دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 28/7/1439 هـ الموافق 14/04/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
علاقة الدولة بوسائل الإعلام في ظل التحول الديمقراطي : محور بحث المؤتمر الدولي لمعهد الصحافة وعلوم الاخبار بتونس

تونس-الوسط اليوم-آمال عبد الكريم ادرس:

مثّلت مسألة الحاجة إلى طرح جديد ومبتكر لعلاقة الدولة بالإعلام في سياق التحول الديمقراطي بعد أن اتسمت الفترة السابقة لما يسمى بـ "الربيع العربي" بسيطرة الدولة على الإعلام، إلى جانب إعادة النظر في دور الدولة في تكريس حق المواطن للنفاذ إلى المعلومة، أبرز محاور المؤتمر الدولي السنوي لمعهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناورالألمانية، الذي جاء هذه السنة تحت عنوان : "في علاقة الدولة بوسائل الإعلام : أية حوكمة عمومية لوسائل الإعلام في ظل التحول الديمقراطي؟"

هذا الملتقى يتواصل على امتداد يومي 12 و 13 من الشهر الرابع لسنة 2018 في أحد نزل العاصمة تونس ويسهر على التنسيق العلمي لهذا الموعد الفكري والأكاديمي الأستاذ الجامعي، عبد الكريم الحيزاوي،  في ما تضم لجنته العلمية ثلة من الفاعلين في هذا الحقل على غرار الأساتذة سلوى الشرفي والعربي شويخة وغيرهم من تونس والأستاذ نصر الدين العياضي من الجزائر.

يتناول الملتقى الدولي "في علاقة الدولة بوسائل الإعلام : أية حوكمة عمومية لوسائل الإعلام في ظل التحول الديمقراطي؟"  ثلاث قضايا أساسية.

1 -  الدولة المشرع في مواجهة تحدي تحولات النظام الإعلامي وبروز حق المواطن في النفاذ إلى المعلومة

ويطرح هذا الإشكال الذي انطلق مع الانتفاضات الشعبية في جانفي/يناير 2011، سبب التعجيل بسقوط بن علي في تونس ومبارك في مصر، لتجد عديد الدول العربية نفسها في مواجهة تحدي إعادة بلورة مفهوم "العقد الاجتماعي" بما يحيل إليه من شروط موافقة الشعب على سلطة الدولة.

وقدّمت الدكتورة يمنى محمد عاطف عبد النعيم، أستاذة بقسم الإعلام كلية الآداب جامعة أسيوط (جمهورية مصر العربية)، بهذه المناسبة، مداخلة بعنوان "منظومة التشريعات الجديدة وعلاقتها بحرية الرأي والتعبير في مجال الإعلام المرئي" من خلال "قراءة في قانون التنظيم المؤسسي للإعلام المصري"

واعتبرت الباحثة أن الإعلام المصري ظل محكومًا بقانون اتحاد الإذاعة و التليفزيون حتى بعد ظهور القنوات التليفزيونية الفضائية و انتشار الإعلام الخاص. ومنذ سنة 2011 تمر مصر بتحولات تتأرجح بين الديمقراطية و المطالبة بحرية التعبير و الرأي و بين تقييد الحريات، و قد انعكس ذلك على منظومة التشريعات الإعلامية، حتى الوصول إلى قانون التنظيم المؤسسي الذي يتعلق بتطوير الإعلام المرئي.

تطور العلاقة بين القوانين و وسائل الإعلام في مصر

 

"بعد الخامس و العشرين من يناير طالبت العديد من التيارات تطهير الإعلام بوضع ميثاق شرف إذاعي و رفع سقف الحرية و إتاحة الفرصة للمواطنين في التعبير عن آرائهم"، وفق المصدر نفسه.

وانتهت دعوات التطوير التشريعي إلى وضع دستور 2014 الذي أكد في بنوده على كفالة حرية الفكر و الرأي و التعبير و الحق في ملكية وسائل الإعلام للمصريين.

