دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
سياسة رعاة البقر والعرب....د. حميد لشهب

لم يكمل ترامب كلمته المتعلقة بانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، حتى هلل بعض الحكام العرب وشهدوا له وركعوا حمدا له على الجميل الذي يقدمه لهم، مقابل "حفنة من الدولارات". بل نفهم الآن لماذا "طرد" آخرون دبلوماسيون إيرانيون تحد ذرائع لا تدخل عقل أي أبله في العالم، من أجل الحصول على "مقاتلات أمريكية" ووسائل تجسس إضافية لتأمين حدود متنازع عليها.

 

كان الرد الفوري للرئيس الإيراني على كلمة ترامب كافيا في حد ذاته لاستنتاج البعد المبدئي الأخلاقي للسياسية الإيرانية والبعد البرغماتي للسياسة الأمريكية. وهي السياسة التي استُعملت لإبادة السكان الأصليين في أمريكا، وهو أمر ننساه دائما في حديثنا وتحليلنا للسياسة الأمريكية. فالأوروبيون الذين غزوا أمريكا إبان الحركات الإستعمارية الأولى للقارة الأمريكية، لم يكونوا ينتمون للطبقات الثرية في القارة العجوز، بل كان معظمهم ممن فقد كل أمل للعيش في أوروبا وركبوا مخاطر البحر للإستيلاء على أرض ليست لهم واستنزاف خيراتها والبطش بسكانها الأصليين. ورافق هذا العطش لدماء الآخرين واستباحة كرامتهم الإنسانية العقلية الأمريكية إلى الآن، بل لم يفارقها حتى عندما أعلنت دخولها "حضيرة الحضارة".

 

لم يكن صُدفة أيضا ازدهار أفلام "رعاة البقر" ، وبالخصوص بعد الحرب العالمية الثانية، في أمريكا و"تصدير" هذه الأفلام لكل بقاع العالم؛ إيمانا من "الثقافة الأمريكية" بأنها تساهم حتما في غرس الخوف من الأمريكي في كل بقاع العالم، خاصة إذا استحضرنا للذهن بأن أكثرية هذه الأفلام كانت تركز على "إباذة" "البيض الأوروبيين = الأمريكيين" للهنود الحمر وتدجين العبيد السود والحرب مع المكسيك. ولم يتغير الأمر إلى اليوم، بل تركزت أخلاقيات محددة عن العقلية التي تتعامل بها أمريكا في سياستها مع جميع دول المعمور: البراغماتية وفرض الطاعة وجلب قطع الذهب والإمتثال للأوامر المفصح عنها والمضمرة "للسيد" راعي البقر.

 

ما يحدث في تعامل أمريكا مع العالم الإسلامي منذ "صدمة النفط الأولى" (أكتوبر 1973)، لا يغاير في شيئ تعاملها مع الهنود الحمر. كانت، عندما تنجح في السيطرة على فريق منهم، تستعمله لتسهيل السيطرة على الآخرين، إلى أن انتهى بهم الأمر في "محميات"، وكأن المرء يحاول الحفاظ على البعض منهم إما للعبرة لمن لا يرضخ للهيمنة الأمريكية أو "للتسلي" بزيارتهم في المناطق المحددة لهم والتفرج على نمط حياتهم البدائي إلخ. هكذا وقع لصدام عندما استعملته أمريكا ضد إيران في حرب دامت أكثر من ثمانية سنوات، وهكذا وقع لصدام نفسه، عندما شُنق بتمويل من آل سعود ودول مسلمة أخرى في حرب غربية شاملة أتت على الأخضر واليابس في مهد الحضارة العربية الإسلامية. وهكذا وقع للقذافي صاحب فكرة "دولة إسراطين"، ولمبارك، وهكذا حاولت في سوريا، ولم تنجح لحد الآن -ونأمل ألا تنجح-، لكي لا تُقيم محميات لعينة من العرب في الشرق الأوسط بين الأردن والعراق وسوريا، بعدما تبتلع الدول الخليجية، التي لا أصل ولا نسب لها ولا أخلاق ولا تُظهر أية مقاومة تُذكر ضد مُخطط واضح المعالم، يهدف أولا وقبل كل شيئ لإبادة العرب والمسلمين. وتبقى إيران هي الأمل الوحيد للمسلمين، إذا نجحت في استماتتها لكسر سلسلة مخطط الإبادة هذا، وهي التي كانت في البدء مُستهدفة في حربها مع العراق، ضنا من الإمبريالية الأمريكية بأنها لُقمة سائغة؛ لكن تبين لها بأنها ليست كذلك؛ وأجلت "سحقها" إلى أن تُتاح الفرصة لذلك، وهي ترى الآن أن هذه الفرصة قد تحققت شروطها حاليا، لأن كل الحكام العرب يقدمون فروض الطاعة والإمتثال، بطلب أو بدون طلب.

 

العقبة الأخيرة والحقيقية في وجه الإمبريالية الأمريكية للقضاء النهائي على العرب والمسلمين هي إيران، دولة وشعبا. والشعب الإيراني هو الشعب المسلم الوحيد الذي ذاق مرارة محاولة الهيمنة الأمريكية عليه، ولم يستسلم؛ لأنه لربما وعى البعد الحقيقي للرغبة الملحة لأمريكيا لتنحية المسلمين من خارطة العالم نهائيا. بل تؤكد له كل المؤشرات الحالية، بأن ترامب لا يُقدِّر ولو بميليغرام العرب والمسلمين، وما تصرفه مع "حلفائه" من العرب إلا دليل قاطع على أنه يحمل في "جيناته" الثقافية "سياسة رعاة البقر". ألم يسبق له، وهو في عز حملته الانتخابية أن خاطب آل سعود بهذا الأسلوب: "لا تعتقدوا أن مجموعات الوهابية التي خلقتموها في بلدان العالم وطلبتم منها نشر الظلام والوحشية وذبح الانسان وتدمير الحياة ستقف الى جانبكم وتحميكم فهؤلاء لا مكان لهم في أية بقعة من الأرض الا في حضنكم وتحت ظل حكمكم لهذا سيأتون اليكم من كل مكان وسينقلبون عليكم ويومها يقومون بأكلكم". بل سبق له أن اعتبر آل سعود بقرة حلوب لبلاده، ومتى ما جف ضرعها سيأمر بذبحها أو المساعدة على ذلك. ولم يقل هذا في صالونات ديبلوماسية مغلقة، بل بطريقة عمومية، وعلى مرأى ومسمع من العالمين. فماذا ننتظر من رئيس أمريكي حمل على عاتقه سياسيا ودينيا وأيديولوجيا القضاء على المسلمين؟ بل الصحيح، ماذا ننتظر من المسلمين، الذين يستحقون هذا الإسم، القيام به لإيقاف "جنون" راع للبقر، لا يحمل في يده مسدسا، بل ترسانة من الإستراتيجيات لإباذة المسلمين والعالم كله يتفرج، إلا إيران.

2018-05-11