعلًا لكنها بقيت ساكنة وكأنها ما زالت تلاعب عنترًا.

وأنا في طريقي إلى رام الله وعند مروري في الحاجز شاهدت الجنود يوقفون، على جانب الطريق، سيارة وينزلون منها ركّابها الأربعة. أخذوا بطاقات هوياتهم وتركوهم ينتظرون تحت الشمس الحارقة. غاب الجندي في بطن أحد المباني الإسمنتية القريبة من نقطة التفتيش ولم يعد. بعد ساعتين أو أكثر عدّت من نفس المكان فوجدت أن الأربعة ما زالوا هناك ينتظرون بهدوء راهب وبدون أن يتكلموا بينهم. لم يقابلهم أحد ولم يتوجهوا إليهم بسؤال أو استفسار. بعد لحظات من وصولي خرجت جندية بعمر بندقية، وبلكنة "عغبية" سمجة أعادت البطاقات متمتمة  "طمام يلا غوخو من خون" (تمام يلا  روحو من هون ). فرح الأربعة بحرّيتهم وشكروا ربهم عليها لأن القصة لم تكن أكثر من "نقعة" عادية وانتهت على خير وبسلام.

"قد يرسم الحزن على كلب ويصير لوحة أو يعزف على ناي ويصير دمعًا لكنه لا يصير كلمة ولا لغة في ساحاتنا العامة"، حاولت هنيدة أن تبسّط أمامي حزنها وحزن أولادها وحقيقة مشاعرهم في تلك اللحظات، وأنا أوافقها وأزيد همي على همها، فبعد قصة الحاجز، هاتفني صديق مستفسرًا عن مكان انعقاد محكمة تمديد توقيف لأسيرين تريد عائلتيهما حضور الجلسة. لم أعط صديقي إجابة واضحة، فأنا لا أملكها بل أركض وراءها منذ ساعات.

قد تنعقد المحكمة في بيتح تكفا وعندها لا تستطيع عائلتاهما حضور الجلسة فهم من بلاد اليباب وبيتح تكفا من بلاد الأمل الأزرق والحلوى البيضاء، وقد تقام في محكمة عوفر أو ربما تلتئم في سالم، وعندها على العائلات أن تضمن ساعة وصولها؛ كل جهات الحيرة مفتوحة على اليأس والالتباس، وشرط ذلك أن نبقى كمحامين على "ربما وعسى"، وتبقى العائلات على "لو ونار" ويبقى المعتقلون في "ظلمة وسراب" وكلنا، الفلسطينيين، ندوخ  وراء قرار، والقرار عند السلطان، ولن يكون سلطان الا إذا أذل الرعية وأبقاها مدلاة على قرن الريح، كي تعيش بقلق، وتنام بخوف، وتفيق خاشيةً غضب الحجاب وسطوة الرعاة وإفك الدجالين وخساسة الوشاة ونميمة السهّاد.

بطرف إصبعها الصغير وبدون أن تثير انتباهنا مسحت لور ما حاولت أن تمنع سقوطه من طرف عينيها، وأنزلت كف يدها الصغيرة وحركته في الهواء أمامنا كقوس، أمالت رأسها بغنج، ورسمت مع هزة ناعمة من كتفها علامة استفهام خفيفة كانت أقرب إلى اعتذارها منا. لقد كانت لور تبكي بصمت وبجانبها زين ينظر نحو سجادة على الأرض شعره بلون الشمس وبياض وجهه صار مثل ضمة قرنفل زهرية وشفته السفلى تعض على أختها وتخبئ شهقة مكبوتة وأخته رامة أمامه تفكر: لماذ قتلوا عنتر!

"كيف أقول إننيأحزن على كلب قتل لأنه لا يفهم لغة البنادق؟" تساءلت هنيدة، فنحن  نعيش في زمن يقتل فيه البشر وتمعس كراماتهم مثل الناموس، فكيف يبكي فلسطيني كلبًا أردته رصاصة جندي حاقن؟ في النهاية هو ليس أكثر من كلب أليف كان يلاعب الأولاد في الساحات. 

إنه قتل البراءة المطلقة. فهو ليس أقل من كلب أليف كان يلاعب الأولاد في الساحات وليس أكثر. هذه هوة الحضيض الآدمي، أو إن شئتم قمة الوحشية البشرية، فالمحتل قد تخلّص من إنسانيته كي يتمكن ويحكم ويدوم ويستبد، وكي يضمن تفوقه وبقاءه يقوم في محاولات دؤوبة لا تتوقف وتستهدف إفراغ إنسانية الفلسطيني المحتل وتجويف بنيانه العواطفي الحسي، ليبقوا كأعواد قصب خاوية واهية عجفاء، فبعد أن استحكم في البر وفي الجو والبحر والهواء، وبعد أن زج قطعان البشر في زرائب قروية أو بلدية، وروّضهم على سلوك المعابر والمسارب والسعي وراء التساريح والتصاريح والأذون ودفع المهور والإتاوات، يحاول أن يقضم ويمحق مشاعر البشر الفردية ويطحنها لتصير رذاذًا هشًا متناثرًا في الهباء؛ فأنت فلسطيني، ولا تريد أن ترحل أو تموت، فعش بخوفك وبقلقك بذلّك وبحاجتك إلينا. اخنع ولا ترفع هامة واخضع ولا تهز سبابة.

"لا يوجد فلسطيني بريء فكل وليد فلسطيني هو مخرب كبير" هكذا يفكر المستبد المتغطرس القامع في مقولة تفضح كل شيء؛ فبراءة الآدمي، خاصة إن كان فلسطينيًا، نسبية ومخدوشة، وقد تستدعي قتله، إنما الكلب الأليف البريء بأي ذنب يقتل ؟

لقد فقدوا إنسانيتهم ووصلوا إلى حضيض الحضيض كما تكلمت عنه ابنة جلدتهم "حنة ارنت"،  لكنها كغيرها من بني البشر تحدثت أيضًا عن مصير كل طاغية، فما التاريخ إلا تاريخ أحرار يكافحون ضد قيود الذل والعبودية ويقفون في وجه من تجبر. إنها براءة الكون المطلقة ورماد الحياة وسيرورتها ألتي لا يمكن القضاء عليها.

 فتصوروا احتلالًا يقاتل ويقتل عنتر !

2016-05-23