دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
اسمي قاسم.....مجد مالك خضر

 

 اليوم هو الأخير في حصص اللغة العربيّة للفصل الدراسي، ودّعتُ طلابي ببضع كلمات قبل أن أغادر غرفة الصف، واليوم تحديدًا أصبح عمري ثلاثون عامًا؛ أي مرّ على قصتي أربعة وعشرون عامًا تمامًا، منذ كان عمري ستة أعوام أحببتُ اللغة العربيّة بعد أن أدركتُ أهميتها، ومدى دورها في بناء العلم والثقافة، فصرتُ أتحدث باللغة العربية الفصحى، وكنتُ أرفض استخدام اللهجة المحكية في الكلام... بدايةً شجعتني عائلتي كثيرًا على استخدام الفصحى، ولكن بعد أن شاركوني بعض المواقف التي حملت السخرية والتهكّم من أسلوب كلامي هذا، سواء من بعض الجيران وأهل الحي وبعض المعارف... طلبوا مني تجنّب التكلّم بالفصحى أمام النّاس، واستخدام اللهجة المحكية، فأبي قال لي لا تتكلم العربية الفصحى أمام أصدقائي حتّى لا يسخروا منك، أمّا أمي كانت ألطف قليلًا وحاولت تلميع الصورة التي بدأت تبهت فقالت لا تتكلم بالفصحى إلا في المنزل حتّى لا يحسدك النّاس على نباهتك، ولكن رفضتُ كلّ ذلك وحافظتُ على التكلم باللغة العربية الفصحى دائمًا، وفي أي مكان.

أصبحتُ معروفًا في المدرسة بأني الطالب الّذي يتحدث اللغة العربية الفصحى، وكنتُ محل تقديرٍ عند معظم المعلمين وأكثرهم تقديرًا لي كان بالطبع معلم اللغة العربيّة الّذي اعتبرني طالبًا نجيبًا ونشيطًا، ولكن بدأت معاناتي أيضًا مع تهكم بعض الطلاب وحتّى بعض المعلمين على طريقة كلامي عندما وصلتُ مراحل صفية أكبر وخصوصًا الصّف التاسع، فعندما كان ينادي المعلم باسمي قاسم يتهكّم بعض الطلاب بلفظ حرف القاف بطرق مختلفة، فيقول أحدهم بل اسمه كاسم، ويرد آخر بل جاسم، ويقول غيره آسم، ثم يضحكون ويسكتون أحيانًا عندما يغضب المعلم ويطلب منهم عدم السخرية من اسمي، ولكنهم يتمادون إذا شاركهم أحد المعلمين تلك السخرية بأن يقول لي أي اسم يعجبك منهم؟ ثم يضحك ويعقب قائلًا تكلّم مثلنا باللهجة المحكية حتّى نفهم عليك وتفهم علينا، فأصحح له قائلاً أستاذ اسمي قاسم بحرف القاف ولا أمتلك اسمًا غيره.

ظلّت قصتي في المدرسة تتراوح بين تقبل كلامي بالفصحى والسخرية مني، كأني أعاني من مرض أو عيب يجب أن أخفيه عن الآخرين، وخلال مرحلة الصف التاسع قرأتُ المعاجم والقواميس اللغوية، وحفظتُ الكثير من المفردات التي زادت من تفوقي اللغوي، ولكن لم تبعد عني المضايقات بسبب طريقتي في الكلام... وفي أحد الأيام قررت مديرية التعليم في منطقتي عقد احتفال لتكريم المدارس المميّزة، وكانت مدرستي واحدة منها، ورُشحتُ للمشاركة في الاحتفال من خلال إلقاء كلمة عن أهمية التعليم في حياة الطلاب، واختارت المدرسة مجموعة من الطلاب لحضور الاحتفال مع الجمهور. كنتُ في ذلك اليوم متوترًا، ولكني كتبتُ كلمة معبّرةً وقبل أن يأتي دوري بدقائق قليلة، صار بعض من الطلاب الّذين اعتادوا على التهكّم عليّ ينادوني بجاسم وكاسم، تجنّبتُ الرد عليهم حتّى حان دوري، وقالت مقدمة الحفل الآن كلمة عن أهمية التعليم يلقيها الطالب آسم، وعندها ضحك طلاب مدرستي وبعض المعلمين؛ حتّى شاركهم الضحك طالبات وطلاب المدارس الأخرى، لم أهتم كثيرًا وصعدتُ إلى المنصة وألقيتُ كلمتي، وبعد انتهائي من الكلمة عقبتُ قائلًا للحضور اسمي قاسم، وسمعتُ صوت التصفيق.

