دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الحداثة و تمجيد الشعر : سان جون بريس...محمد الشنتوفي

"سان جون بيرس شاعر استثنائي و صاحب التماعات كبيرة لا توجد عند غيره ... الشاعر العربي أدونيس لم يتوقف عن ترجمته و ذلك بطريقة مثلى ويرجع حبي الخاص لهذا الشاعر الى كونه الوحيد الذي حاكم الحضارة المعاصرة عن طريق قياس الحركات الكونية بالحياة العميقة للبحر..."(*)

 

في عصرنا هذا قليلة هي الأمثلة في الأدب للكتاب الذين وافقت حياتهم مسارهم الابداعي بالمسايرة و العمق ، أذكر هنا الشاعر الفرنسي الكبيرو الدبلوماسي ألكسي  ليجي  المعروف بسان جون بيرس ( أشير بهذا الصدد على سبيل التشابه و الموافقة الى الشاعر العربي الكبير و الدبلوماسي نزار قباني ).

بدءا لا بد من الاعتراف بأ ننا أمام شعر يطرح اشكالية دقيقة هي التركيب داخل نص كوني   ليس أحادي البنية و النسق بل يتكون من مجموعة من العناصر و الأطراف التي وجب الاحاطة بها كي توجهك الى اكتشافه و مقاربته .

شعر س.ج.بيرس ينقطع مع الشعر الحديث بكل رواده : رامبو و أتباعه استعملوا النزق و التوتر في الشعر حيث الصورة الشعرية تمتح نوعيتها و قدراتها من تناقض العناصر التي تحنويها بينما ملارمي و مريدوه وظفوا بلاغة متجزئة و منفوشة متناترة حيث الاستعارة تنغلق على ذانها.  س.ج.بيرس ألف ما بين كل ما فرقه الشعر الحديث حيث أننا لا نجد أية لمحة للاستمرارية كحل في شعره و لا أي مجال ينفتح أمام ما هو مهزوز و غير متجانس و منعزل و بذلك اختلف مع كل رواد النص الحداثي الفرنسي كبودلير و رامبو و ملارمي و آخرون.    

تعد تجربة سان جون بريس Saint jean Perse من التجارب المتفردة في العصر الحديث، فمنذ بداياته (حوالي سنة 1904) حتى استكمال التجربة(توفي سنة 1975)، يتربع نتاجه الشعري على أعلى درجات "الكمال" الشبه الأزلي غريبا عن تيارات العصر والفترة السائدة. (فاز الشاعر بجائزة نوبل للآداب سنة 1960).

إن تجربته في مرحلتها الأولى (حين صدر له ديوان "مدائح" Eloges سنة 1911 و ديوان "أناباس"  Anabas سنة 1924 يجب ألا تقارن بالمدة التي قضاها "الكسي ليجي" بالهيئة الديبلوماسية، لأنهما يلتقيان في اكثر من نقطة. فهذا الأخير اضطر، لمدة 16 سنة، نظرا لانشغالاته الدبلوماسية سفيرا وبعدها كاتبا عاما لوزارة الخارجية، أن يصمت حد الاصابة تقريبا بالسكتة الشعرية وبسبب  الحرب التجأ إلى أمريكا كي يدشن هناك مجد بيرس.

أصدر عدة دواوين شعرية رائدة فعلاوة على الديوانين السالفي الذكر نجد :

المنفى Exil من سنة 1941 إلى 1944
الرياح Vents سنة 1954
المنارات Amers سنة 1957 الديوان الذي يعد تحفة س. ج بيرس.
الوقت Chronique سنة 1960.
الطيور  Oiseaux سنة 1963

قال س.ج.بيرس :

أنا الحامل عب ء الكتابة، سأمجد الكتابة

إن الذي يدهش لأول وهلة في شعره هو هذه القدرات الهائلة من أدوات ومادة شعرية : طاقة فريدة لتفريخ المعنى من ديوان لديوان (الأمرلا يتعلق بمجموعات شعرية ولكن بقصائد مطولة)  لغته  براقة بالتنوع باذخة بالحضور تشكل شعرا موسوعيا يوظف أدق جرد للعالم الطبيعي والإنساني. ان القوى الكبرى البدائية (الرياح والأمطار والثلوج) والمعالم الطبيعية العظمى (الصحاري والبحار...) تتجانس في شعره مع القوى الإنسانية :

" أخوات المحاربين الأزورين كانت الأمطار العارية على الأرض تسعى..."

