دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حزب مباي والحكم العسكري ....تميم منصور

 بعد أن استقر الأمر في حزب مباي مع بداية الخمسينات من القرن الماضي على فرض الحكم العسكري ، لإشباع غريزة رئيس الوزراء بن غوريون آنذاك ، ومن حوله من الداعمين لسياسة الترانسفير ، طلب موشه ديان ان تبقى فرضية طرد العرب من وطنهم قائمة مهما تغيرت الظروف ، حول هذا الوضع وخصوصية الحكم وتبعاته الاجرائية القاسية ، من منع للتجوال وفرض طوق امني حول القرى العربية ، والانتقام وملاحقة القوى والعناصر الوطنية ، وغيرها من الملاحقات ، جرى نقاش شبه يومي بين المعسكرين المتشدد والاقل تشدداً حول فعالية هذا الحكم غير الانساني في عدم اهميته لحفظ أمن الدولة .

وقد كشفت ارشيفات حزب مباي بأن هذا النقاش لم يتوقف بين قادة حزب مباي – العمل حالياً ، وإن هؤلاء القادة حرصوا على منع تسرب المعلومات عن مواقفهم التي تشبه مواقف النازيين ، ليس فقط من المواطنين العرب ، بل أيضاً غالبية شعوب العالم لأن الحركة الصهيونية اتهمت الجميع بعدم وقوفهم الى جانب اليهود أثناء المذابح التي ارتكبت بحقهم من قبل النازيين خلال الحرب العالمية الثانية ، كانت خشية هؤلاء القادة بأن تسرب المعلومات عن نوايا قادة هذا الحزب بطرد المواطنين العرب ، يسبب الحرج سواء كان الأمر امام احزاب اليسار المحلية وامام دول العالم ، لأن اسرائيل منذ قيامها كانت تدعي بأنها أول دولة ديمقراطية في الشرق الأوسط ، وانها قررت بأن المساواة بين جميع المواطنين فيها عرباً ويهوداً هي السقف الذي يغطي سماءها وأرضها .

 لكن ثبت بان خداع الرأي العام المحلي والعالمي شيء ، والحقيقة شيء آخر ، فقد تأكد بأن جميع قادة حزب مباي - العمل حالياً - لم يلتزما بوعودهم ، وان نواياهم الحقيقية ، تعبر عن عنصريتهم ، فاعلانهم عن المساواة كان للاستهلاك الاعلامي ، لأنهم قرروا من خلال اجتماعاتهم السياسية داخل الحكومة والحزب ، بأن المساواة لن ولم تتوفر بين العرب واليهود داخل حدود الدولة ، في يوم من الايام لسوف يتجاوزون هذه الوعود عاجلاً وآجلاً فحتى اليوم فان شعبنا كما كان ، لا زال يعاني من التمييز القومي في كافة مؤسسات الدولة الأمنية ، والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية . ومن أجل كشف المزيد من فضائح حزب مباي العنصرية ، لا بد من تحديد مواقف العديد من قادة حزب مباي ، خاصة من مسألة الحكم العسكري ، الذي كان ولا زال وصمة عار في دولة ادعاء الديمقراطية والمساواة . كما ذكرنا سابقاً فإن الانقسام بين قادة هذا الحزب ارتكز حول عدة قضايا .

القضية الأولى : طرد المواطنين العرب ودفعهم وراء الحدود ، بكافة الطرق والوسائل ، بعد ذلك انتقل النقاش حول مصداقية فرض الحكم العسكري ، واستمرار العمل بقوانينه وممارساته قدر المستطاع ، رئيس الوزراء بن غوريون شيخ العنصريين ، لقد رفض حينه حمل بطاقة هويته الشخصية بسبب وجود بعض الكلمات كتبت باللغة العربية ، كما يفرض القانون ، شيخ العنصريين هذا وقف في مقدمة من حملوا الوية الترانسفير ، ومن ثم دعم كل القرارات بفرض الحكم العسكري .

