دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
شغف الحاسة في فضاء الموج....بقلم سمر محفوض

يرى  الشاعر السوري أدونيس أن وظيفة اللغة هي تغيير الواقع وتحويله وإعادة خلقه من جديد.. ومما لا شك فيه أن  سوريا تشهد إبداعاً شعرياً تشارك فيه أجيال ذات تجارب راسخة إلى جانب أجيال جديدة تجرّب حظها، و المشهد الشعريّ الراهن شديد الغنى والتنوّع، تتجاور فيه الأجيال والمدارس بكل أشكالها، وتتفاعل مع بعضها لتخلق مشهداً شعرياً..وضمن تلك التجارب تندرج محاولة الشابة المهندسة الزراعية الشاعرة ليندا تقلا بإصدارها الأول المعنون ب( شفاه الموج) وهو سيل شديد التأني يضمن العلاقة بين المعرفة  والسؤال الموجب لها , وهل تكمن الحكمة في المقاومة الخاسرة سلفاً أم في التسليم وتجنب الخسارة المجانية\هل للحب عمر يقاس به؟\ هل للمشاعر شطأن ترسو عليها..؟

 إن الأجوبة الجاهزة لاتقدم هنا حلولاً بل قد  تصادر حلولاً ممكنة ربما, وهي تدخل المتلقي حدود التأمل بألفة وانحياز شبه كامل لمعايير التعبير, مما يجعل الكتابة لدى الشاعرة  قيمة جماعية وجمالية, عصية على التأطير القاعدي, بل مفتوحة على ترجماتنا الذاتية, هذا التوازن والانسجام والتوافق الشكلي  مع محتوى المتن الشعري  \وما الشوق إلا عشق لغائب\ والغائب أشد حضورا\ساعة الاشياق\ تؤكد أيضا أن الموسيقى قوام القصيدة الأكيد  وتنسجم مع الهرموني العام للنص  وبالتالي سوف تجعل (ليندا تقلا)  تجتهد بانتقاء الكلمة  بصورة بالغة الدلالة  على اعتبار  ان مقاطع النص  لديها تمت في أزمنة متفاوتة  من حيث  البحث عن معنى أعمق للتعبير \ألف باب وباب\ وأعود وأسأل \أين أيام الهوى\ ألملم ماتناثر من جرحي\هنا وهنا\ وأطوف حولك بالخطى المتعثرة\تخرج ليندا تقلا من التبسيط المختزل متجاوزة ملامح الشكل والرمز , إلى التوليف الجمالي / عميق عمق البحر\ بعيد يعد السما\ أي أمل أنت\ مستندة  على حكاية التأني  تستفيد من عوالمها الحية ومنهجها العقلاني المكثف الذي يربط بين تكاوين الأشكال وحاملاتها\  على شاطئك رسمت أول خطوة\ في دربك الطويل\المتعب\ ومع كل هذا\ على شاطئك كانت بداية الحياة\ تطرح سؤالها دون أن تهتم برصد الأحداث وفهم قوانينها, بل  تحقق الاندماج مع الحركة الاجتماعية  للمعنى الشعري مهملة  وضع السبل والخطط,\كبيرة هي أحلامي\ دونك سأحقق مناي\ وستدمل جراحي\عند تحقيق أحلامي\  مع  مجموعة  (شفاه الموج) ثمة كائن شفاف في مكان ما داخلنا يتابع  العالم ,من خلال العزف على أوتار الروح  وهي الحركة التي يرمز إليها عنوان المجموعة  بتوقه  النابض للنطق   عدا عن كونه حركة  هو أيضا لغة الماء وتتابع حركة الموج الأزلية وتوقها للعودة إلى الشط والتطهير والمعرفة والحكمة والنشوة الروحية المنتظرة .. \وأبدأ صباحي \بكتابة قصة للحب\ ثمة محاولة  جادة لخلق لحظة متفردة  عبر استغاثة الشعر , تحاول ليندا  امتحان إمكانية  الكلمة  كل كلمة  وقدرتها  على التعبير  ثم طرق الصياغات  المختلفة للجمل التي تنسجم مع موسيقا مضمونها  كأنها تنويعات على لحن واحد  بين جمل مكثفة وأخرى تفصيلية, ببساطة,لان المقاربة بين وضع ونقيضه  يحتاج التفصيل\أيها الحب \جميع قصائدك حزينة\أنا أنثى من مطر\ أقسمت إلا أشكو لك وحدتي\ مجرد توصيف الحالة لا يكفي بل يجب ان تكون محفزة على الفعل وهنا تبدو عبارة ( أنا أنثى من مطر   ) رمزا للخلاص والخصب

مذكرة إيانا باللذة الكامنة لفرح المطر و الغموض الذي يرافقه وهو ليس حدثا بقدر ما هو تشظي لفراغ الحدث \بيني وبينه همس رسائل\وأسرار النوم الطويل\ تسعى ليندا تقلا  من خلال  رصد لحظة التوق  والتماهي الكلي بالكون  لربط التفاصيل من خلال الجسد  كرمز وفعل  \جسد يتمايل\جسد ملاك\غنج يتدفق من بين الشفاه\  تفتش عن زمنها  الخاص للتعبير وهذا هو المجال الحيوي  للموسيقى الشعرية  في ديوان (شفاه الموج) بحيث تغدو للكلمات  مختلف الإيحاءات والإيماءات الحسية  والعاطفية  المتجاوبة مع معانيها لفظة ..لفظة  وإيقاعا بعد إيقاع  ..سياقاً ومعنى  وموسيقى في حلة بوح يرتقي  بالحروف ويخلصها من ركاماتها  كنتيجة لاتحاد الموسيقى واللغة والصورة و الخيال ذات بنية لفظية بسيطة وشفافة خارج لعبة الجسد والممكن والتشكيل  والسلطة والخضوع , أنها تعبير عن شغف الحاسة في فضاء واسع ورحيب هو الروح وحسب ومجاله البحر الذي يمتد خارج حدود التقنين اللفظي –ليندا تقلا تجربة شعرية واعدة وتستحق المتابعة يذكر أن المجموعة تضم 112 نصا  قصيرا في 122 صفحة من القطع المتوسط صدرت عام 2017 عن مؤسسة سوريانا للإنتاج الإعلامي  .

2018-02-16