دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
يوم احترق منزلي.....مجد مالك خضر

يوم احترق منزلي

مضتْ أكثر من ستة شهورٍ وأنا أعيشُ مع الأطفال في الميتم، وأخبرني أحد المشرفين فيه أنني سأتمكن من الالتحاق في المدرسة بعد أن يتمكّنوا من علاج الحروق التي غطت أجزاءً من جسمي. لم تصل النَّار إلى وجهي كأنها أرادتْ أن تترك لي شيئًا واحدًا فقط يُذكّرني بإنسانيتي التي غيّرَت النَّار ملامحها.


يوم احترق منزلي... دائمًا أستيقظُ من نومي على تلك الذكرى المؤلمة الّتي عشتها بكافةِ تفاصيلها. كنتُ مع أمي وأبي وأخي الصَّغير في منزلنا هادئين ومسالمين، وكان اليوم يمضي بين اللعب مع أخي بألعابنا القُطنيّة، والجلوس مع أمي وأبي اللذان كانا يتحدثان عن الماضي والحاضر، وكيف أن الماضي يصنع الحاضر ويُساهم بدوره في صناعة المستقبل ذلك الجزء من الزَّمن مجهول الملامح والتّفاصيل.


آتى المساء وساد الظلام وكانت أصوات الطائرات التي تحلقُ حولنا تجرح هدوءه، أمّا الطلقات النَّارية التي نسمعها بين حين وآخر كانت تضيء السّماء وتعكّرُ صفوها. أحضرت أمي صينية طعام العشاء التي لا تحتوي على الكثير من أنواع الطعام، ولكنها من أجمل الأشياء في حياتنا، فالعيش برِضا وشُكر الله على النَّعمة من أهم واجبات الإنسان في الحياة.


فجأةً أثناء تناولنا الطعام لمحتُ ضوءًا يقتربُ من نافذة المنزل وازداد اقترابه أكثر وأكثر حتّى غطّى المكان.. وسمعتُ صوت انفجار قوي جدًا ثمّ حلَّ الصَّمت، وأصبح كلّ شيءٍ حولي مشتعلاً بالنَّارِ الّتي أضاءت ظلام المساء وحوّلت الليل إلى نهار. صرختُ بكُلِّ ما بقي من صوتي مناديًا على أمي وأبي وأخي، ولكن دون جدوى لم أسمع صوت أي منهم. كانت النَّار هي الوحيدة المحيطة بي، ورائحةٌ غريبة لم أشمها في حياتي إلّا في هذه المرّة، وكانت رائحة شواء الّلحم البشري وهو يحترق هكذا سمعتُ المسعفين يقولون عندما آتوا لإزالة الأنقاض.


اقتربوا مني وقالوا في ولد لسى عايش شيلو وجيبو مي، وطفو النّار اللي حوليه. سحبوني ببطء وقال أحدهم لا حول ولا قوَّة إلّا بالله الولد محروق.. كانت يدي تمسكان بقوَّةٍ إحدى الألعاب القطنية التي كنتُ ألعبُ فيها مع أخي، ولم تسلم هذه اللعبة البريئة من التهام النَّار لها، وحاول أحد المسعفين إزالتها من بين يدي فشدّدتُ عليها أكثر، وحاولتُ المناداة مرّةً أُخرى على أمي وأبي وأخي ولكن صوتي اختنق، وشعرتُ أني استسلمتُ لنومٍ طويل.


استيقظتُ خائفًا بعد ساعات أو يوم أو عدّة أيام وحاولتُ التكلّم أو الصّراخ، فرأيت سيدة بثياب ممرضة تشير لي بأن أصمت وأهدئ، وكانت بقايا اللعبة القطنية موجودة جانبي في السرير، فلم يبقَ منها إلّا القليل بعد أن أصابتها النَّار، وغيّرت من ملامحها مثلما غيّرت من ملامحي.


بعد شفائي من أغلب الحروق التي التهمتني على مهل انتقلتُ إلى الميتم مع العديد من الأطفال الآخرين الّذين فقدوا عائلاتهم في الحرب. كنتُ مختلفًا عن بعض منهم وأتشابه مع الكثير ممّن خسروا جزءًا من جسمهم أو جميع أفراد عائلتهم، ومع الوقت تأقلم بعضهم مع الحياة الجديدة في الميتم، وعانى البعضُ الآخر من نوباتٍ مختلفةٍ من الفزع والبكاء المستمر، أمّا أنا الموجود بينهم ولكني لستُ معهم اخترتُ أن أصبحَ وحيدًا وصامتًا، فقد أَرغمتُ نفسي على فقدان النطق، وتركتُ العنان لخيالي حتّى يتحدث مع عائلتي الصّغيرة الضائعة ويرسم وجوههم أمامي، ويُخاطب الدميةُ القطنية اليتيمة التي أصبحت تشبهني وتشاركني الواقع الذي أواجه فيه الحياة بنصفين نصفُ إنسانٍ ونصفُ جسمٍ مشوهٍ مع ذكرياتٍ لن تُمحى من ذاكرتي.. يوم احترق منزلي.

مجد مالك خضر

2018-03-08