دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قبّعتي الأحلى ....بيانكا ماضيّة

وكعادته في كل حديث يدور بيننا في موقع التواصل الاجتماعي يأتي أولاً على ذكر الأموات قبل الأحياء..افتتح الحديث بوفاة الحاج عبدو الفوّال اليوم (رحمة الله عليه)، وبما أن اليوم عيد الشهداء، فلا بد أيضاً من أن نترحم على الشهداء جميعهم، فكل حرف في نصٍّ، أيّ نصّ، لا تفوح منه رائحة البارود المجدول بالزيزفون والريحان، من ذاك الذي يزيّن قبور الشهداء، هو نصّ لاقيمة له، ففي الحروب تسقط الأحزاب والسياسات والخطب وكل الحروف التي لاتمجّد الشهداء الذين حملوا صليب أوطانهم حتى آخر نظرة نحو جلجلتهم..

ثم أشار في حديثه (مداعباً) أنه حتى اليوم لايعرف حقيقتي السياسية، أكنتُ من حزب الفول أم من حزب الملوخيّة المحافظ ..مشيراً إلى أنه ستترتب على إجابتي نتائج قاسية.

وكعادته في كتاباته القصصية والروائية الساخرة، فإن أديبنا محمد أبو معتوق يشتغل على المفارقة اللغوية، والمواربة والتورية، وتذكرت روايته (جبل الهتافات الحزين) حين استعار للأحزاب أسماء أخرى، من مثل: حزب القلعة، والحزب الأممي، وحزب الوطن، والحزب الشعبي، والحزب الديني، في أثناء حديثه في تلك الرواية عن فترة الانقلابات في سورية أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات.

وهنا حصرني صديقي الأديب ذو القبعة السوداء في زاوية، فأيّ حزب أختار، علماً بأني لست مع أي حزب محافظ؟!

فما كان مني إلا أن أجبته: أنا من أنصار حزب الفول بحَمْض، لا الفول بطحينة، ورحم الله الحاج عبدو الفوّال إذ كان علماً من أعلام حلب..

ويبدو أنه قد أعجبه حزبي، فقال: الفول بالزيت والحمض. أدعى للنشاط والخفة.. وأقل غضباً من قبل  أحزاب البقوليات الأخرى، وهو حزب يمكن دعوته لتأمين الفول للأحزاب المجهرية..

قرأت هذا ورحتُ في ضحك شديد، فروح أديبنا المبدع أبو معتوق مزدانة بالمرح والفرح، وهنا بادرته بالقول:

نعم لذلك أحبّه؛ (أقصد الفول بحَمْض) دعماً للجبهة القتالية، إذ لا علاقة لي بأي حزب رجعيّ، وكل رجعيّ أحاربه بأدواتي..وهنا سألته: هل أنت من حزبي السياسي؟!

فأجاب: لو أنك تعرفين تاريخي لعرفت أنني من مؤسسي هذا الحزب ..المهم أن خياراتك أفضل من خيارات الكثيرين، وأكثر تمتيناً لشؤون الوطن والدفاع عنه!.

وبما أنني أعرف تاريخه، تاريخه الأدبي لا السياسي، فقد فاتني معرفة أي أنواع الفول يحب، وأي حزب هو من مؤسسيه!!

ولكني بادرته بالقول: من قال إني لا أعرف تاريخك ؟! ولكن كان عليك أيضاً أن تعرف توجهاتي السياسيّة (الفوليّة)!!

وهنا كان لابد لي من مجاراة واستعارة أفكار مبدعنا الغالي وألفاظه ومصطلحاته!!

فأجاب: أنا أحاول التحرش بك سياسياً، ولكنني أعرفك، وأعرف فولك، وأعرف مقامك وطولك، وتفكيرك وتكفيرك ..

فرددت عليه: أدام الله مقامك ومقالك العالي المستوى..

ولكنه بكلمته الأخيرة أحالني إلى زاوية أخرى، وهي موضوع التكفير، فأشرت له بأني كافرة أباً عن جدّ..فقال: وهذا أقرب للإيمان والإنسان والأوطان ياصاحبة القبعة التي يمكن أن تؤلف عليها الحكايات!

هنا أعجبتني الفكرة، فكرة تأليف حكاية عنّي، وهو المؤلف البارع ذو القلم المبهر الساخر، ويا لغبطتي إن كتب عني محمد أبو معتوق، مؤلف الحكايات والقصص والروايات.. وبما أن الفكرة لاقت في نفسي إعجاباً، ولكي أحفّزه لكتابتها، قلت: وماذا تنتظر إذن؟! ألّف لأرى تأليفك وتوليفك!!

ويبدو أن فكرة القصة خطرت على باله فوراً، فقال:

من الممكن كتابة قصة عن سندريلا جديدة تطير قبعتها في الاحتفال ..ويبذل الأمير العاشق جهوداً مضنية للبحث عن رأس جميل تليق به القبعة، ويتلف الأمير المسكين حتى يجدكِ، وتوتة توتة بدأت الحدوتة!