ان  الماضي والحاضر، البراري النائية والمدن العصرية و الوجوه و اللغز الكهنوتي والمحتلون التراجديون وفرق العلماء في مختبراتهم كل ممزوج داخل نفس الحركة للرسالة الشعرية:

 

الاردواز يغطي سقوفهم

والقرميد

الذي ينمو ااطحلب عليه

وأنفاسهم

دهون تتشربها المداخن

                                                                   من قصيدة المدينة

 ورغم أن كل شيء مثار ومستدعى بدقة متناهية إلا أنه يخيل للقارئ أن هذا  الكل محمول إلى مكان وزمان خرافيين . كما أن الأرض المادية و "الأرض المجازية للرؤيا والحلم" تتفاعلان جماليا داخل طقوس أزلية تذكر بالنصوص المقدسة. ونراه كذلك يمزج القوى الكونية والأحداث الكبرى بقوة العواطف والشعور الإنساني.

نلمس جليا أن العواطف الإنسانية تأخذ الصدارة في ديوان منارات : عشق عميق وإثارة متحررة من المحرمات الدينية والاجتماعية تتلاقى وعلاقة حسية أكثر ارتباطا من ذي قبل بين الإنسان والكون .

كان س. ج بيرس يقول العالم في وحدته الطبيعية والإنسانية وهذا أمر يتطلب تمكنا متفردا من وسائل التعبيركما يتطلب قدرة هائلة على تدليل اللغة و زرعها في حقول الرؤيا .

 

الليالي سترجع الماء الحي الى ضروع الأرض

 وتطنّ اللقاعات وذبابات اللحم الذهبية،

 والعثّ، وطلع المواشي

 والبراغيث البحرية

 تحت فوقس الشواطئ العابقة بروائح العقاقير...

 الذرّاح الأخضر

 وفراشة الليل الزرقاء

 والأرض الموشومة بالحمرة

 سوف تستعيد ورودها الحمراء الكبيرة...

 تصعيد صغار الأخطبوط مع مجيء الليل

 من القاع السحيق

 نحو وجه المياه المتورّم

...

...

أيا عرعر فينيقيا

 الأكثر تجعداً من شعور المغاربة والنوبيات

 وأنت يا شجر الطقسوس الكبير الأبدي...

 آه مايا

 أيتها الوديعة والحكيمة...

 ستعيد الليالي النداوة والرقص

 فوق الأرض المتعظمة ذات النتوءات العاجية

 ستطل تتراجع رقصات السردان والشاكون...

أنتم يا من تتكلمون الأوسيتية

 فوق منحدر من المنحدرات القوقازية

                                                                        من قصيدة جفاف

 

أما فيما يخص اشتغال اللحظة الشعرية لدى الشاعرعلاقة بالنظم الشعري فانه كان يستعمل وينظم مقطوعة جد مرنة، غير متماثلة تمتد من الكلمة البسيطة الاستلهامية إلى الشطر الطويل المفعل والموزون. حيث أنه كان من الأوائل في هذا النظم الذي يخضع إلى قواعد متنوعة.

إن الشطر عنده يندرج داخل منظومة واعية ومعقدة للجملة، للمقطع ولكل القصيدة التي تتشكل  حركية واسعة شفوية وحكائية. والأغرب أن الهندسة العجيبة للقصيدة ككل  ودرجة الجودة العالية في انتقاء الجزئيات تشد الانتباه وتثير الإعجاب. كان يضبط لغة شعرية استثنائية، كان ولها بالمفردات الدقيقة والتقنية حيث كان يعمد إلى الجيولوجيا وعلم النباتات وكذلك اللغات القديمة واللهجات الغربية، إن الاستعمال الدقيق والحذف للبينيات الشكلية المختلفة مكنته من توظيف هذه اللغة الغريبة والمخالفة للمألوف :  يخضع المفردات حسب علائقها السمعية وينظم مقاطع كاملة بالجناس الاستسهلالي وبالسجع.لقد عمد الشاعر الى تفجير القافية من داخل المقطع الشعري حتى تنتشر داخل القصيدة كعلامات مميزة و مضيئة .

