دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'عمر الرواني' لمن لا يعرفه؟… الطاهر العبيدي

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"...

فهو ذاك التونسي الذي تسكنه فلسطين حدّ النخاع، والمتيّم بالقدس أرض الإسراء والمعراج، والمصطفّ في كل المظاهرات والتحرّكات، لأجل فلسطين رمز العروبة والانتماء، ومؤازرة شعب أبيّ، يقاوم الاحتلال ويرفض كل عروض الاستسلام. ويعلمنا معنى الكرامة والعزة والنخوة والاعتزاز، والمتشبث بالعرض بالأرض بالهوية والانتماء..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟..

أقول أنه ذاك المحامي الذي ظل واقفا دون طأطأة الرأس دون انحناء، وبقي ثابتا كشجر الصنوبر في أعالي جبال مدينة "الكاف"، لم يساير، لم يزكّ، لم يناشد، لم ينخرط، لم يجامل الاستبداد في السنوات العجاف..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟..

أقول أنه ذاك المحامي الذي يحمل في داخله وطن الحلم والأمل والكرامة والرقيّ والإبداع، وطن تنتفي فيه المظالم والفوارق الاجتماعية والمحاباة..  

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟..

أقول أنه ذاك المحامي المنحاز لقضايا الحرية والعدل وقيم الإنسان، والذي كان ولا يزال من المنتفضين على كل الرداءات وإعلام البطون والمزمار..

 لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟..

أقول أنه ذلك المحامي المتيّم بحبّ الوطن منذ كان تلميذا، منذ كان طالبا، إلى أن أصبح محاميا، والمسكون بحلم وطن يكون في مستوى تطلعات الشباب، مرفرفا بقيم المواطنة والعدالة وحق التنظم والاختلاف..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني؟..

أقول أنه ذاك المحامي الذي تخندق في صمت إلى جانب كل الأحرار، فكان صمته يشبه اللهيب يشبه البركان، من أجل أن نكون بلدا يطبّق القانون ويحترم المؤسسات..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟..

أقول أنه ذاك المحامي المثقل بوجع بتعب بهموم المواطن الإنسان، الذي يتوق للعدل والتحرّر والانطلاق، حين كان مداسا تحت أحذية حكم "بن علي"، يلطمه القهر،   تلوكه المظالم، وينطحه الجور ما يقارب الثلاثة وعشرين عام..  ..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟..

فهو ذاك المحامي المنتفض على القمع بكل مشتقاته، وبقي مناضلا من وراء الستار احترف الكتابة خلسة بعيدا عن الأنظار، من أجل المساهمة في إنارة العقل وتنمية الذوق، وزلزلة الصمت، وركل الطغيان..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟..

فهو ذاك المحامي الذي اختار اللجوء إلى قلم متخفيا تحت اسم مستعار "أيوب الصابر"، متجوّلا بين

"تونس نيوز"- "نواة" -"تونس أونلاين"-

"الحوار نت"- "مرايا"- "تونس استقيظ "...والعديد من المواقع  والمنابر في المهجر، التي تبث خارج حدود البلد ومن وراء البحار..  

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟..

فهو ذاك المحامي الذي يؤمن أن الروح تبقى دائمة الاحتياج إلى وقود الحرية..ومن أجل ذلك بقي العين التي ترقب الأوضاع، والنفس الأبية التي ترفض الانخراط في مستنقع القبح وتزييف الحقائق والتهليل للأصنام.. 

 لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني...

فهو ذاك المحامي الذي الكلمة كما الحرف لديه نزيف متواصل على الأوراق، وفعل رقيّ وحضارة، والكتابة لديه انقلاب بالكلمات، لمحاولة اختراق حالات الركود والقدرية والجمود والكساد..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني...

فهو ذاك المحامي الذي هاتفه ذات مرة وكيل جمهورية محكمة "الكاف" زمن النظام الهالك"، يطلب منه دفع معلوم اشتراك لمساندة حزب النظام.. فأجابه: سيدي هذه مهمة عمدة الحي أو معتمد البلاد، فالقضاء مستقلا عن الأحزاب، ما أحرج وكيل الجمهورية فرد عليه: لست وحدك من الوطنيين أستاذ، فنحن مثلك من الأحرار ولكننا أجبرنا على توزيع مثل هذه النفايات..

 لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟...

