دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الإثنين 11/10/1439 هـ الموافق 25/06/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أسرار في وجوه عابرة !! ....عبد الهادي شلا

 

 أسير في الاتجاه المعاكس في الشارع الطويل المزدحم وسط المدينة ذات الملايين العشرة، اقتنصت النظر إلى بعض وجوه فرأيت ما أثار فضولي في تعابيرها لأعرف بماذا يفكر كل واحد من أصحابها؟!

هذا مستحيل ولا يكون فيه جواب قاطع وإنما تخمينات يمكنني أن أفترضها هي تصورات لا أكثر من ذلك أما اليقين فهو في رأس كل واحد من أصحاب هذه الوجوة.

من الحماقة أن أستوقف أي شخص لأسأله عما يدور في ذهنه أو الموضوع الذي يفكر فيه و يشغله في ذات اللحظة !!

 

حيرة..؟حزن..؟فرح..؟!

بعض الوجوه تبدو مستبشرة أو على أمل في شيء..لكن المؤكد أنني لن أعرف سبب هذا الاستبشار أو الأمل الذي ظننته لمجرد نظرة سريعة وسط هذا الزحام.

 

الازدحام شديد في الشارع والأجساد تتصادم وتحتك ببعضها لضيق الرصيف،لكن أحدا لا يعير ذلك إهتماما فالأمرعادي في مثل هذه الشوارع المكتظة وسط المدينة ذات العشرة ملايين نسمة.

 

أستطيع أن أخمن مشاعر الأم التي تمسك بيد طفلها بقوة،وخوفها عليه .

 

 لكنني لا أجزم بما يدور في عقلها من مشاريع وخطط هي سبب حضورها إلى هنا في هذا الشارع المزدحم وفي هذه الساعة من النهار..! هل جاءت لتشتري لطفلها لعبة أم لنفسها زجاجة عطر،أم مجرد جولة عادية بلا هدف ؟!

 

على جانبي الشارع محلات متعددة الأغراض تعرض أجمل ما لديها يقف بعض المارة أمام الصناديق الزجاجية ذات الديكورات الفاخرة يتأملونها .

 

لكنني لا أجزم بأن أي منهم سوف يدلف إلى المحل ليسأل عن ما وقعت عليه عينيه!

 

 اليقين بأن كل واحد قد قرأ تلك الورقة الصغيرة التي كتب عليها ثمن السلعة المعروضة، و لا أجزم بإمكانيات أي منهم المادية والقادرعلى شراء ما أحب من المعروضات،وهل سيدخل المحل أم أنه مجرد فضول عادي يقوم به كثيرون حين يتجولون في الأسواق وشوارعها؟!

 

لو أن بعض تعابير الوجوه قد اتفقت على صورة ما.

المؤكد أن الاتفاق ودرجتة لن تتطابق بشكل كامل،وأفترض هنا أن لكل مزاجه الخاص ومشاكله الخاصة وأسباب تواجده في هذا المكان .

 

وهذا يشبه أن تحط مجموعة من الطيورعلى فرع شجرة.

 

فإن أحد لا يجزم -على تنوع أجناسها - بأنها تزقزق وتغني نفس اللحن بنفس لغة كل نوع منها أو انها تتحدث مع بعضها أو أنها تلبي نداء الطبيعة بأن تصنع نغما يكمل صورة الجمال فيها، أو تحتج على قبحه  !

 

هذه التعابيرعلى الوجوه تتغير بمجرد أن يحدث أمر غير عادي في الشارع يثير فضولها فإنها تتوحد  وتكاد تتشابه  التعابير في أنها تريد أن تعرف ما يجري بأكبر قدر من الدقة.

 

لكنها سرعان ما تعود إلى ما كانت عليه أو تتشابك مع أخرين لهم وجهة نظر مخالفة بتعليق ساخر أو تهكم على ما جرى.

 

قد يصل الأمر إلى تشابك بالأيدي ونرى وجوها مختلفة تماما عما كانت، وأشخاص يريدون إصلاح ذات البين وأخرون يؤججون نارا نظن أنها كانت تختفي خلف تعبيرات وجوههم التي استعصى علينا قرأته...!!

 

المؤكد أن هذه الوجوه وهذا شارع لو كان في أي مدينة عربية ، لعرفنا المعنى الواحد الذي يختفي خلف كل وجه بلا كثير عناء ،ولعرفنا أن كل الوجوه التي قابلناها في هذا الشارع تحمل هما،وحزنا ،وإحباطا ، وأملا مشوبا بالحذر،لا يعرف أحدا مــداه ..!!

 

2018-02-22