دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
كرزم: إسرائيل تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها مكباً ضخماً للنفايات

الوسط اليوم:تابع مدير وحدة الدراسات في مركز العمل التنموي/ معا جورج كرزم استمرار عمليات تصدير النفايات الإسرائيلية من داخل إسرائيل إلى الضفة بشكل منظم ومنهجي. وبحسب معطيات "بِتْسِيلِم" التي نشرتها في تقرير أوائل ديسمبر الماضي، يوجد حاليا ما لا يقل عن 15 موقعا في الضفة الغربية تستوعب النفايات الإسرائيلية.  بعض هذه النفايات تدفن بشكلها الخام دون أية معالجة، وبعضها الآخر يمر بعمليات تدوير مختلفة، وقد تستخدم لأغراض مختلفة.  معظم منشآت المعالجة الإسرائيلية في الضفة تتعامل مع نفايات خطرة.

 

في جميع الحالات، يذكر كرزم، أن عمليات التخلص من النفايات الإسرائيلية في أراضي الضفة تتم بمعرفة وتشجيع السلطات الإسرائيلية وبتصريح منها، بمن فيهم ما يسمى "الإدارة المدنية" التابعة للاحتلال وأيضا وزارة البيئة الإسرائيلية.  قائمة "بِتْسِيلِم" لا تتضمن الأراضي الفلسطينية الجديدة التي يتم التخطيط حاليا لتحويلها إلى مكبات للنفايات الإسرائيلية بقرار حكومي إسرائيلي.

ويشير كرزم نقلاً عن تقرير "بِتْسِيلِم" إلى موقع للنفايات الإسرائيلية في الأغوار الفلسطينية يستوعب 60% من الحمأة السامة الناتجة عن محطات معالجة المياه العادمة في إسرائيل.  وفي بعض المواقع بالضفة تتم عمليات تدوير نفايات خطرة، كما الموقع الذي يعالج الزيوت المستخدمة والكائن في مستعمرة "أرئيل" الرابضة على أراضي سلفيت وقراها.  موقع آخر قائم في مستعمرة "شيلو" ويعالج المعادن والمذيبات الكيميائية الخطرة.  وفي المنطقة الصناعية بمستعمرة "معالي أفرايم" في الأغوار الفلسطينية، يوجد أكبر موقع إسرائيلي لمعالجة النفايات الطبية التي تصل من المشافي والمختبرات في إسرائيل.  بعض المواقع تحوي مرافق حديثة، مثل مصنع تدوير النفايات الإلكترونية في المنطقة الصناعية الإسرائيلية "بركان" الواقعة في منطقة سلفيت.  وفي مواقع أخرى، مثل أراضي الأغوار التي تدفن فيها النفايات العضوية وغير العضوية السامة، وتحديدا الموقع المسمى "طوفلان"، طريقة التخلص من النفايات الإسرائيلية بدائية، بحيث تترك بشكلها الخام في الأراضي المفتوحة.

تنقل إسرائيل إلى الضفة الغربية أنواعا مختلفة من النفايات؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر تشمل هذه النفايات حمأة المجاري، النفايات الطبية المعدية، الزيوت المستعملة، المذيبات الكيميائية، المعادن، النفايات الإلكترونية والبطاريات.  جميع هذه النفايات عبارة عن نواتج المخلفات التي تولدها المدن والصناعات في إسرائيل، وهي تتكون من مجموعة واسعة من المواد غير المرغوب فيها والسامة التي تشكل تهديدا حقيقيا للمواطنين والموارد الطبيعية في المناطق المجاورة لتلك المواد.

وبحسب المعطيات التي حصلت عليها مؤخرا مجلة آفاق البيئة والتنمية التي يرأس تحريرها كرزم، فإن أكثر من نصف النفايات الإلكترونية المتولدة في إسرائيل يتم التخلص منها في أراضي الضفة الغربية.  ففي بلدة إذنا، على سبيل المثال، نجد كميات كبيرة من المخلفات الإلكترونية الإسرائيلية المنتشرة في الأراضي المفتوحة أو في الورش العديدة داخل البلدة وحولها.  ومن أبرز تلك المخلفات:  أجهزة الكمبيوتر، الثلاجات، مكيفات الهواء، المرشحات لأقنعة الغاز، أجهزة التلفاز ونفايات الكترونية اسرائيلية عديدة أخرى. 

ومع تزايد معدلات البطالة والفقر في السنوات الأخيرة، يعرض مواطنون كثيرون في تلك المنطقة صحتهم للخطر، من خلال حرق بعض أنواع النفايات الالكترونية بهدف الحصول على المواد الخام القيمة التي يتم فصلها؛ علما أن لكل مكون استخدام وسعر مختلف.  بعد فصل الأجزاء المختلفة لتلك النفايات، يتم بيعها لإسرائيل. 

