دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
عقد زواج....مجد مالك خضر
عقد زواج
 
بعد أن ينتهي زياد من حلّ واجباته المدرسية يخرج قبل غروب الشمس ليركب درجاته الهوائية في الطريق أمام منزله... كان مختلفًا عن الأولاد الآخرين لا يشاركهم اللعب إلا نادرًا، ولم يُحبّ ألعابهم وفضل أن يكون وحيدًا مع درجاته الهوائيّة، وفي يومٍ ما رأى فتاةً تسير على طرف الرصيف محاولةً التوازن عليه، كانت تلك المرّة الأولى التي يرى فيها هذه الفتاة فهي ليست من فتيات الحي اللواتي يعرفهن... لم يهتم كثيرًا لها وأكمل طريقه بدراجته، وعندما عاد لاحظ أن الفتاة فقدت توازنها وكانت على وشك السقوط، فأسرع بتجاهها حتّى تمكّن من الإمساك بها قبل أن تسقط على الأرض، شكرته لمساعدته وسألته عن اسمه. 
- اسمي زياد وأنتي؟
- اسمي زينة.
- هاي أول مرة بشوفك بالحارة عنا.
- سكنت مع أهلي اليوم بالعمارة هاي (وأشارت إلى العمارة التي تقابل منزل زياد).
- أنتي بأي صف وأي مدرسة؟
- أنا بالصف الرابع وسجلوني أهلي بمدرسة البنات اللي هون من أول الفصل، وأنت بأي صف؟
- أنا بالصف الثامن.
- ليش ما بتلعبي مع البنات؟
- ما بعرفهم لسى وما تعودت عليهم، وأنت كمان ما بتلعب مع الولاد.
- لأني ما بحب ألعابهم.
- أنا صار لازم أروح على البيت مع السلامة.
 
غادرت زينة وظلّ زياد ينظر لها حتى اختفت بين العمارات، وكانت تلك المرّة الأولى التي يشعر فيها بشعور غريب لم يجربه من قبل لقد أعجب بها كثيرًا، وتمنّى أن يراها غدًا... صار زياد يرى زينة في كلّ يومٍ تقريبًا هي تحاول التوازن دائمًا على طرف الرصيف وهو يركب درجاته الهوائية وفي كلّ مرّةٍ يقتربُ منها يتبادلان الابتسامة، وهكذا لا يتكلمان إلا بكلمات قليلة وكانت لغة العيون هي التي تتحكم في التواصل بينهما.
 
في يومٍ من الأيام عندما عاد زياد من المدرسة تفاجئ بوجود زينة في منزلهم برفقة والدتها، وطلبت منه أمه أن يسلمَ عليهما، وقالت أم زينة (هذا زياد اللي بتظلي تحكيلي عنه ما شاء الله عليه)... أصاب الخجل كُلًا من زياد وزينة، وانتهت زيارة بوعد بينهما بأن يلتقيا في وقت الغروب مثل كلّ يوم.
 
مضت الأيام مسرعة وظلّت الصداقة بين زياد وزينة تكبر تدريجيًا، ولم يجدا لها تفسيرًا واضحًا أو لم يتفقا على تسميتها باسمها الذي لم يبق صداقة فقط، ولا يختلف عليه أحد ألا وهو الحُبّ.. استطاع زياد أن ينجح في الثانوية العامة بمعدل مرتفع جدًا، وقرر أن يدرسَ القانون في الجامعة فمنذ طفولته تمنى أن يكون محاميًا... كانت فرحة زينة لا توصف بتفوق زياد وأخبرته بأنها سوف تدرس معه بالجامعة ذاتها بعد نجاحها في الدراسة الثانوية.
 
بعد التحاق زياد في الجامعة صار تواصله مع زينة قليلًا، لم تعود لقاءاتهما كما في الماضي، وكان اللقاء في كلِّ مرّة يقتصر على كلمات بسيطة وغابت منه أحاديث الطفولة وطموحات المستقبل، وتباعدا فكريًا زياد يتحدث عن جامعته وزملائه وزميلاته اللواتي كانت زينة تنظر لهن نظرة غيرة مع أنها لم تراهن مطلقًا، وفي إحدى المرات ألحت على زياد بأن ترافقه إلى الجامعة ولكنه رفض وأخبرها بضرورة أن تذهب للمدرسة بدلًا من الغياب عنها، وهكذا تحوّل زياد من طفلٍ يلهو بدراجته الهوائية إلى شاب وطالب جامعي، أمّا زينة فظلّت على العهد القديم عهد طفولة لم ترحل من ذاكرتها.
 