وفي نهاية سنة  2017  تم إقرار قانون التنظيم المؤسسي الخاص بإنشاء ثلاث هيئات للإشراف على العمليات التنظيمية للبيئة الإعلامية بعد فصله عن قانون الإعلام الموحد المنظم للعمل وأخلاقيات المهنة.

وفي تحليلها لقانون التنظيم المؤسسي، أبرزت الدكتورة يمنى محمد أن القوة تكمن في أهمية القانون الذي وافق عليه البرلمان، خاصة وأنه يشكّل هيئات مستقلة سيكون من حقها الإدلاء برأيها في التشريعات المتعلقة في الصحافة والإعلام لاحقاً.

كما جاءت اللائحة التنفيذية متوافقة مع التفاصيل اﻹجرائية والشكلية التي حددها الدستور والقانون.

ويفتح تشكيل المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، وفق المصدر ذاته، الباب واسعاً أمام تغيير الوجوه التي تسيّدت الساحة الإعلامية لعديد من السنوات.

وينهي قانون الهيئات الصحفية والإعلامية دور وزارة الإعلام المصرية التي ألغيت بالفعل، وذلك وفقا لنصوص المواد الدستورية 70 و 211 و 212 و213.

كما منح القانون الجديد قبلة الحياة لنقابة الإعلاميين التي ظلت لأكثر من ثلاثة عقود حبيسة الأدراج، حتى صدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 573 لسنة2017 بتشكيل لجنة مؤقتة تتولى مباشرة إجراءات تأسيسها برئاسة الإعلامي حمدي الكنيسي رئيس الإذاعة الأسبق و عضوية 10 أعضاء آخرين، بحسب دراسة أجرتها الباحثة والدكتورة يمنى محمد.

أما بالنسبة لنقاط الضعف فترى المختصة في شؤون الإعلام أن جميع النصوص المتعلقة بتشكيل الهيئات الثلاثة وعضويتها تمثّل موضع نقد لأنها تجعل رئيس الدولة عمليًا يعين الأعضاء، فعدد أعضاء المجلس 13 عضواً، منهم 2 تختارهما نقابة الصحافيين و2 تختارهما نقابة الإعلاميين، بينما يختار رئيس الجمهورية رئيس المجلس واثنين من الشخصيات العامة، ويختار جهاز تنظيم الاتصالات ممثلاً عنه، والشؤون الإدارية في مجلس الدولة عضواً آخر، ورئيس جهاز حماية المستهلك عضواً في المجلس وفقاً لمنصبه، وعضوان يختارهما البرلمان، وممثل للمجلس الأعلى للجامعات من أساتذة الصحافة والإعلام.

ولفتت إلى أن المجال العام في مصر شهد قرارات بوقف 3 برامج تليفزيونية و 4 مقدمي برامج و إنذار قناتين فضائيتين و منع فئة (المثليين) من الظهور في التليفزيون، الأمر الذي قد يشير إلى تغول العقلية الرقابية في مفهوم الهيئات و المجالس الجديدة عن تنظيم المهنة و شؤونها.

ومن جهة أخرى يمنح القانون الجديد المجلس الأعلى للإعلام السلطة المطلقة في وضع القواعد و توقيع العقوبات، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص دور نقابة الإعلاميين

وضع سياسة اتصالية عمومية في تونس: بين مخاطر التدخل الحكومي وسلطة القانون وتحديات ضمان حرية التعبير والحق في النفاذ إلى المعلومة
 

ومن جهته طرح الدكتور ناجح الميساوي إشكالية تتعلق بالوضع التونسي و تتمحور حول : "كيف لسياسة عمومية اتصالية تضعها الدولة وتتولى تنفيذها أن تكون ضامنة لحرية التعبير والحق في النفاذ إلى المعلومة؟"

وبخصوص السياسة العمومية الاتصالية في تونس، خلص الميساوي إلى نتائج تقرّ بفشل خطة اتصال أعضاء الحكومة زمن الازمات في ظل خطاب مرتبك وغير مطمئن للتونسيين ومفتقد للدقة يصل إلى حد التضارب أحيانا

واعتبر أن الحكومات المتعاقبة بعد 14 جانفي 2011 أهملت اتصال القرب والاتصال السياسي، مشيرا إلى اعتماد خطة اتصال من طرف الحكومة ورئاسة الجمهورية تقوم على تعويض الخطب الرسمية بالحوارات التلفزية للإعلان عن مبادرات أو إجراءات رسمية وهو ما قوبل بانتقادات من الخبراء والمهنيين، ليستنتج أن السياسة العمومية واضحة المعالم، تعدّ غائبة بل هي مجرد برامج اتصال محدودة في الزمن والأهداف.