إذا كانت وسائل وإمكانيات هذا الشعر، رغم شساعتها، تعد نسبيا واضحة وقابلة للتحليل فان غاياته تبقى غامضة. حول الاحتفاء الفخم للغة حيث المعالم الكبرى الطبيعية والإنسانية مدعوة لتهب للقارئ شيئا اكبر من المتعة.

ولأن المجهول يفقد نفسه في ذاته ويفقد كذلك حصته الحيوية نجد دوما في شعره عملية النزوح من عالم مشدود إلى النمطية والتكرار إلى عالم آخر حيث تشكل التراجيديا شرطا للمعنى وإمكانية للتحقق

 

وصل التراجديون

منحدرون من ملاحم  أمجادهم

معانين

                                             من قصيدة  "تجديد المأساة"

حمل اسمه اسم الجزيرة التي كان أهله يملكونها ولد في كنف البحر وترعرع وسط عوالم الطبيعة بكل تجلياتها وتمظهراتها وحالاتها .ما بين الجبال و الصخور وتواجد البحر وتقلب الرياح تأسست حركية الشعر قيامية ذات سطوة و قسوة و قوة تمتح من لغة أرسطوقراطية بمميزات خاصة: متفردة شاسعة و دقيقة منحوتة موغلة في التركيب.انها  تراجيديا البحر لأن البحر له وجهان، إنها "ما تعدنا به أفكارنا" وفي نفس الآن هي وجه "البحر التائه المأخوذ في شراك اللا تيه"  كما في المسرح القديم فإن معنى العالم كان دائما  حول هاوية بالنسبة للرحيل كما كذلك بالنسبة للعودة أو الموت.

كان البحر دوما يدشن أو يختم أملا. يضع الكل في نفس الإطار، الحياة والموت. الخلق والدمار، المعلوم والمجهول، كي يشير دوما إلى الكائن و وجهه الخفي  إنه يعلن الصراع الكبير ما بين العناصر المتناقضة كالسماء داخل "الرياح" كما يؤكد التنوع والتعددية الأساسية التي تكون عناصر الواقعي وتؤسسه متجددا ومنفتحا على المعنى:

 

وأنت، يا بحارا كنت تقرأين أكثر الأحلام

اتساعا، هل ستتركينا ذات مساء إلى منابر المدينة،

بين الساحة وقضبان النحاس ؟

أكثر بحبوحة، أيها الحشد، مجلسنا على هذا

المنحدر من عصر لا زوال له : البحر، هائلا

وأخضر كفجر في شوق الناس، البحر المهيد على

حدوده كأنشودة حجر : بيرمون وعيد على تخومنا،

صخب وعيد بعلو الناس –البحر نفسه سهادنا، كشهادة

الهية...

                                                                      من قصيدة منارات..

البحر يموضع دائما الإنسان السفلي والمتخلى عنه في مواجهة أكمل شروط وجوده. إنه صورة الامتلاء الكلي والبحث عن التواجد في الوجود.

البحر، محمولا فينا، حتى تخمة النفس وحتى نهاية

النفس،

البحر، حاملا لنا من اللج هديره الحريري وطراوة

كبيرة لحظ غير منتظر في العالم.

.

.

 البحر منسوجا فينا، حتى أدغاله السحيقة،

البحر، ناسجا لنا ساعاته الضوئية الكبيرة، وميادينه

الكبيرة المعتمة-

                                                             من قصيدة منارات..

 

هذا العالم كما وجد ظهر غير قادر على أن يشهد للكائن لذا كان الشاعر ينزع كي يمشي دوما تجاه البحر بطقوس و وثيرة كالتي كان يقوم بها اليونانيون عند افتتاح كل احتفال . يتجلى ولعه بالبحر كأنه طقس مقدس يروم به اعادة احياء القيم الجمالية للأسطورة .مواجهة مع البحر هي بمثابة المرحلة الأولى للولوج الى ما هو مقدس .هدفه الأخير هو تبجيل البحر بالارتقاء باللغة الى مقام الكلام المقدس و بذلك يلبسه البحر رداء "رهبان البحر". لكن هذا التمجيد لم يكن ابدا تمجيدا من جهة واحدة لكنها مؤامرة مع البحر .