في المدرسة عاتبني أحد الأساتذة على التعقيب الذي أنهيت فيه كلمتي، وقال لي افهم كلامي جيّدًا سوف تتعب كثيرًا إذا استمريت في هذه العقلية، لماذا لا تتكلم مثل كلّ النّاس؟ تكلّم مثلنا وقل اسمك جاسم أو كاسم أو حتّى آسم لا فرق، ولكن دع الفصحى جانبًا لدرس اللغة العربية، عندها أجبتُ قائلًا أنا يا أستاذ أتحدث ككلّ النّاس ولا أختلف عنهم بشيء، ولم أخطأ بتعقيبي مطلقًا واسمي قاسم بحرف القاف وليس الهمزة أو الكاف أو الجيم أو أي حرف آخر.

كان ردي على الأستاذ بداية حرب غير معلنة بيننا، كأنه يريد تقويم ما هو صحيح عندي، فاتفق مع الطلاب الّذين يسخرون مني على الاستمرار بهذه السخرية مقابل زيادة علاماتهم، وشاركه بعض المعلمين الآخرين في هذه الحرب، فكلّ واحدٍ منهم يناديني مرّة بجاسم أو كاسم كلّ حسب مزاجه، أمّا الطلاب ينطقون حرف القاف بكلّ الطرق متجنّبين لفظه بطريقة صحيحة (قاف)، وكان معلم اللغة العربية من المعلمين القليلين الّذين وقفوا معي في مواجهة هذه الحرب، ولكن دون جدوى استمر الطلاب في مضايقاتهم، واستبدلوا اسمي بحرف الكاف أو الجيم قاصدين مناداتي بطريقة غير صحيحة، وصرتُ أتجنّب الرد على كلّ من لم يناديني باسمي؛ حتّى صاروا مع ذلك الأستاذ ينادوني بقاف، والذي أصبح مع مرور الوقت لقبًا لي، وكنتُ أتجاهلهم ولم أكن أرد على الأستاذ عندما يقول لي قاف أجب على السؤال، فألتزم الصّمت ليُكرّر طلبه، وعندها أرد قائلًا إذا كنت تقصدني اسمي ليس قاف بل اسمي قاسم.

مرّت الأيام وانتقلتُ بين المراحل الصفية حتّى وصلتُ إلى الثانوية، وظلّ حرف قاف ملازمًا لي؛ حتّى قال لي ذلك المعلم إذا بقيت على حالك يا قاف ولم تفكّر في التكلّم مثل كلّ النّاس لن تنجح في الثانوية أو تنتقل إلى الجامعة، وعندها أجبته وقلت سوف أنجح أؤكد لك ذلك... اسمي قاسم.

أنهيتُ المرحلة الثانوية بنجاح وحقّقتُ معدلًا مرتفعًا جدًا، وكان ترتيبي الثّاني على المدرسة، والذي سبب مفاجأة للكثير من الطلاب والمعلمين، مع أني لستُ حاقدًا على أحد، ولكن كانت تلك اللحظة هي أهم لحظة في حياتي عندما علمتُ أن أغلب الطلاب الّذين سخروا مني لم ينجحوا في امتحانات الثانوية العامة، وكان ذلك المعلم الّذي تحداني قد وقف مدهوشًا وغير قادر على قول شيء، وعندها قلتُ أمامه وكأني لا أحدثه أنا اسمي قاسم الثّاني على المدرسة.

درستُ في الجامعة تخصص اللغة العربية، وكنتُ من أوائل الخريجين، وتمكّنتُ من الحصول على وظيفة معلم للغة العربية في إحدى المدارس، وفي أحد الأيام آتى إلى غرفة المعلمين طالب في الصف السادس يبكي، وسألته ما بك لماذا تبكي؟ فقال اسمي قيس يا أستاذ، والطلاب يسخرون مني ويقولون لي اسمك كيس وليس قيس، وكلّما أحاول منعهم تزداد سخريتهم، وعندها ذهبتُ معه إلى الصّف، وشرحتُ للطلاب أهمية احترام اسم زميلهم، ولكن للأسف بعد خروجي سخروا منه مرّة أخرى.

في اليوم التالي عند مروري من أمام غرفة مدير المدرسة سمعتُ صوت رجل يصرخُ ويتوعد، وعندما اقتربتُ من الباب وقف أمامي رجل أعرفه جيّدًا، فوجهه لم أنساه أبدًا، مع أن أكثر من خمسة أعوام مضت على انتهاء دراستي في المدرسة، ولكن هو من الأشخاص الذين لا يمكن نسيانهم، ولم يكن إلا ذاك المعلم الذي تهكّم على اسمي عندما كنت طالبًا، ولمحتُ الطالب قيس يقف بجانبه، وبعد صمت قصير قال قيس هذا أبي يا أستاذ قاسم لقد آتى إلى المدرسة؛ بسبب عدم توقف الطلاب عن السخرية من اسمي، وعندها نظرتُ إليه جيّدًا، وكانت علامات المفاجأة ما زالت على وجهه، وقلتُ له قيس لا علاقة له بالماضي، ولكن كما تدين تدان... لا تنسى اسمي قاسم.

 

مجد مالك خضر

2018-04-15