دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
من وحي وسام مستحق ** * تراتيل التأليه في مبنى الدلالة في قصة ' أرعن' للقاصة مريم بغيبغ ... أحمد ختاوي


إذا كان المتخيل " يتشمم " المبنى نسجا معماريا ،ويحاصر ما دونه ، من معطيات سردية في القصة القصيرة جدا ، بجميع مكوناتها وأطرها المعروفة والمعهودة والتي تجعل من " كينونتها " حصرية " السياق ، فإن القاصة مريم بغيبغ في " أرعن " رسمت تجاعيد هذه الكينونة وهادا وسفوحا ومراع للظل في المبنى والدلالة والانعتاق السردي من ضائقته .. السرمدية ..
القاصة مريم بغيبغ ها هنا في " أرعن " لا تصادر المعتوه في الوجود والكون بقدر ما " تفلسف " سفالة التيه بتأليهها لمسار كينونة المأمول "ليس بالشكل الإقصائي وإنما بتوضيب وتسكين الحمى الزائدة في معالجة المبنى المعماري الهندسي لقصها وترحالها مع تكثيفها للمعنى وفق ما تقتضيه القصة القصيرة جدا . تكفكف ما تبقى من دمع في مآقي التيه تضرعا لصيرورة القص والنسج والحكي بكثافة مبهرة و آسرة ، دون أن تغفل بالشكل المطلق والعقلاني المنحى الاستبطاني والاستيطاني لماهية الدلالة ومجرياتها ومنحنياتها ..في وعي منها بأنّ السبك يتطلب اختزال البكاء والنّواح دون طائل . 
أو مرمى إيجابي تقتضيه أليات العملية السردية في القصة القصيرة جدا.
القاصة مريم بغيبغ جمعت كل هذه الأدوات والميكانيزمات لتسييج أسوارها السردية بما لا يخرج عن الإطار والنسق ..
القاصة مريم بغيبغ أيضا تجادل بوعي المبنى بدون خجل أو ارتباك إبداعي ..وبتروٍّ أيضا. 
في غمرة هذا المعطى / المنحى / والمسار تغدو القاصة مريم بغيبغ لتمد " الومضية " في " أرعن " كل تجلياتها الممكنة .. لا تستثني لا شاردة ولا واردة .
لتنسج زمن المودة في ترحالها مع التيه كمنعرج يحمله براق " التيه ذاته على متن القول وتطوف به ملاحة عبر الأمصار في مسعى للبحث عن جدوى تآكلت أطرافه وجنباته وحواشيه في فيافي الصحراء كمبحث فلسفي وتنظيري وتنقيبي وكرمز قولها :" 
صَادَرُوا انعِتَاقَه ... أَلهاه الفُتَات عن التَّنقيب....." " بهذا التيه تدخل القاصة مريم بغيبغ دائرة التشويق والتسويق لمبان هندسية سردية ارتدادية بقفل ومفتاح لا يجرؤ الّا على أن يوطّد أواصر " الغبن " عند مجاهليها المعلومة ، إذ " أرعن " هو " بطل عائم بين الماء والسماء وفيافي الصحراء دوما كمصرّ للجناية ..في تجل مدهش يحمله " براق مخيالها المتقد على منطاد الإدهاش .بمعية المتخيل لديها ..
ليرتد بها نفس المكان والزمان فتحدث الرجة المنتظرة في نسجها هذا المحكم "قولها " :
أَحسّ بالصَّدى، طَوّقه الطَّوى " بهذا المعطى تلوّن اللاممكن بالممكن بوعي فلسفي لافت ،فتخفف الوطأة والموطأ في الصحراء الأكول على " غبن مجاهليها وسراديبها السردية ، مطمئنة ذاتها بوعي قاصة تمتلك ناصية القول .. وهي تجنح نحو " تسريب الغبن " كمادة إخبارية لمن قد يشفق على هذه المجاهيل التائهة في عمق ذاتها وانسجامها مع مبانيها الهندسية السردية على صعيدي الشكل والمضمون والتأطير اللفظي وكذا ثأثيثه دون تأتأة لتجثث أطياف تأملاتها :موالاة لصيرورة المبني الإرتدادي المشفوع بسلوكية التجلي والتصوف أحيانا قولها :
"أَخفُوا عَنه الرَّغِيف"
