دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
صانع السعادة....مجد مالك خضر

 

 لم أكن طفلًا مختلفًا عن الأطفال الآخرين إلا بأني فقدت أبي عندما كان عمري ثلاث سنوات، وعشت مع والدتي التي صارت لي الأب والأم في وقتٍ واحد، وكانت ذلك الجدار القوي الذي أسند ظهري عليه كلّما وقفت عوائق الحياة في وجهي أو واجهتُ مشكلةً لم أجد حلًا مناسبًا لها، وخلال سنوات طفولتي الأولى بدأتُ أهتم بالمزاح والفكاهة فصرتُ أحفظ النكات وألقيها أمام الأطفال الآخرين الذين يلعبون معي، وأثناء وجودي مع والدتي في اجتماعاتها مع جاراتها، كما امتلكتُ موهبة تقليد الفنانين وأصبحتُ اتقن طريقة كلام وحركات الكثير منهم، وهكذا حصلتُ على لقب صانع السّعادة الذي أصبحتُ أعرف به في الحي والمدرسة.

 
إن وراءَ كلّ السّعادة التي كنتُ أوزعها على المحيطين بي حُزن كنتُ أخفيه عنهم، وعن والدتي التي كانت تخفي حزنها وألمها عني. أحيانًا حتى لو تشاركنا معًا السبب المؤدي إلى الحُزن لكن نختلف عن بعضنا بأسلوب التعبير عنه... كانت والدتي تحاول أن تجعلَ حياتي طبيعية، وتخفي عني أننا سنطرد من المنزل؛ بسبب عدم كفاية راتب والدي لدفع قيمة الإيجار المتأخر، كما أن أغلب أقاربنا تخلو عنا وأصبحنا لا نرى إلا القليل منهم في الأعياد فقط، ولكن لم يكن هذا ألم والدتي الوحيد بل كانت تعاني من ورم في المعدة يجعلها تتقيأ دمًا.. عندما كنتُ طفلًا لم أفهم معنى إصابة والدتي بورم خطير يجعلها تفقد القدرة على تناول الطعام لمجرد عدم تحملها هضمه، ومع مرور الوقت كانت خطورة المرض تزداد؛ بسبب عدم قدرتنا على توفير الدواء باستمرار، واستمرت الحياة بحلّوها ومُرّها.
 
كانت شخصيتي السعيدة التي تخفي وراءها الكثير من الحُزن والحسرة قادرة على جعل الكثيرين يضحكون بسبب ودون سبب، وهكذا كنتُ أعيش بشخصيتين مختلفتين، وظلَّ الحُزن هو السجن الذي حبسني في حياتي، مع مرض والدتي الذي يزداد سوءًا كلّما تقدّم بها السن ويجعلها تنام لأيامٍ طويلة في الفراش، وحتى أحافظ على كرامتنا وعزّة نفسنا قرّرتُ أن أعملَ بأي عمل متوفر، فعملتُ بائعًا في دكانة، ومساعد حلاق في محل للحلاقة، وموزّع صحف يومية، وغيرها من الأعمال حتّى أوفّر مصروفات المنزل... انتهيتُ من دراسة المرحلة الثانويّة بنتيجة مرتفعة جدًا، ولكن لم تستمر فرحتي لوقتٍ طويل؛ بسبب عدم تمكّني من الالتحاق بالجامعة لتحقيق حُلُمي في دراسة فنّ المسرح والتمثيل، لقلّة توفّر المال الكافي لتسديد كافة رسوم الجامعة، وكانت هذه الضربة الموجعة الثّالثة التي أصابتني في حياتي بعد فقداني لوالدي ومرض والدتي.
 
صرتُ في كلِّ يومٍ أذهب للجلوس أسفل إحدى الأشجار المزروعة أمام البوابة الرئيسيّة للجامعة، وأنظر إلى الطلاب الذين يدخلون لها من بوابتها الكبيرة، وكم حلمتُ أن أكون واحدًا منهم، ولكن ظلَّ هذا الحلم مستحيلًا بالنسبة لي، وفي يومٍ من الأيام قرأتُ على باب الجامعة إعلان وظيفة عامل تنظيف في المسرح الجامعي، وقرّرتُ الذهاب للتقدّم إلى هذه الوظيفة على الفور، ووصلتُ إلى مكتب مدير المسرح في الجامعة، وكانت المفاجأة تعلو وجهه؛ بسبب موافقتي على الراتب البسيط الذي يقدّمه المسرح مقابل هذه الوظيفة، وطلب مني الالتزام بقوانين الجامعة وطبيعة العمل في المسرح، ومن هنا بدأتْ حياتي تتجه نحو تغيير كبير.
 
عدتُ إلى المنزل وأخبرتُ والدتي التي كان المرض يزيد من ثقله عليها يومًا تلو الآخر، وابتسمت للسعادة التي رأتها على وجهي.. أحيانًا الأشياء البسيطة التي تظهر في الكلمات أو الأفعال تكون أكثر سعادةً من تلك الأشياء المعقدة والمُغطاة بقشور السعادة . كان يوم الدوام الأوّل لي في المسرح من أجمل أيام حياتي؛ لأني سأرى جميع الأعمال المسرحيّة تُمثّل أمامي، وسوف أشاهد الممثلين من الطلاب الّذين استطاعوا تحقيق حُلُمٍ كان في يومٍ ما حُلُمي، ومع مرور الوقت صرتُ جزءًا لا يتجزأ من المسرح الجامعي، وأصبح الجميع يُقدّرون وجودي وصاروا أصدقائي، وكنتُ أشاركهم في التحضيرات قبل العروض المسرحيّة، كما كنت من الحضور الدائمين لجميع العروض، وأصبحتُ مع الوقت مستشارًا للعديد من الممثلين الشباب الذين كانوا يأخذون برأيي قبل تمثيل أدوارهم، وكنتُ أساعدهم على التدرّب وأضيفُ جوًا من المرح بالاعتماد على النكات التي أقولها لهم، وهكذا عاد لقب صانع السّعادة هو الاسم الذي أعرف فيه، فالسّعادة مزروعة في جميع الكائنات الحية ولكلٍّ منها أسلوبه الخاص بالتعبير عنها.
 
