دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
فلسطين قربان القمة العربية 2017 ....د. حميد لشهب

قبيل انعقاد القمة العربية لعام 2017، تجلى طيف إيران مجددا، ليُقدم في العالم العربي كخطر حقيقي على ما يسمى مجازا "الأمة العربية"، التي أصبحت على يد أكثرية "القادة العرب" "الأَمَة العربية"، لأن العرب لم يصلوا بعد إلى مستوى تكوين "أُمَّة" حقيقية، وفي غياب هذا التكوين يُسَّلون أنفسهم ويوهمون شعوبهم بأننا أمة. فاللغة والدين وحدهما لا يسمحان البتة بالحديث عن أمة، في وقت نلاحظ فيه أن شضايا ما يسمى عبثا بـ "الأمة العربية" يتطاير في السماء العربية من المحيط إلى الخليج منذ عشرات السنين.

 

التهمة "الخطيرة" ضد إيران التي ساقتها الأبواق السعودية والأردنية بالخصوص مؤخرا، تكمن في الإدعاء بأن هذا البلد المسلم "يتدخل" في الشؤون العربية. وإذا كان هذا الأمر واقعيا، بدليل كون إيران حاضرة في الكثير من بؤر التوتر والحروب في الدول العربية، فإن المسكوت عنه هو أن السعودية هي التي تُؤجج هذه النزاعات داخل الجغرافية العربية بطرق شتى وبأهداف مختلفة؛ وتُعتم على هذا التأجيج برفع راية الطائفية في وجه إيران وإيهام "السنيين" بأن هذا البلد يحاول "مسح" السنة و"تشييع" العالم العربي، وكأن السعودية لا تعمل جاهدة على نشر الوهابية، ليس فقط في الدول العربية بل في العالم أجمع. وفي إدراج "عقدة السعودية اتجاه إيران"، تساهم القمة العربية مباشرة في إضفاء طابع ديني طائفي، مغطى بإيزار سياسي شفاف على أضغال "قمتها". والحقيقة أنه على كل مسلم عربي يستحق هذا الإسم، وبالخصوص السني -لا يهم من أية قبيلة سنية-، أن يرفض مبدئيا وواقعيا تأجيج الصراع بين المسلمين على مستوى "قادة العرب"، لأن الوضع الراهن للمسلمين لم يعد يطيق إضافة الزيت على النار الملتهبة التي تعصف بعالمنا المسلم. لا يمكن لأي سبب كان قبول أية دعوة "للقادة العرب" لكي يكره المسلم أخاه المسلم، ويحتاط منه، بل يستعد لإعلان الحرب ضده.

 

لا مجادلة في كون الحكومة السعودية ونظيرتها الإيرانية لا ترقصان على نفس الإيقاع سياسيا، ولا يرجع هذا إلى خلل في الطائفة الدينية التي تنتمي لها كل حكومة منهما، بل إلى قصور في تحمل المسؤولية اتجاه العالم المسلم برمته. ما لم يستطع الحاكم السعودي إلى اليوم هضمه هو التفوق العسكري والعلمي لإيران، لأن هذا البلد انتبه منذ الوهلة الأولى لقيامه بأن حظوظ استمراره ووصوله إلى مكان ومكانة في العالم المعاصر هو التعامل الحذر مع الحداثة العلمية والإستفادة منها وتكوين طوابير من أبنائه تكوينا علميا كافيا لحمل مشعل التحدي التقني. وهذا التوجه الفطن هو الذي سمح لإيران حاليا من لعب الدور البارز لها في السياسة العالمية وفرض وجودها ميدانيا في الشرق الأوسط. وكيفما كانت دوافع إيران للإهتمام بالقضية الفلسطينية، فإن مواقفها أهم بكثير للشعب الفلسطيني من مواقف كل العرب وبالخصوص السعودية والأردن، اللذان يتعاملان مع هذه القضية طبقا لما يخدم مصالحهم الآنية، بل لم يعد خفيا بأن هاتين الدولتين العربيتين "تُناصر" إلى حد بعيد الصهاينة ضد الفلسطينيين، تحت إملاء وبضغط من الإمبرايالية الأمريكية. ولعل نواة "عقدة الحكومة السعودية اتجاه إيران" منبثقة من "انتباه" السعودية إلى حقيقة مرة، تعتبر في العمق الخطر الحقيقي على وجودها، ألا وهو اقتراب نهاية "عهد ميزانيات البيترودولار". ففي الوقت الذي كانت فيه إيران، كما قلنا، تبني أسسها الإقتصادية والعلمية على الرغم من كل العراقل التي واجهتها والحروب التي كانت ضحيتها، كانت الثروات البيترولية السعودية تنفق في الملذات والملاهي الغربية واقتناء قصور وأشياء زائلة، لا يستفيد منها الشعب السعودي، الذي يظهر حاليا في الكثير من مناطق السعودية يعيش جارا لعتبة الفقر. لم تحدث تلك القفزة الإجتماعية والإقتصادية والعلمية التي كان على السعودية توفيرها لأبنائها بفضل "نعمة البترول"، بل كل ما نجحت فيه هو أنها جعلت من هذه "النعمة" نقمة عليها، وكل المؤشرات توشي بأن هذه النقمة قد تتفجر في أية لحظة في السعودية، على الرغم من محاولاتها المتعددة لتأخير اندلاعها بـ "إلهاء" شعبها بحروب لا يريدها وتدخل في شؤون الجيران، بل المساهمة بالأمس في دك أحد معاقل مهد الحضارة العربية بالعراق واليوم بسوريا.

