دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
عناقيد اماني محمد ....بقلم خالد بريش

 عناقيد الكاتبة أماني محمد تتدلى عباراتها قناديل ورود في زمن الظلمات فتشكل للقارئ هاديا كضوع عطر من وطن سليب... أن تفتح كتابا وتقلب صفحاته فتأسرك ديباجته وعباراته التي تحمل كثيرا مما تحب أن تقوله، فهو سعادة بحد ذاتها، لا يدركها إلا من واظب على قراءة الكتب التي غدا كثير منها في هذه المرحلة منفصل عن الواقع.

وأقل ما يمكن أن يقال في وصفها، هو أنها مصابة بالفصام، كونها لا تعبر عما يدور، ولا عن المعاش الإنساني في عالمنا العربي.

وكأنها كتبت للقاطنين على كوكب آخر، أو بالأحرى كتبت لأناس لا يعيشون في منطقتنا العربية مطلقا. إنه باكورة نتاج الكاتبة الفلسطينية أماني محمد الرواشده والذي يوحي بعمق التجربة الإنسانية، وغزارة الأفكار، وبموهبة لا شك أنها سوف تأخذ مكانها يوما في الصدارة... تحدثنا الكاتبة عن حيفا التي تسكن بين أضلاعها كزهور تتضوع عطورا، فيُشكل عطرها ماءً يروي روحها.

ولهذا لا تفاجئ القارئ بقرارها بعدم الهجرة، وترك الوطن للبوم وللغراب حبا في وطنها، وخشية على قبر أمها من العطش، لأنه لن يشتاق لزيارته أحد غيرها.

تدخلنا الكاتبة من هذا الباب الكبير إلى عوالم كتابها الذي هو ترانيم تنساب ينابيعا من محيطات روح شاهدة على واقع معاش بكل آلامه وأفراحه وأتراحه.

إنه بوحٌ بمعاناة، وألم تجارب لا يدركها إلا من يعبر يوميا الحواجز الصهيونية، ويقضي نصف نهاره ما بين التفافات حول مستعمرات زرعت على أرضه، وتراب وطنه.

والدوران في طرق لا تنتهي وهو ينظر من نوافذ سيارته إلى المكان الذي يريد الوصول بأم عينيه. ولكن عليه المرور بعذاب القبر، والصراط، ومن ثم ينتظر، وينتظر، إلى أن يصل إلى جنته وقريته... عمل أدبي يحوي مجموعة كبيرة من التجارب. لا تخبرنا الكاتبة إن كانت عاشتها.

أم استقتها من همسات من هم حولها. أو سجلتها عدسات عينيها بهدوء، فأخرجها قلمها عبارات مدبجة بإتقان، في بناء جميل، متكامل، تحريضي بامتياز. تختبئ الثورة على الواقع المعاش بين كل حروفه، وخصوصا على العقلية الذكورية التي خرجت من ماكينة تصوير المستندات (فوتو كوبي)، فتشابهت لدرجة قلما صادفنا فرقا بينها، وإذا ما حصل ذلك فهو مجرد خداع بصر.

سرد يحوى مجموعة كبيرة من الأفكار التي يحتاج كل منها لكتاب منفرد. إنها مشاكل تمر بنا، ونعيشها يوميا، ونظن بساطتها لكوننا تعودنا عليها، وأصبحت جزءا من يومياتنا.

فتقوم الكاتبة بالإضاءة عليها، ووضعها في إطارها وسياقها، لتظهر لنا أهميتها وقيمتها. يبدأ الكتاب بثلاثة فصول تواكب التحولات في المجتمع الإنساني عامة، وفي مجتمعاتنا خاصة. فالإنسان طفل أو طفلة صغيرة، ما يلبس أن يصبح بنتا حالمة، ثم حبيبة، وخطيبة، وزوجة. لتبدأ عندها مرحلة أشبه بالعبودية لعادات وتقاليد، تعطي سيد البيت كل شيء، وتنزع عن المرأة كل حريتها. فتنقلب حياتها وبقدرة قادر من ملكة أميرة إلى جارية بكل ما لهذه الكلمة من معان...