 

"آفاق البيئة" تكشف الحقائق المستورة

وذكر كرزم بأن إسرائيل أغلقت العديد من مكبات النفايات والمنشآت الخاصة بمعالجتها داخل مناطق 1948، ونقلتها إلى أراضي الضفة الغربية بشكل عام، ومنطقة الأغوار بشكل خاص؛ وذلك بسبب المواد السامة والخطرة التي تحويها كميات كبيرة من تلك النفايات، إضافة إلى الروائح الكريهة الناتجة عنها، وبخاصة منشآت معالجة الحمأة الناتجة عن محطات التنقية.  وبعد نحو عام من هذا التقرير، وتحديدا في أيلول 2016، كشفت آفاق البيئة أيضا بأن نفايات عضوية وغير عضوية إسرائيلية سامة وملوثة تنتشر على امتداد مساحة آلاف الدونمات غربي نهر الأردن وشمال مدينة أريحا.  كما كشفت المجلة عن أراض أخرى مفتوحة في محيط نبع العوجا (شمال شرق أريحا) حيث تلقى أيضا مخلفات الكمبوست الإسرائيلي السام؛ علما أن إلقاء الكمبوست والنفايات الملوثة في المنطقة تسبب في تلويث التربة والينابيع الملوثة أصلا المنتشرة في المكان.

وبحسب معطيات وزارة البيئة الإسرائيلية فإن إسرائيل تستخدم سنويا أكثر من مليون طن من المواد الخطرة؛ علما أن كمية النفايات الإسرائيلية الخطرة تجاوزت، في السنوات الأخيرة، 328 ألف طن سنويا، دون الأخذ في الاعتبار المعالجات الداخلية المختلفة للمصانع.  وتفيد نفس المعطيات، أن نحو ثلثي النفايات الإسرائيلية الخطرة، أي أكثر من 200 ألف طن، يتم التخلص منها خارج مكب النفايات الخطرة القطري في "رمات حوفيف" الواقع في صحراء النقب والمختص في استيعاب النفايات الخطرة.  ويعتقد، على نطاق واسع، أن جزءا كبيرا من النفايات الخطرة التي لا تصل إلى "رمات حوفيف"، بما فيها مخلفات الصناعات العسكرية، يتم دفنها في أراضي الضفة الغربية.  اسرائيل تعتبر مكب "رمات حوفيف" مشكلة بيئية كبيرة؛ بسبب آثاره الإيكولوجية-الصحية على السكان هناك، وبخاصة الروائح الكريهة وتلوث المياه الجوفية في تلك المنطقة بالمواد الخطرة، وتلوث التربة المحيطة بالموقع.

يذكر كرزم بأن التخلص من النفايات السامة والخطرة في "رامات حوفيف" يعد مكلفا بالنسبة للإسرائيليين، إذ تبلغ كلفة دفن البرميل الواحد نحو ألفي دولار.  لذا، فإن التخلص من تلك النفايات بطرق غير مشروعة في الضفة الغربية، يعتبر "حلا" رخيصا وشبه مجاني بالنسبة للصناعيين الإسرائيليين الذين يتعاملون مع تلك المناطق باعتبارها تحوي "بشرا متخلفين" ولا قيمة لحياتهم!

يلفت كرزم إلى أن الاحتلال يسهل عمليات تهريب النفايات الكيميائية والطبية وغيرها من النفايات السامة من إسرائيل إلى أراضي الضفة الغربية، مثل بعض أراضي جنوب الخليل وقرى غرب رام الله وقلقيلية وبيت لحم وغيرها.    

 

مشروع اقتصادي مربح وفوق القوانين

ومن المعروف، وفق كرزم، أن القوانين الدولية تمنع الدولة المحتلة من أن تستخدم وتستغل لمصلحتها الأراضي التي تحتلها ومواردها.  الاحتلال الإسرائيلي يدفن نفاياته في الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية قسرا ورغما عن المواطنين الفلسطينيين ودون استشارتهم، بحكم قوته العسكرية المسيطرة.  وفي المقابل، يختلف الوضع تماما داخل إسرائيل؛ إذ أن وزارة البيئة الإسرائيلية واجهت في السنوات الأخيرة صعوبات كبيرة لدى محاولتها تطوير وتنفيذ برامج لإقامة منشآت لمعالجة النفايات، وذلك بسبب المعارضة الشديدة من قبل السكان الإسرائيليين الذين يخشون من المخاطر البيئية والصحية.  رؤساء السلطات المحلية الإسرائيلية يرفضون إنشاء مرافق لتدوير النفايات في المناطق الصناعية الواقعة تحت نفوذهم؛ بصرف النظر عن مدى حداثة تلك المرافق، لأنهم يخشون من أن يضعف ذلك قدرتهم على جذب مصانع أخرى إلى تلك المناطق.  بينما الواقع في الضفة الغربية يختلف تماما، حيث تتكاثر مدافن النفايات الإسرائيلية ومواقع معالجتها وتدويرها؛ دون أي اعتبار للقانون الدولي.