 

قد يبدو أنني انحزت هنا إلى إيران -أنا السني المالكي-، لكنني في الواقع أحكم من خلال ما ألاحظه في الواقع مباشرة من خدمة هذا البلد لقضايا مسلمة كثيرة، وبالخصوص القضية الفلسطينية. لم أسمع إلى حد الآن، حسب معرفتي المتواضعة، أن إيران حملت لواء الطائفية وأخافت شعبها بخطر السنة؛ وإذا فعلت يوما فإنها لن تكون أفضل من السعودية في نظري، لأن مشكلنا الوجودي الحالي ليس هو الفرقة الدينية التي ننتمي لها، لكن وعي كوننا منذ الإكتشافات الجغرافية الكبرى للأوروبيين نسبح في بحر التناحر بيننا وبيع بعضنا للبعض والخيانة المتبادلة لقضايانا. فالحاكم الذي يحمل راية الطائفية اليوم هو حاكم قد انهزم بالفعل ولم يعد بوسعه عمل أي شيئ، سوى الإنسحاب والإستغفار لما اقترفه في حق نفسه ودينه وشعبه. لن نعي أنفسنا ونفهم سبل الإنطلاقة التي يجب أن نقوم بها للإندماج في العالم المعاصر والتفاعل معه والفعل فيه، إلا إذا وعينا بأن تعددنا العقائدي هو كنز كبير، يتحتم علينا إظهاره والإفتخار به، وليس طمسه والقضاء عليه. ولعل فلسفة مقولة: "خير أمة أخرجت للناس" تكمن في العمل الدؤوب للإلتحاق بركب التقدم وإتاحة الفرصة لكل فرقنا الدينية التعبير عن نفسها، لنقضي بهذا على أهم سبب لعبوديتنا، بل تحولنا لعبادة الأوثان (المال، الملوك، الرؤساء، الطقوس) عوض عبادة الله.

 

ما نجحت فيه "القمة العربية" الأخيرة بامتياز هو نحر القضية الفلسطينية كقربان لإرضاء سادتها الغربيين والأمريكان بالخصوص. فبعدما هيأت السعودية (اليد الإضافية للإمبريالية) الأجواء المثالية لتمرير رغبتها في التطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني، اختارت بعناية خدامها الأوفياء (ملك الأردن، السيسي، العبادي، عمر البشير) كعينة "ممتازة" للخونة العرب لإضفاء الشرعية على خيانة القضية الفلسطينية إلى غير رجعة. والمهول في كل هذا هو أن الشارع العربي، إذا افترضنا جدلا بأن شيئا من هذا القبيل موجود، لم يحرك ساكنا اتجاه "قرارات" هذه القمة، بل يتفرج بنوع من اللامبالات في عملية النحر هذه، فلم يعد لون الدم العربي يقرفه، بما أنه تعود على مشاهدة سيلانه بغزارة في الدول العربية، حتى ليمكن إذا جمعناه تكوين "البحر الدموي العربي"، قرب البحر الأحمر. وقد سجل التاريخ بأن "القوادة العرب" قد احتفلوا بيوم الأرض عام 2017 بطريقتهم الخاصة: نحر القضية الفلسطينية.

2017-04-02