وقد تضمن هذا العمل الأدبي الإنساني العام والخاص. بل خاص الخاص الذي ربما كانت تبوح به الكاتبة كبوح الياسمين بعطره مع أنها لا تريد ذلك...! ولكن سريعا ما نكتشف أن الحيز بين العام والخاص ضيق، وجد محدود. تتناول الكاتبة مآسي مجتمعاتنا الذكورية، وخصوصا عندما يتحول الزواج إلى واجب اجتماعي، والأمومة إلى طقس من الطقوس، والأبوة إلى نوع من فرض الرأي، والاستئساد على من هم من لحمه ودمه، وخصوصا زوجته، مع أن كل الرجال يحييون بفضل غيث دمع النساء...! ثم تطوف بنا في المشاعر الإنسانية، والحب، والعناق، ومأسي الفراق، والطلاق، والخيانة، وساعة الحسم في العلاقات، وتحديد حجمها.

لتقول للمرأة في نهاية المطاف: - ما أتعس المرأة التي ترسم أحلامها لوحات من كلمات ولا يفهم روحها أحد...! ولهذا نراها تقوم بتعليم البنات كيفية التغلب على عقد الذكر، بواسطة مضادات حيوية، تبيد ما ترسب في دمهن من سموم الذكورية، دون الشكوى من مرارة الدواء، لأن الشفاء في المرارة...!

وتأمرهن بترك الرجل الذئب جائعا طول حياته. وأن يتوقفن عن ترداد تلك المعادلة الكيميائية: غدا أجمل...!

عمل سردي تلقائي، أو مجموعة قصصية بطعم الحداثة. أقرب إلى الشعر الحر المدبج بعناية، أطلقت الكاتبة فيه العنان لروحها قبل قلمها، وتركتها ترسم لنا صورا أحبتها، وأخرى لا تحبها. فعرضت على شاشة أبصارنا مشاهد لا بد منها لكي يبقى الإنسان محافظا على هويته، صامدا في وطنه المحتل "علينا أن نمزق حذاء الجندي الفار من وطنيته، لينتمي لجند الاحتلال، ويصبح يهوديا برتبة عربي... استديروا وصوبوا بنادقكم وأقلامكم في الاتجاه الذي يجعل من أرواحكم أنبياء".

بل يقترب ذلك السرد أحيانا من الشعارات النضالية "عشق البلاد وفاء... وعشق بعض النساء وطن".