غاب أحد الممثلين عن عرض مسرحي كوميدي جاهز للعرض في يومه الأوّل؛ بسبب تعرضه لوعكةٍ صحيّة، ولم يجد كلّ من المخرج والمسؤول عن الممثلين الحل المناسب لذلك، وانتقلت الحيرة وعدم استيعاب الموقف إلى الجميع بمن فيهم الممثلين، ولم يبقَ لموعد عرض المسرحيّة سوى ساعة واحدة فقط.. فجأة نهض المخرج من على كرسيه ونظر لي مباشرةً وقال الدور لكَ، أنتَ الذي سيمثله.. كان وقع الصدمة كبيرًا علي لم أكن أتوقع أن حُلُمي الذي ذهب مع الرّيح وصار منسيًا بأنه تحوّل إلى واقعٍ خلال دقائق قليلة.. سيطرت المفاجأة عليّ كُليًّا وجعلتني لا أملك القدرة على النطق أو التعبير، وأخرجني من ذلك تشجيع الممثلين بعد إدراكهم سبب اختيار المخرج لي، وهو ثقته بأني قد حفظتُ الدور وأتقنته بسبب مشاركتي المستمرة مع الممثلين في التدريبات على المسرحية.
 
لم تبقَ إلا رُبع ساعة على بداية العرض المسرحي، وكنتُ أقف مع الممثلين في الكواليس مستعدًا لبداية العرض، وعندها اتصلتُ بوالدتي حتّى أخبرها بمشاركتي في المسرحية، وشعرتُ بأن السّعادة زارتها لأوّل مرّة منذ سنوات لم تذق فيها طعمًا لها ودعت لي بالتوفيق... توجهتُ مسرعًا إلى خشبة المسرح حتّى يفتح الستار، وما هي إلا دقائق قليلة وبدأت المسرحيّة واستطعتُ من البداية أن أثير إعجاب الحضور من الجمهور وكانت أصوات ضحكاتهم على أسلوبي في التمثيل هي التي زادت من شجاعتي.
 
كانت فصول المسرحيّة تتابع بنجاح باهر، وقبل بدء الفصل الأخير أخبرني المسؤول عن الممثلين أن إحدى جارات والدتي اتصلت بي كثيرًا على الهاتف، فاتصلتُ بجارتنا فورًا وعندما ردت كان صوتها مخنوقًا، وسألتها عن سبب ذلك فسمعتُ صوت بكائها الخافت يعلو تدريجيًا وقالت لي تركتُ والدتك مبتسمة ونائمة بعد أن أنهت المكالمة معكَ، وعندما عدتُ لأعطيها الدواء حاولتُ إيقاظها، ولكنها لم تستجيب أو ترد، وعندها أدركتُ أنها قد فارقت الحياة بهدوءٍ وصمت... 
 
رحل الكلام عني كأني فقدتُ القدرة على النطق أو أن صوتي اختفى فجأة، وصارت الدموع تتساقط من عيني دون أشعر بها، وآتى المسؤول عن الممثلين حتّى يخبرني بأنه لم تبقَ إلا عشر دقائق لبداية الفصل الأخير من المسرحية، وأصابه الذهول من وجهي المتجهم وقال لي ما بكَ لماذا تبكي؟! لم أتمكّن من الكلام وبعد جهد قلتُ له أمي توفيت.. عانقني وعزاني بوفاةِ والدتي، وأخبرني أنه بإمكاني عدم استكمال الفصل الأخير من المسرحية، ولكن قلتُ له لا ذنب للجمهور سوف أكمل المسرحية حتّى النهاية.. مسحتُ الدموع المتساقطة من عيني وتوجّهتُ إلى المسرح.
 
مثلتُ الفصل الأخير من المسرحيّة وأضحكتُ الجمهور وكُنتُ صانع السّعادة بامتياز؛ لأني مثلتُ على نفسي أيضًا أقنعتُها بأن والدتي لم ترحل، وأنها تنتظرني ككلّ يوم حتّى تدعو لي بالتوفيق، وأنها ما زالت تبقي عينيها عليّ حتّى تتأكّد من أني غادرتُ غرفتها كأنها تريد أن تودعني بصمت أو أن تتطمأن على وجودي معها في البيت... في نهاية العرض المسرحي سقطتُ على أحد الكراسي الموجودة في خشبة المسرح، ضحك الجمهور ظنًّا منهم أني ما زلتُ أُمثل، وبعد أن حاول بعض الممثلين إيقاظي ممّا حصل معي... وقفتُ على خشبة المسرح لتحية الجمهور وقلتُ لهم اليوم رحلت أمي... واسدلت الستارة.
 
 
مجد مالك خضر
2018-03-17