وصل زياد إلى السنة الجامعية الأخيرة بينما كانت زينة تستعد للثانوية العامة، وكان دائمًا يحثها على الاهتمام بدراستها فقط، وكانت ترى فيه نسخةً عن رجل ناضج لم يعد زياد الّذي عرفته منذ الطفولة، بينما هو أحبّها بصدق ولكن جمع بين شعور قلبه وفكر عقله في التعامل معها، ومع كلّ هذه المنعطفات التي أصابت علاقتهما إلا أنهما لم يفترقا، وفي أحد اللقاءات بينهما كانت زينة عابسة جدًا حتّى لاحظ زياد ذلك، وسألها عن السبب.
- زياد أهلي بدهم يزوجوني.
- ليش؟ (أجاب زياد متفاجئًا).
- حكولي في عريس اتقدملي وجاهز بكل شيء.
- وشو رديتي عليهم؟
- حكيتلهم ما بدي أتزوج وبدي أكمل دراستي، وحكولي ما في داعي لدراسة الجامعة طالما اجى العريس.
- طيب شو راح تعملي شو الحل؟
- ما راح أخليهم يضغطوا عليّ ساعدني زياد.
- بس أنا ما بيطلع بايدي اعمل شي شو بدي أحكيلهم.
- كيف ما بيطلع بايدك تعال أخطبني.
كانت تلك أوّل مرّة يشعر زياد بأنه أمام قرار مصيري، وأن مسؤوليته اتّجاه زينة تحوّلت من مجرد مشاعر تطوّرت من الطفولة إلى حالة واقعية جدًا، وإنه من الضروري أن يدافع عن حُبّه البريء، ولكنه فجأةً تذكّر واقعه وعدم استعداده لاتّخاذ أي مبادرة ممّا دفعه ليقول
- أنا مثل ما بتعرفي لسى طالب جامعة وكلها كم شهر وراح أتخرج وما عندي وظيفة.
- أنت حكيتها كلها كم شهر بتقدر تدور فيهم على شغل كويس وتخطبني.
- زينة لا تفكري كل شيء سهل بده وقت عشان يكون عندي شغل.
- يعني شو اتخليت عني (أجابت زينة بعصبية).
- لأ ما اتخليت عنك بس قدّري ظروفي شوي.
- الكل بده أقدر ظروفه أنت وأهلي بس ما في حدا قدر ظروفي... بتعرف شي يا ريت لو تركتني أول مرة شفتك فيها أوقع عن الرصيف كان أحسن وكنت ما عرفتني.
 
قالت زينة تلك الكلمات وغادرت دون أن تودع زياد، فصرخ قائلًا زينة لا تروحي بحبك... وكانت قد استمرت بالمشي كأنه لم يقل شيئًا مع أنها سمعته جيّدًا ولكنه تأخر كثيرًا لقول تلك الكلمة التي لم ينطقها قبل ذلك أبدًا.
 
بعد ثلاثة شهور
تخرج زياد من الجامعة وحصل على شهادة في القانون، وبحث طويلًا عن عمل استغرق منه ستة شهور بعد تخرجه حتّى وجد عملًا في دائرة السجل المدني لتسجيل عقود الولادة والزواج والوفاة وغيرها من العقود الأخرى... كانت زينة قد اختفت من حياته تمامًا لم يراها بعد لقائهما الأخير، وفي يوم ما سمع والدته تتحدث مع إحدى جاراتها عن زواج زينة والمقرر عقده خلال أيام قليلة... عندها شعر كأنه تلقى طعنة في القلب كان يتمنى لو لم يسمع هذا الخبر لقد خسرها إلى الأبد، وعندها فكّر جيّدًا بتقصيره اتّجاهها وعدم محاولته التواصل معها مرّة أخرى، دخل إلى غرفته وأراد أن ينام حتّى ينسى ما سمعه ولكنه لم يتمكّن من النَّوم، بل ظلَّ صامتًا ومُحدّقًا في السقف دون أي ردّة فعل واضحة حتّى غلبه التعب ونام.
 
في اليوم التالي ذهب زياد إلى عمله متثاقلًا كان الخبر الذي سمعه بالأمس كافيًا لأن يجعل حياته دون لون.. وصل إلى عمله وبدء في إنجاز المعاملات التي يقدّمها النّاس له، وخلال استغراقه بالعمل سمع صوت رجل يقول له (كيف حالك يا زياد؟) ورفع رأسه ليرى ذلك الرجل، ولم يكن إلا أبو زينة وتفاجئ عندما شاهده يقف أمامه، ولكن كانت المفاجأة الكبرى عندما أدرك أنه لا يقف وحده بل كانت زينة وشاب ورجل يقفان معها... وأستدرك أبو زينة وعرّفَ زياد بهم مبتسمًا (هذا خطيب زينة وأبوه وطبعًا زينة ما بدك أعرفك فيها).
 
نظر إلى زينة الّتي أشاحت بوجهها عنه كأنها لا تعرفه من قبل كانت نظراتها جامدة ودون معنى وتنظر نحو الفراغ، وفقدت تلك الطفولة التي عرفها بها وكأن عمرها ازداد كثيرًا، وأخرجه من حالة الذهول التي أصابته صوت والد زينة الذي قال مبتسمًا (عمي ممكن تسجل عقد الزواج وعقبال عندك).. أخذه من والد زينة وكانت هي الزوجة لم يخطأ باسمها أو عمرها أو أي معلومة أخرى عنها، وبحركة آلية سجل العقد في جهاز الحاسوب ثم وقّع اسمه ليس كزوج كما كان يتمنى منذ عرف زينة لأوّل مرّة بل الموظف الذي أعد عقد الزواج.
 
مجد مالك خضر
2018-04-03