النتيجة ليست ثكلى عند القاصة مريم بغييغ هاهنا بقدر ما هي " مفرزة " مآق سطعت أنوارها كمهلل لرا هن أو آت محتمل يكتنفه المأمول في تجلياته الصوفية دوما بالرغم من بؤس اللحظة تقول في ذلك " 
"صَادَرُوا انعِتَاقَه" ..
القاصة مريم بغيبغ لم تستأجر و لم تتاجر بالدلالة بقدر ما قرأت من منظور آخر منحى هذا " ولم تستكن أو ترهن مخاوفها للقدر وللمكن السائد والاستكانة له ، وإنما ظللت عبر " أرعن: تتلو تراتيل التأليه في سبائكه الأفقية والعمودية ، لتقرفص " ناسكة أمام معبد تأصيل القصة وتجنيسها : مدا ومدى وكينونة وتأصيلا .. لم تمت فيها رعشة الإدهاش .. ولا السفر إلى متون متطلبات القصة القصيرة جدا في جميع مرتكزاتها البينية .
وما " أرعن " الاّ تلاوة وتأليه وكأني بكلمة : أرعن " تتخذ عدة أبعاد وتختزل كل المناحي لتمشي وتمتشق وفق ما رسمته القاصة مريم بغييغ ، أرعن أنطلاقا من سراديبه كمأمول دوما في مفهومها اللغوي الباهث ، السطحي ، لكن " أرعن " في تضاريسه عند القاصة مريم بغيبغ هو ترتيل ووتد وهي قد " أرعنت " التيه وأعرن نسجها " الرعن " في " رعن " اتخذ جاذبية التأسيس لمبنى طوعي ، استدراكي لماهية " الرعن ، وقد أفلحت القاصة مريم بغيبغ في "لولبته " وصقل مجاريه وتجاويفه ليصبح مشهدا سرديا وفلسفيا تأمليا بامتياز ، مما أكسب القصة جدارة " المتن السردي في جميع مقوماته / سردا أفقيا عموديا والعكس ، جدير بتأمين القارئ المتمرس أن يقرأها على ذلك النحو ولا يخل بالمعنى أو المسار ، وهذا لعمري لا يتمكن منه الّا من يمتلك أدواته التصويرية والإبداعية وفق متخيل فلسفي وتأطيري ، وهذا ما تحصلت عليه " ظفرا" القاصة مريم بغيبغ ، وما حيازتها على الوسام الذهبي إلا دليل على ما تقره وتفرزه القراءات المتمرسة ، وليس كل القراءات ، حيث أن القصة القصيرة جدا كما تفضلت القاصة مريم بغيبغ / محاضرة / في إحدى مداخلاتها بعين البيضاء أن القصة القصيرة جدا ، يفهمها ويستوعبها المتمرسون الضالعون في شؤونها أكثر من غيرهم وهذه مميزاتها وأسسها على جميع الأصعدة .
قد نلحظ سويا ، إذا أمعنا النظر في مكوناتها التأملية أن قصة " أرعن " لا تهتز أسواره
إذا قرئت من آخر صورة أو ثورة بركانية فيها ، الى أول صورة فيها ، فإن المسار الدرامي والتعاضدي يبقى هو هو * في تصوري - لا يعتريه " لا العطب " التكاملي أو التكميلي في سبر أغوار " أرعن " الفعل ، والمصدر والمأمول ، 
هذا مرور عابر " في أرعن " وما شُرِب لها .. من زخات ورذاذ الدلالة التي أثمرت عملا جدبرا بأن يتوج بهذا الوسام المستحق .
ولي أوبة لاحقا إلى نتاجات القاصة مريم بغيبغ التي تكتب بانفرداية وتميز . كما أن " الطوى " أحد المفاتيح السردية التأملية ، لم يكن إملاقا إبداعيا بقدر ما كان رحلة على متن الممكن الى غاية حدوده كمكمنِِ وممكن ِِ ممكنِِ ..ولم بكن البتة ضبابية التيه كما قد يذهب البعض في تأويله .. 
وفي الاخير لا أملك الا أن أسديها تبريكاتي الخالصة بهذا المكسب المنتظر .
**** إشارة ****
ها هو نص القصة أرعن كاملا بقلم " مريم بغييغ / الجزائر
أَرعَن
لمَّعُوا مُمتلكَاتِه التّليِدة وأَخفُوا عَنه الرَّغِيف... تاهَ فِي الصَّحراء... أَحسّ بالصَّدى، طَوّقه الطَّوى ... صَادَرُوا انعِتَاقَه.
أَشغَلُوه بالفُتَات وَبدأوا فِي التَّنقِيب.
مريم بغيبغ/ الجزائر


 

2018-05-01