دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أحببت أعمالهم !! ....عبد الهادي شلا

 

 استمرارية البحث والعمل في مجال الإبداع الفني تقود إلى التعرف على أهم المؤثرين الذين تركوا بصماتهم عبر الزمن دون أن تهتز قيمتها أو ينفذ التصدع إلى جوهرها، بل على العكس وجدنا أن من وضع أسُسـًا سليمة ومنهجـًا واضحـًا قد استقر في ذائقة المجتمعات المختلفة وأثر في اتجاه بوصلة مبدعيها،فبقي إبداعه منهجا ومدرسة لا يختلف عليها اثنين وإن خضعت إلى التحليل والدراسة فإن إيجابياتها تكون أكبر بكثير من أي نقص يمكن النظر إليه.

أجمع فلاسفة الجمال والفن الرفيع على ان "فنست فان جوخ" الفنان الهولندي (30 مارس 1853 - 29 يوليو 1890)الذي ورث عرش الفن عن ابن وطنه العبقري "رمبرانت" (1606 - 1669م )،قد حقق بعد مماته نجاحا اسطوريا فيما خلـَّفَ من لوحات في الوقت الذي يسجل تاريخه أنه لم يبع سوى لوحة واحدة خلال حياته التي انتهت بانتحارة نتيجة حالة عصبية ونفسية قاسية مر بها.

 

هذا الفنان - فان جوخ -عـَشـِقتُ أعماله وسيرته منذ كنت طالبا في كلية الفنون الجميلة قبل حوالي خمسين عاما، وكنت أتصفح صور أعماله في كتاب وضعته تحت سريري يوميا قبل أن أنام،وأحببت سيرة حياته وقسوتها التي كانت وراء كل إبداعاته العبقرية والتي تتهافت عليها كبريات المتاحف وأصحاب الذوق الرفيع في العصر الحديث حتى وصلت أسعار لوحاته أرقاما خيالية.

 

لم تكن حياة الفنان الإيطالي العبقري "أميدو موديلياني" (12يوليو 1884 - 24 يناير1920 ) أقل قسوة من حياة  "فان جوخ"، فقد عانى في حياته الكثير من الفقر وادمان الكحول والمخدرات التي أودت بحياته صغيرا حيث مات في عمر الخامسة والثلاثين وكان يعرض أعماله على رواد الحانات ليشتري بثمنها مشروبا،بينما عانى -جوخ- من قسوة الحياة و الوحدة والصدمة العاطفية التي افقدته السيطرة على نفسه فقطع أذنه لأن عاملة الحانة أعجبت بها ساخرة،وخلد الحادثة في لوحة رائعة..!!

 

سرى في جسد"موديلياني" مرض السل الفتاك في ذلك الوقت ومات بعد قصة حب كبيرة. ففي العام 1917م التقى موديلياني مع "جيني هيبتيرن" الطالبه بأكاديميه كولاروسي.

كانت فتاة خجولة ورقيقة ومهذبه كما وصفها الكاتب تشارلز-ألبيرت سنقريا وأنها اصبحت نموذجه وعارضته الرئيسة حتى مماته وقد رسمها ما لايقل عن 25 مره.

 

وفي اليوم التالي لوفاة "موديلياني" (25 يباير 1920 ) اقدمت "جيني" الحامل وقتها على الإنتحار وقامت اخت موديلياني في فلورنسا بتبني ابنتهم اليتيمه والتي كتبت فيما بعد سيرة ذاتيه مهمة لوالدها بعنوان "موديلياني: الرجل والأسطورة".

 

عـَشـِقتُ أعمال هذا الفنان أيضا بعد أن قرأت الكتاب الذي ألفه الفنان المصري "يوسف فرانسيس" في أوائل السبعينيات وحمل إسم"الملاك الفاسد"،و تعاطفت مع مأساته وأصبحت شغوفا برؤية أعماله وتتبع أخبارها في المزادات العالمية.

 

هذان النموذجان للعبقرية الإبداعية في الفن التشكيلي تشكلان ظاهرة مازالت قائمة بين فناني العالم ومازالت أعمالهم مقصد أصحاب الذوق الرفيع والباحثين في علم الجمال وفلسفة الفن لما فيها من قيم عالية.

 

و مازالت تقتحم بقوة الساحة الفنية العالمية وتتربع على عرشها بجانب العديد من أعمال فنانين أخرين أثروا الحالة الفنية العالمية بمنهاجهم ومدارسهم وخلفوا ورائهم ضوابط ترتقي بالعلمية الإبداعية و أشاروا الى طرق تأخذ بيد القادمين من بعدهم وكشفوا أسرارا من سلوكياتهم الحياتية ليؤكدوا أن تطابق السلوك الحياتي لا يبتعد عن أسس القيم الفنية التي دعوا إليها.

 

2018-02-03