فأجبته: أنت كاتب مجدد، لذا ننتظر منك نصّاً لهذه السندريلا بشرط أن يكون العاشق من ضباط الجيش العربي السوري أو الروسي، لافرق، ثم يخال أن القبعة له، فيرتديها.. وتنتهي القصة!

وضحكتُ ضحكاً أكثر من سابقه..

وعلى الفور كتب: وماذا تفعلين أنت، وأنت كاتبة خطيرة؟! فأشرت إلى أنه هو من ألمح في سياق حديثه إلى تأليف حكاية عني!! وكنت بيني وبين نفسي أقول: ما أجمل ماسيؤلفه لو كتب!

فرد عليّ: قصتُك أجمل من قصتي، وهي جديرة أن ترسليها للاحتياط لتؤدي الخدمة بدلاً من الأمير!!

ولكنني مازلت في موقعي ذاك الذي مازلت أحفزّه منه على كتابة الحكاية، لذا بادرت إلى القول: سأحاول كتابتها، واكتب أنت في الموضوع نفسه، لنرى أي النصّين أحلى؟!

فقال: سندريلا الجميلة التي هي أنتِ، تصنع القصص ونحن نبحث عن القبعات!

ولم أدرِ أكانت تلك فكرة قصته التي سيكتبها، أم أنه يوحي لي بفكرة لقصتي!

وبما أنه أتى على سيرة القبعة التي أرتديها، ضحكت مرة أخرى، وقلت: ليكن بمعلومك أن قبعتي لامثيل لها... وحين وضعتها على رأسي طالب الإرهابيون به إذ لاحت لهم ألوان القبعة من بعيد...

ثم أشرت له إلى عدم مقدرتي في أن أبزّه في كتابة النصوص والحكايات!

وبما أن أديبنا أبو معتوق لمّاح وقصُّه بالذكاء فوّاح، قال: أنت مستعدة بحركة يدكِ لرفع قبعتك لأمير خارج من الحكايات، لذلك حركتك موحية!

وهنا، وبما أنني أستخدم نوعاً من الاحتيال والتطنيش في مثل هذه الحالات، قلت: رؤيتك ثاقبة نحو القبعة!

وربما ضحك في سرّه، وقال: ألم أقل أن الأمير أتلف نفسه في البحث عن رأسك، وهذا يعني أن سندريلا المعاصرة في رأسها وحده يكمن كل الجمال، وليس في حذائها، ومن يجاور الجمال، وهو القبعة، يصبح جميلاً!

وضحكت من كل قلبي، وكتبت: ما أجمل أفكارك وتفكيرك... وكم هو سخيف لو كان الجمال في حذائها وحسب!! لذا ياكاتب الجمال وصاحبه لايسعني هنا إلا أن أرفع لك هذه القبعة تقديراً لأدبك وتفكيرك الرائعين!

وبالتأكيد اغتبط صديقي أبو معتوق لرفع القبعة، إذ أنه قال: الله ..هذا ماكنت أسعى إليه، وقد تحقق ياذات العقل الراجح والجمال، أن ترفعي لي القبعة؛ لأكتشف كل مافيك من بهاء..فالقبعة حجاب، وأنت غنية بالعقل عن كل حجاب، وقد ابتكره الغربيون لإخفاء قلة شعر الرجال، غير أن قبعتك شيء آخر!

وبما أنني مسبقاً كنت أعرف مايدور في رأس صديقي، لأنه ألمح إلى حركة يدي، قلت: والله كنت أعرف أنك بانتظار رفع هذه القبعة، لذلك كان واجباً علي أن أرفعها لك..لكن الآن عرفت قصدك من وراء قصة القبّعة، أنت تغار من قبعتي لأنها أحلى من قبعتك، وتخفي قبعتك قلة شعر، فيما تخفي قبعتي حكاية!

وأخال أنه هنا امتعض لذا قال: شكراً ليست القبعة هدفي، وإنما حركة يدك ومغزاها، تلك الحركة التي أعطت للقبعة معناها، ليس لشيء قيمة بعيداً عن حركة الإنسان، حتى القبعات!

وهنا وافقته على ماطرحه من أن الإنسان هو المبدأ وهو الهدف، وشكرته على فطنته التي التقط من خلالها حركة يدي تلك..وأكدتُ أني على جهوزية لرفع هذه القبعة لمن يستحق أن أرفعها له!

فأنهى حديثنا بالقول: لا ترفعيها لأحد إلا لاستقبال الضوء والهواء!

ولكني بعد أن رفعتُها له، أعدتُها إلى مكانها على رأسي؛ لأرفعَها حين ضوءٍ وحين هواء!

2018-05-11