فكل جملة فيه تشكل حدثا، وصورة شاعرية ذات لجج، تأخذ بتلابيب الروح، فتهزها وتفعل فعلها. عبارات ترسم للأنثى عدة عتبات إذا ما تخطتها، حققت ذاتها. وتركت لباس المخلوقة المزيفة التي تختبئ وراء سذاجة النظرات، وعبودية القناعة، وخنوع العادات والتقاليد... إنه وقفات على فواصل الحياة، ومحطات الأيام، بكلمات أنثوية حنونة دافئة. محملة بكل ما تحمله الأنثى من حنان الأمومة، وفيض الحب، بلغة قوية محبوكة جيدا، وقاموس لغوي غزير، تتلاحق ألفاظه وكأنها عيني طفل تناغيان وهما تتابعان فراشة تحلق فوقه. تقود أحداث هذا السرد الأنيق وعباراته إلى درب الآلام، أعني مدن فلسطين. التي يوجد في كل مدينة من مدنها أو قرية من قراها دربا للآلام وللجُلجُلة، وإن لم يمر به السيد المسيح، كونه يُخبئ في باطنه دما طاهرا لم يركع للصهاينة، ولم يعترف بهم يوما. بل كل فقرة من هذا العمل الشيق، تشكل حجرا من أحجار أطفال فلسطين، يرجم فيه العقول المتحجرة، ومن يبيعون ويشترون بأرض الوطن. تعرج بنا الكاتبة خلال سردها على الجد والجدة ودورهما، والشوارع، والأرض، والخبز الذي تخبزه النسوة على "الطابون"، فنحس في لحظة أن رائحته اخترقت القلوب. لتتوقف عند ذلك المغتصب القادم من أصقاع الأرض، ليستولي على الوطن. فرسم خطوطا ملونة، وحرَّم الأرض على أصحابها، ولكنه أجاز لهم رؤية بعضها من بعيد. فتحولت حياتهم إلى جحيم، وحواجز، وحدود، ومناطق. لتصرخ بقوة في كل الوجوه، مرددة ما يجهله العالم، كل العالم عن وطنها: الكل ينسى أنك العربي الوحيد الذي يستحق ركعة حرية أخيرة... وتناقش الكاتبة موضوع الهوية في ظل الاحتلال بهدوء، دون بكاء على أطلال، ولا عبارات خطابية ملتها الآذان. فتعرض للمعاناة، وللتناقضات، ولكل ما يعانيه الفلسطينيون وهم على أرضهم التي رواها أجدادهم بدمهم. وكل ذنبهم أنهم رفضوا المغادرة، والبقاء فيها يتفيؤون بظلال شجرة زيتون منتصبة منذ آلاف السنين. مستخدمة مشاهد مُبسطة مُعاشة، قد لا يفكر بها القارئ أصلا، ولكنها تشكل أساسا في الهوية، ككلمات تلك الجدة التي تختصر الكثير عندما تردد: - كلو بيوكل ليخِيم... ويشرب حليب تنوفا... ونسيو خبز الطابون... وجبنة بقرة جارتنا سعده...! ولكن يبقى ذلك بالنسبة لها، أهون بكثير من الغربة، والابتعاد عن تراب الوطن. لأن الخارج من وطنه مُرْغما، يُنفق كل الدموع في وداع المدينة حيث علقت روحه في بداياتها، وتركت بعضا من رائحة مشيمتها. ولهذا فضلت الكاتبة البقاء بين حطام عمرها ومدينتها، لأن الغربة بالنسبة لها موت للأحياء، ولأن الخروج على حد قولها عُريّ: - أن تخرج من مدينتك تاركا وراءك كل العمر الهرم بذكرياته وحنينه كأن تمشي بين الناس عاريا لا تستر شوقك للحياة أي دمعة... والجدير بالذكر هو أن الوطن يفرض نفسه بقوة في كل أسطر هذا العمل الأدبي الشيق، ويتربع على صدارة أحداثه، من تهديم لبيوت الشهداء، وتفتيش للمنازل، وتكسير لمحتوياتها، وعبور على الحاجز الفاصل بين ضفتي الخط الأخضر الذي بحد ذاته انتقال من وطن إلى وطن. من وطن يجثم على صدر أبنائه محتل غاشم، غير كل المعالم، وأسماء المدن، والقرى، والشوارع... ولكن بقيت أرضه تئن بالعربية، وتتوجع بالضاد. إلى وطن عيون المغتصب على كل ذرة من ترابه لينتزعها...! ثم الوصول إلى نابلس التي توقف فيها الزمن، ولم يتحرك قيد أنملة، لأنها مستودع للزمن. فهي باقية كما ذكروها في الكتب، دون زيف، أو تبديل، إنه الطواف في أرض مباركة. وتحضر فجأة مدينة "حمص"، الجريحة المهدمة، مدينة التاريخ والبطولات. وكأنها تحكي من خلالها معاناة الشعب الفلسطيني الذي ترك أرضه ودياره يوما، وحكم عليه بالهجرة. فتقوم الكاتبة بإسقاطات تنم عن حِرَفية، وترسم آلام سنين طويلة يختزنها الفلسطينيون في دمع عيونهم، وآهات نسائهم وهن يلدن أطفالهن، وفي تفتح الزهور والورود، وبدايات الأيام، ونهايات السنين... تأتي كثير من التفاصيل في هذا العمل الأدبي كحوافي زهور البنفسج، أو كلحظات ولادة القمر، وكآخر ركعة صلاة وتر الحب والوفاء.

بل كومضات نجوم ليل طالت حِلكته. مخبئة همسها كعطر رسائل الحب المخبئة في صماصيم القلوب، وضحكات العشق، وفرحة العودة بعد طول غياب. وكأسئلة آن لها أن تُطرح: "علينا جميعا أن نقف أمام المرآة، ونسأل الرسم الظاهر في ضوء أعيننا، ماذا قدم انعكاس ظلك للوطن؟".

وختاما فإن القارئ لن يستطيع أن ينفض عن إهاب روحه عبارات هذا السرد بسهولة ولو أعلن توبته: إن أصدق العاشقين هم التوابون...!

2018-01-16