وتملك إسرائيل نظاما فنيا لمعالجة النفايات، يضيف كرزم، إلا أن الرفض الداخلي لإقامة منشآت المعالجة داخل إسرائيل ذاتها، إلى جانب التكاليف المرتفعة الناتجة عن الأنظمة البيئية الصارمة، والقيود الدولية الخاصة بتصدير النفايات،   شجع إسرائيل على استغلال الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية لإقامة مرافق معالجة النفايات عليها. 

القوانين البيئية الإسرائيلية التي تطبق بصرامة داخل إسرائيل، وفق كرزم، لا تسري على الضفة الغربية والمناطق الصناعية القائمة في المستعمرات، بما في ذلك قانون الهواء النقي والقانون الذي يفرض تقديم تقرير حول انبعاث الملوثات إلى البيئة المحيطة.  بمعنى أن المواقع والمنشآت الإسرائيلية في الضفة التي تستوعب النفايات الإسرائيلية، لا تخضع لأي رقابة أو تفتيش كما هو الحال في إسرائيل؛ بل إن هذه المنشآت، كما المناطق الصناعية الإسرائيلية في الضفة إجمالا، تتمتع بمحفزات مالية، مثل الخصومات الضريبية والدعم الحكومي الكبير.  هذه السياسة الاحتلالية جعلت إنشاء وتشغيل مرافق إسرائيلية لمعالجة النفايات في الضفة الغربية أكثر ربحية بكثير من إنشاء تلك المرافق داخل إسرائيل.                                      

منطق كولونيالي

يذكر كرزم: "تعد إسرائيل من الدول "المتقدمة" وهي عضو في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)؛ لذا فإن استهلاك الفرد الإسرائيلي السنوي للموارد مرتفع، وبالتالي توليده للنفايات مرتفع أيضا.  كما أن البصمة البيئية للفرد الإسرائيلي مرتفعة وهي أكبر من الدول العربية المحيطة بفلسطين؛ فهي أكبر من البصمة البيئية في مصر والأردن بأكثر من ثلاث مرات (البصمة البيئية عبارة عن قياس مقدار الأرض والمياه المطلوبة لتوفير الموارد المستهلكة واستيعاب النفايات المتولدة)".

السياسة البيئية الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك نقل النفايات من إسرائيل ودفنها هناك وإنشاء مرافق ملوثة لمعالجة النفايات، هي جزء لا يتجزأ من سياسة المصادرات والنهب والضم التي مارستها وتمارسها إسرائيل في الضفة منذ خمسين عاما؛ بل إن إنشاء السلطة الفلسطينية التي منحها الاحتلال "صلاحيات" شكلية في مجالات الأراضي والمياه والبيئة، لم يخفف من الممارسات الاحتلالية البشعة، بل زادها تسارعا وكثافة. 

المفارقة المضحكة أن إسرائيل وقعت على جميع الاتفاقيات والمعاهدات التي تعالج حركة المخلفات السامة وكيفية التخلص منها، إلا أنها مع ذلك، تدوس على تلك الاتفاقيات والمعاهدات التي تحرم التخلص من النفايات الخطرة والسامة، أو دفنها في الأراضي الفلسطينية.

المطلوب حاليا، يختم كرزم، من الجهات والمؤسسات والقوى الفلسطينية المعنية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات العربية والدولية المختصة، أن تتحلى بالجرأة والشجاعة والقوة المادية الفعلية لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية الشرسة على البيئة، وبالتالي على الإنسان الفلسطيني، وأن تضع حدا للتعامل الغربي مع إسرائيل باعتبارها دولة فوق القوانين.  فلغاية هذه اللحظة لم يحدث أي تحرك جدي ضاغط من قبل تلك القوى والمنظمات، لعمل تقييم علمي شامل لما سببته الممارسات الإسرائيلية المدمرة للبيئة وللإنسان الفلسطيني من أضرار وكوارث، ومن ثم تقديم المجرمين إلى محكمة دولية.

2018-03-10