دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
زمن ياسمين زهران ....شوقية عروق منصور

  ليس لياسمين زهران علاقة بحاتم زهران بطل الفيلم المصري " زمن حاتم زهران " الذي قام ببطولته الفنان " نور الشريف " وجسد في الفيلم حكاية الرجل الانتهازي الذي تعلم في أمريكا ونال شهادة الهندسة ، لكن رجع إلى مصر فوجد الانفتاح الاقتصادي يثرثر في الشارع المصري فاتحاً ذراعيه بوحشية مستقطباً تجار الشعب بعد أن منحهم الرئيس السادات إشارة البدء بافتراس المجتمع ، لذلك يأتي حاتم زهران لينهب ويساهم في تخريب البلد ونزع القيم الأخلاقية والانتماء للوطن .

قبل أسبوع توفيت بهدوء ، امرأة فلسطينية من زمن البيت الذي حجارته تتنفس تاريخاً ، ويتكلم لغة الحق والحقيقة ، اسم هذه المرأة " ياسمين زهران " التي أكدت أن للتاريخ آذان وأفواه ، وأن من يحاول اخراس التاريخ وقطع لسانه ، ما هو إلا من رعايا الوهم والسخافة لأن نبرات صوت الفلسطيني وحنجرته أقوى وأعلى .

ولدت الباحثة " ياسمين زهران " في مدينة رام الله عام 1933 ، درست في جامعة كولومبيا الامريكية وتابعت تعليمها في جامعة لندن ، وحصلت على شهادة الدكتوراه في تخصص علم الآثار من جامعة السوربون في باريس . وقد عملت في اليونسكو مستشارة ثقافية ، وشغلت منصب سفير الثقافة والتربية حول العالم ، وهي من مؤسسي معهد الآثار التابع لجامعة القدس وتوفيت يوم 24 / 10 / 2017 .

بطاقة هوية الباحثة " ياسمين زهران " خارجة من زمن المرأة الفلسطينية المتحدية ، التي لم ترضخ لزمن النكبة وزمن الإحباط الذي وصلت تجاعيده الى وجوه النسوة اللواتي اغتسلن بمياه التشرد وارتدين ثياب القهر ونمن تحت أقمشة الخيام الجافة . بل هي بطاقة امرأة قوية قررت أن تقف وتعلن أن المرأة الفلسطينية تملك القدرة والقرار والسفر والتعلم وفرض إنجازاتها وابحاثها على صفحات العالم ، الذي قرر أن لا يقرأ صفحات الوجع الفلسطيني ، وان يستمر في تمزيق صفحاته . اختارت أن الباحثة " ياسمين زهران " تحدي المجتمع الغربي واقتحام أسوار قلاعهم الاكاديمية والتعلم هناك ، واختارت موضوع علم الآثار لتؤكد هوية الأرض والجذور ، وتساهم في الكشف عن الآثار الفلسطينية ، وقطع الأصابع التي تريد تغيير أبجدية التاريخ الحقيقي . هي امرأة من الزمن الفلسطيني الذي لم يصفق مع القطيع ، وأصرت على تكريس قلمها للطيران فوق أوراق الباحثين والمؤرخين الإسرائيليين والغربيين .

فأصدرت عدة كتب حول تاريخ العرب قبل الإسلام باللغة الإنكليزية ، وتعتبر كتبها من المراجع الهامة في الجامعات الغربية وقد صدر لها باللغة العربية " اللحن الأول من فلسطين " و " باطن الهواء " و" روح تبحث عن جسد " و " دار الأقواس السبعة " و آخر كتبها " رام الله التي كانت" سجلت فيه تاريخ مدينة رام الله الرسمي وتاريخ عاداتها وتقاليدها وأصل سكانها . يوم وفاتها أطلقت بلدية رام الله اسم " ياسمين زهران " على أحد شوارع رام الله ، وهذا الاطلاق يؤكد ان المرأة الفلسطينية حملت القلم وحملت البندقية ، المرأة الفلسطينية حملت الذاكرة وحملت خبز الأبناء .

نعلم أن المرأة الفلسطينية وما زالت في زمن البطش والتحديق في بقع الدم وعناق قضبان السجن ، ما زالت تزف الشهداء وتحترق في الحصار وتعيش على حافة الخوف والرعب ، لكن حين نرى اسم امرأة يقف على لافتة في أحد شوارع الوطن ، نعرف أن الوطن يعتز ويفتخر وانها سجلت اسمها رغماً عن العقلية الذكورية ، ورغماً عن محاولة البعض زجها في خانة أنوثة العيب والممنوع ، والوطن يسوقه الرجال فقط .

2017-11-01