حكم قاسي بغيض على شريحة متعبة ضعيفة ، تمثل بقايا شعب ، تم اجبارها على الرحيل من وطنه ، تحت تهديد السلاح ، هذه الشريحة كانت مذعورة محاصرة مجردة من السلاح ، تعاني من الفقر والجهل ، وغياب القدرات المالية والعلمية ، ادخلها تواطؤ العرب الى عالم النسيان ، ذنبها الوحيد أنها رفضت الرحيل واللحاق بمن شردوا ، ولا زالوا منذ سبعين عاماً ، يجلسون فوق حقائب العودة . لم يترك بن غوريون صفة سلبية إلا واستثمرها وتمترس وراءها كي يدافع عن مواقفه بضرورة بقاء الحكم العسكري حينما طالب البعض بالغائه ، لأنه ادانة لاسرائيل عبر التاريخ ، لقد اعتبر الغاء الحكم العسكري منح حرية التحرك للمواطنين العرب ، وشبه هذه الحرية ، بحرية البغال والحمير بعد فك اربطتها التي تقيدها ، وقد حذر زملاءه ، بن ابطال هذا النظام يعني نهاية وجود اسرائيل . أما موقف شموئيل ديان ، والد موشه ديان ، وقد كان أحد أقطاب حزب مباي فقد حذر حزبه خلال الاجتماع الذي عقد يوم 1/1 / 1951 ، بأن بقاء العرب في الدولة يشكل خطراً على وجودها ، وطالب بالتشديد على استخدام قوانين الحكم العسكري ، لأن اختلاط المواطنين العرب مع المواطنين اليهود في العمل أو الشارع ، فيه تشويه لاخلاق كل يهودي . اما موقف موشه ديان ، الذي شغل في حينه قائداً للمنطقة الجنوبية ، ورئيساً للأركان فيما بعد ، موقفه يعبر عن جوهر الصهيونية العنصري ، كان شعاره دولة بدون عرب ، كما رفض منح المواطنين العرب مواطنة ثابتة أو أي نوع من المواطنة ، كما رفض منحهم اي نوع من التسهيلات الحياتية ، بما فيها حرمانهم من حقهم في التعليم بالمدارس ، كما اعتبر وجودهم مؤقت .

اما موقف زلمان آران من الحكم العسكري ، فكان مغايراً لموقف بن غوريون وبيرس وديان وآخرون ، آمن زلمان آران ، بأن استمرار الحكم العسكري ، يعني محاصرة المواطنين العرب داخل غيتوات ، وهذا لم يحافظ على أمن الدولة العكس هو الصحيح ، فإن شدة الضغط على المواطنين العرب تولد الانفجار وتدفعهم للتمرد ، ولا يمكن المقارنة بينهم وبين المواطنين في الجزائر ، لقد رفض زلمان آران موقف المتشددين داخل الحزب ، الذين طالبوا باعتبار المواطنين العرب مواطنين من الدرجة الثانية ، وقد انتقد نفسه لأنه وافق في البداية على ذلك ، كما انتقد جميع قادة الحزب الذين وافقوا على اعتبار العرب مواطنين من الدرجة الثانية ، واتهم بن غوريون الذي طالب باعتبار العرب طابوراً خامساً بقوله : انني أخجل بمثل هذا الزعيم ، اتهم زلمان آران حكومة بن غوريون بأنها تتستر على جرائمها بحق العرب ، لأنها تخجل من رفض الرأي العام العالمي لسياستها . أما موقف شمعون بيرس فهو لا يختلف عن موقف معلمه الأول بن غوريون ، لقد قال بيرس في الاجتماع الذي عقده حزب مباي يوم 5/1/1962 من ابلغكم بأن العرب يرفضون الحكم العسكري ، انهم راضون عن هذا النظام ، لأنه يحميهم من المتطرفين اليهود ، في نفس الوقت هم أي العرب وحدهم المسؤولين عن فرض الحكم العسكري ، بسبب تهديدهم لأمن الدولة بصورة دائمة ، وما دام هذا الخطر قائم يتوجب علينا عدم ابطال هذا النظام الحيوي لأمن اسرائيل .

أما موقف ليفي أشكول ، الذي تم الغاء الحكم العسكري عندما كان رئيساً للوزراء ، فقد أعترف أثناء احدى الاجتماعات لحزب مباي ، بأن الكراهية بين اليهود والمواطنين العرب بسبب سياسة حزب مباي ، وبسبب الحكم العسكري ، أصبحت من واقع حياتنا ، وانني لم أعد استغرب فيما اذا ام مواطن يهودي بذبح مواطن عربي بدم بارد بسبب هذه الكراهية ولا استغرب اذا رفض اي مواطن يهودي تأجير حظيرة وغرفة لأية مواطن عربي ، بسبب جذور الكراهية التي زرعها حزب مباي . لكن أكثرما يلفت النظر موقف العضو في قيادة حزب مباي ويدعى ايسار هرئيل ، الذي شغل رئيساً للشباك في بداية الخمسينات رئيساً للموساد فيما بعد ، اعترف بعد استقالته من رئاسة الموساد ، بان الحكم العسكري لا يخدم امن الدولة بأي شيء ، لذلك لا حاجة لوجوده ، وأنه من حق المواطنين العرب التخلص من قبضة الجيش .

اعترف ايسار هرئيل بهذه الحقائق لصحيفة معاريف في عددها الصادر يوم 10/7/1966 ، وقال بأنني لا أنسى الضغوط التي كنت اتعرض لها من بن غوريون ومن شمعون بيرس من أجل كتابة تقارير تفيد بدور الحكم العسكري في حماية أمن الدولة ، واعترف بأن هذه التقارير كانت بعيدة عن الواقع . السؤال الذي يطرح نفسه ، هل هناك أحد ما زال يؤمن بمركز بيرس للسلام الذي خدع العديد من القادة والزعماء العرب سنوات طويلة .

2018-02-19