ان الشاعر حينما يتوجه صوب البحر يخبر كيف يتجاوز خطوط الحدود و كيف يتخلص من وزر هذا المعيش , كيف يحفر في ذاته آبار المعنى و يمطط أبعاده و حدوده كي يستوعب كل البحر حد الاشباع و يطال الجزاء الذي هو طاقة أبدية أزلية تلازم الشاعر أبدا.

و لو أن الشاعر يواجه البحر فانه يتأمل و رجلاه على اليابسة لأنها المكان الحقيقي للمأساة و لأن الشاعر انساني بامتياز . حينما يلج الى ذاته يتحرر نهائيا من رسالته .

 

    

لا بديل لمن يدبر الارتقاء والعمودية إلا من يدبر الأفقية والمتاه : هو عمى الشعر المطلق.عنده ليس للشعر منبع ولا مصب وإلا تواجد غريبا أو جاءنا من جهة البحر.

إن استدعاء كل عناصر الواقعي واستجداء عالم كي ينخرط في الحدث بغية تحطيمه وإعادة خلقه ينضج في مكان لكل الضغوط مكان للكائن العاري مكان لظهور وبروز الكنه البدائي  .

هذا الانتظار والترقب هما عنده احتفاء

"والرجل

الذي بقناع الذهب

يتعرى من كنوزه

لشرف البحر"                                                              

                                                         من  قصيدة "Midi"

احتفاء يتجلى وكانه الوجه المغيب للانتظار.

 س.ج.بيرس S. J. Perse بهذا يضعنا إذن في مواجهة الانتظار، في مواجهة أنفسنا : إن التراجيديا تدشن الولوج إلى الواقعي، لكن هذا الواقعي لم يعط لنا ولم نتسلمه كذلك ولو دخل الفضاء الرمزي للنص، وما كان  للضغط الذي يولده النص أن يظل عاريا ونقيا كي يحتفي كما يشاء بالنص و يلج العالم الذي ليس له مفتاح (العالم  المنتشي).

لكن  س.ج.بيرس S. J.Perse يهبنا مفتاحا: إنه مفتاح الرمز. الرمز الذي إذا كان منغلقا ومتجاوزا فإنه يتعسف ويتكتم، وإذا كان منفتحا وبدون حل دائم ما بين الأسطورة والعالم فإنه هكذا يصير نافذة وعنصرا للتنفس والحدود، الرمز الذي كان يسكنه هو الرمز الذي يصبح عنصرا للمعنى.

بدون الرمز لا يمكن أبدا أن نؤثث المتخيل، ونجعل العالم يبدو متجانسا. انه الرغبة في الجديد في إطار ما هو قديم وعتيق.

شعر س. ج بيرس يدوى ملحمة للكون بأكمله، ملحمة الملاحم وليس ملحمة بطل او شعب انه مدح لا متناهي للحاضر الذي كان والذي سيأتي. شعره ليس مثاليا ولا هو قبول لهذا العالم إنه نذر. وتحرره من كل خلفية دينية جعله يواجه غياب الخالد بحضور وتواجد المقدس.

معين الواقع لا ينبض : قولة تظهر لنا خرافية كلما تجردنا من هذا الواقع. ربما كان لتوظيف الأسطورة عند بيرس على نطاق واسع كسبنا الحقيقي والذي لا نحظى منه سوى بجزئيات ظاهراتية.

ان شعر بيرس يعانق الماضي بالحاضر ويقترح المستقبل ويتضرع إلى المطلق ويشجع المغامرة المتحمسة للإنسان.

 

 

(*) د. محمد السرغيني

المراجع :

نماذج شعرية للشاعر نقلها الى العربية الشاعر العربي أدونيس.مجلة" مواقف " العدد 13و 14و29.
مقاطع من الترجمة التي أنجزها خالد النجار ورضا الكافي، في شهر نوفمبر 2004،  تحت عنوان "نشيد الاعتدال" الصدرة  في طبعة خاصة  عن منشورات"جبل التوباد" في تونس، والترجمة العربية مرخّص لها من دار غاليمارالفرنسية.
كتاب" بريد المنفى: س.ج.بيرس و أصدقاؤه" عن دار غاليمار للنشر.
س.ج.بيرس شاعر فرنسي:منشورات مؤسسة س.ج.بيرس-فرنسا.
كتاب :"س.ج.بيرس شواطىء المنفى" لجارد جويل  GARDES/JOELLE دار الطبع ادينEDEN

 

2017-07-01