 فهو ذاك المحامي الذي استقبل وفد "منظمة العفو الدولية" بداية التسعينات حين زاروا مدينة "الكاف"، بمعية فارس الشمال الأستاذ "نجيب حسني" في مكتبه، يوم كان  الرواني محاميا متربصا هناك، من أجل التعريف بمعاناة أهالي وعائلات سجناء الرأي والمساعدة في فك العزلة الحصار..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟...

فهو ذاك المحامي الذي غامر سنوات المحنة والحصار هو والأستاذ "نجيب حسني" وزاراني في الجزائر سنة  92 ، على إثر فراري من قاعة محكمة "الكاف"..وجلبا معهما جملة الأحكام، كي تساعدني في تقديم اللجوء السياسي في إحدى البلدان..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"؟...

فهو ذاك  المحامي الذي حاول مساعدة الطبيب "مفتاح" للهروب للجزائر، وإنقاذه من التفتيش والاعتقال، سنوات التسعينات لما كانت البلد فريسة للحيف والتعذيب والتهم السياسية الباطلة والمتوفرة بالجملة وبالمجان..ولكم أن تسالوا الطبيب "مفتاح" فهو ما زال على قيد الحياة، وشاهدا يستطيع أن يدلي بكل الأقوال..

لمن لا يعرف الأستاذ "عمر الرواني"..

أقول أنه ذك المحامي الذي أنا وهو التقينا في مكتب الأستاذ "نجيب حسني" أواخر سنة 91 يوم كانت البلد مرتعا لشتى أنواع المداهمة والاعتقال. وقد اقترح "نجيب حسني" أن يكتب هو ورقة مفصلة عن الوضع السياسي في البلاد. وطلب من "عمر الرواني" أن يصيغ تقريرا حول واقع الجامعة والحريات، وكلفني أنا أن أكتب ملفاّ حول واقع الصحافة والإعلام، مقترحا أن يأخذ هو التقارير الثلاث ويذهب بهم للقنصلية الجزائرية بالكاف، ويطلب اللجوء السياسي هناك.. من أجل فك العزلة عن معاناة سجناء الرأي ومحنة العائلات، عبر هذه المبادرة التي قد تسلط الأضواء وتحرّك الإعلام الدولي وجلب الأنظار، غير أنه في اليوم الموالي تم القبض عليّ وزجّ بي في إحدى زنزانات مراكز الاعتقال...

لمن لا يعرف "عمر الرواني" سواء عن سهو أو عن غفلة أو عدم دراية آو عدم انتباه؟..  

أقول أنه ذاك الصديق القريب إلى القلب والوجدان، والتي جمعت بيننا ذكريات المدينة وأحلام الشباب، وتقاسمنا معا وجع البلد وساحات الفعل والنضال، نشترك في الكثير من الرؤى والأفكار.. يجمع بيننا الحلم الوطني المشترك، والوعي المشترك، والفقر المشترك، والعشق المشترك، عشق الكلمة الواعية والقلم الناضج، نشترك في الإيمان المبدئي بحرية التعبير والكلام، نشترك في تشابه أوضاع العائلات المشحون بالخصاصة والفقر والاحتياج إلا أنهم ظلوا متشبثين بالتعفف والأنفة والكبرياء، ونتقاسم نفس الشعور والإحساس حيث كلانا وحيد عائلته ليس له أخ غير البنات.. وللإشارة والتوضيح والإعلام أقول هنا، أنه لم تنقطع بيني وبين "عمر الرواني" المكالمات والتواصل والسؤال، طيلة وجودي في المنفى ولمدة عشرين عام، وللتاريخ أسجل أني وثقت أحد نصوص "عمر الرواني: في كتابي حفريات في ذاكرة الزمن تحت اسم مستعار، وبعنوان "كل الوجوه شاحبة صفراء". وإن كانت تفصلنا بعد المسافات فالود بيننا لا يعترف بالجغرافيا والحدود والتأشيرات ولن تترجمه سوى بعض أبيات المتنبي التي يقول فيها :                

أبلغ عزيزا في ثنايا القلب منزلة  

أني وإن كنت لا ألقاه ألقاه

 وأن طرفي موصول برؤيته  

 وإن تباعد عن سكناي سكناه

يا ليته يعلم أني لست أذكره

وكيف أذكره إذ لست أنساه

يا من توهم أني لست اذكره

والله يعلم أني لست أنساه

إن غاب عني فالروح مسكنه

من يسكن الروح كيف القلب ينساه

2018-05-11