دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الثالوث المحلل: السياسة، الدين، الجنس....د. حميد لشهب

كثرت الضجات الإعلامية حول "فضائح الجنس" في المغرب في السنوات الأخيرة، مع ملاحظة كون مواضيع من هذا القبيل هي فقاعات صابون، سرعان ما تختفي دون أية نتائج عملية. فبعدما نجح الدين في المغرب، وفي الكثير من الدول "المسلمة" في فض بكارة السياسة، وعقد زواج متعة بينهما، لم يستأذن الجنس، بل اعتبر نفسه ضيف شرف، وخُصص له أعلى كرسي في الحفل.

سنحاول في هذا المقال المركز، فهم الميكانيزمات الإجتماعية والسيكولوجية والثقافية التي ساعدت على الإهتمام بموضوع الجنس في الساحة العمومية المغربية. ولابد من الإشارة منذ البداية، بأن الأمر يتعلق في الدرجة الأولى بتغير البراديغمات الأخلاقية عندنا، نظرا للعمل الحثيث للحداثة على زعزعة النظام الثقافي الموروث برمته (راجع في هذا الإطار كتابات المفكر المغربي محمد سبيلا). ومن خصوصيات هذا التغيير في تمثلاتنا الأخلاقية هناك، إن على المستوى الإجتماعي أو الثقافي، هذا النوع من التناقض الحاد على مستوى البنيات الإجتماعية والبنيات النفسية للأفراد. لم يعد تناقض المواقف يُحرج أحدا، بل أصبح نوعا من الأمور العادية. فلا حرج أن "يتحالف" حزب يساري شيوعي مع حزب يميني متدين، ولا حرج في "مضاجعة" وزير من حزب متدين محافظ لزميلته من نفس الحزب إلخ. ويُعبر هذا القبول المبدئي لهذه الثنائيات، قبوله المبدئي من طرف الأفراد، لأنه يمثل بُنية نفسية معتادة، على الرغم من هذا النوع من "الإحتجاج" المحتشم لوسائل الإعلام، التي تمارسه أساسا كرأسمال إعلامي للترويج لمنتوجاتها الإعلامية، "بترفيه" القارئ والمستمع، وتحريك عربة التنكيت، المتنفس الآخر للمغربي، لفبركة نكت حول أية فضيحة جنسية لساستنا (الذكور والإناث).

سيكولوجيا محضا، يُعتبر وضع الجنس في قلب السياسة، نوع من إلهاء المواطن عن المشاكل الحقيقية للوطن، بل ترفيهه بها. ففي مجتمع كمجتمعنا، حيث يُزاح الستار رويدا رويدا على "قدسية/طابو" الجنس، ونحن نمشي بثبات، على الرغم من أن الخطى بطيئة، نحو تحرر جنسي حقيقي؛ نعتبر موضوع الجنس في الميدان السياسي من الطرائف التي نضحك لها. والتحرر الجنسي المعني بالأمر هنا، ليس هو السماح بممارسة جنس على الطريقة الحيوانية، بل ضرورة إتاحة الفرصة للأفراد في اختيار مع من يمارسون هذا الحق النفسي والبيولوجي المشروع في إطار قانوني، يحدد سن حق الممارسة وخلوها من العنف الفيزيقي والرمزي. ويُعتبر هذا في العمق حق فردي أساسي، بالنسبة للنساء والرجال، لأنه نتيجة تطور المجتمع من مجتمع قطيع إلى مجتمع تعم فيه الفردانية، التي لا تعتبر بدورها أنانية، بل تحملا للمسؤولية على الصعيد الفردي.

لم نكن إذا بحاجة إلى "ساسة الجنس العظام" لتحرير حياتنا الجنسية، فما يحدث على المستوى اللاواعي المجتمعي، هو أن "فضائحهم" الجنسية هي دعاية لهم، بل تُذكر بتناقضاتنا الأخلاقية في هذا الميدان، وحرصنا على إبقاء الحق في الجنس واختيار الشريك اللائق لممارسة هذا الحق، في خانة "الطابوهات". رمزيا، تزامن انفجار الحرية الجنسية في عهد حكومة بأغلبية ذات طابع ديني، يخدم أساسا ميكانيزمات الحداثة الخفية، فممارسة أطر حزبية لحزب مسؤول حاليا، لحقهم في الجنس، هو نوع من التطبيع المجتمعي لهذا الحق، وهذا هو السبب الرئيس لعدم "هجوم المغاربة" بالمعاول والمقالع على مقر الحكومة "الفاجرة"؛ لأن الأمر على الصعيد النفسي مقبولا اجتماعيا، بل يساعد الأفراد على التشبث بحقهم في الجنس، تشبثهم بحقهم في التعليم والصحة والعمل والحقوق الأساسية.

خلاصة القول، إننا نرى بأن الثالوث المحرم للأمس: السياسة، الدين، الجنس، قد أصبح مُحللا واقعيا، كيفما كان موقفنا من هذا التحليل الضمني، بما أننا نواجه عقبات شتى على صعيد التقنين الحقيقي للأمر، بل "يُحاكم" المراهقون إن ضُبطوا يتبادلون قبلات، ولا يُحاكم وزراء وموظفوا أحزاب، ضبطوا يمارسون الجنس. فقد تكون القبلة أخطر بكثير من "الإيلاج"، لأن هذا الأخير يعني تحليل نفسيا تطويع الآخر، بينما تعتبر قبلة المراهقين قُنبلة بالنسبة لسياسة مزدوجة المعايير: حلال علي، حرام عليك.

2016-10-05