2-  الدولة والقطاع السمعي البصري العمومي

المحور الثاني لهذا الملتقى، ارتكز على القطاع السمعي البصري باعتباره مجالا تتحقق فيه سياسة الخدمة العامة مما يقتضي أن يوفر للمواطنين خدمة عامة إذاعية وتلفزيونية مستقلة ومتعددة.

وجاء في ورقة تقديم الملتقى في هذا المحور خصوصا، أن المتمعن في المشهد السمعي البصري العمومي العربي، ولا سيما المغاربي، يكتشف أوجه قصور تتصل أساسا بفشل الدولة.

ففي المغرب اكتسبت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تجربة لا يستهان بها في رصد البرامج ولكنها تحاول جاهدة تنظيم المشهد السمعي البصري الذي تهيمن عليه القنوات العامة وهي قنوات لا تزال تحت سيطرة الإشراف الإداري لوزارة الاتصال.

وفي تونس مازالت الهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري التي تم احداثها في ماي/مايو 2013، قيد التقييم.

وفي سياق متصل قدمت الباحثة في علوم الإعلام والاتصال، أروى الكعلي مداخلة تحمل عنوان: "بعد التحرر من قبضة السلطة، أي تلفزيون خدمة عامة في تونس؟"،  لفتت فيها إلى بعض الهنات التي تحيط بالقطاع ومن بينها غياب إطار قانوني ينظم إعلام الخدمة العامة ويقدم تعريفا محددا له ولوظائفه

ويتجلى ذلك خاصة في الارتباط في التسيير الإداري برئاسة الحكومة وهي سلطة الإشراف وعدم الالتزام بما ينص عليه الفصل 19 من المرسوم 116 من ضرورة استشارة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري عند تعيين الرئيس المدير العام للمؤسسة، فضلا عن غياب إطار قانوني للخدمة العامة ووظائفها (الاستناد إلى المرسوم 116 الذي لا يتطرق إلى الخدمة العامة واستقلاليتها) وغياب تمثيل المواطن في تصور البرمجة والاستجابة إلى حاجياته.

وخلصت الباحثة التونسية إلى أنه "لا يمكن وصف مؤسسة التلفزة التونسية طبقا للعناصر التي تحددها اليونسكو مؤسسة خدمة عامة بالشكل الكامل خاصة على مستوى الاستقلالية (غياب إطار قانوني ينظم الخدمة العامة وتسجيل حالات تدخل السلطة السياسية في المؤسسة وعدم احترام الفصل 19 من المرسوم 116 في تعيين رئيس مدير عام للمؤسسة في مناسبات عدة)

ويواصل الملتقى الدولي لمعهد الصحافة وعلوم الاخبار بتونس يوم الجمعة 13 أفريل/ أبريل     مناقشة المحور الثالث القائم أساسا على "مساعدات الدولة" التي ينبغي أن تقدم بطريقة ديمقراطية وشفافة حتى لا تعرض استقلال وسائل الإعلام تجاه الحكومات أو السلط العمومية الأخرى للخطر. كما يجب أن تكون الآلية المسؤولة عن توزيع المساعدات العمومية مستقلة ومحايدة وفي إطار احترام مبدأ التكافؤ.

ويرى القائمون على هذه التظاهرة العلمية أن المحاور الثلاثة التي تؤثث عمل المؤتمر، تشكّل حقلا بحثيا ملائما لدراسة أطروحات جديدة لعلاقة الدولة بوسائل الإعلام سواء تعلق الأمر بالبلدان التي تمر بمرحلة انتقال ديمقراطي أو في الديمقراطيات "العتيقة".

2018-04-14