دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الأموال الصهيونية والأموال العربية....د. حميد لشهب

من غير الضروري الإبحار في تلافيف التاريخ لنفهم بأن لقيام دولة صهيون علاقة وطيدة بالمال اليهودي، ومنه بالخصوص مال اليهود الذين كانوا يؤمنون بأن إقامة دولة لهم ولو على أشلاء الفلسطينيين هي هدفهم الأسمى في الحياة وفي التاريخ.

ذلك أن الدولة الصهيونية تأسست على ما راكمه الصهاينة من رأسمال في مختلف دول العالم، ومنها الدول العربية، لتحقيق مشروعهم-الحلم في تأسيس دولة قائمة بذاتها، رافضين كل الرفض الإندماج في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها، بما في ذلك المجتمعات العربية.

وإذا كانت هناك استثناءات لمجموعات يهودية كانت ضد إقامة دولة صهيونية لتعارضها مع المبادئ المؤسسة للدين اليهودي، فإن الثابت هو أن صهاينة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبعد احتكارهم لمجموعة من الميادين التجارية في العالم بأسره وتفطنهم بأن المال يُنتج المال، وبأن المال هو السبيل الوحيد لهم للتحرر من العيش في دُول "غريبة"، فهموا في نفس الوقت بأنهم باستماتتهم في احتكار المال العالمي، سينجحون في التحكم في العالم بأسره. وكان هذا الهدف المستتر للصهيونية العالمية السبب الرئيس في الحركات الأوروبية المعادية لليهود، في كل الدول الأوروبية، على الرغم من أن الألمان كانوا السباقين في فهم الخطر الصهيوني/اليهودي على الغرب برمته، وبالخصوص على ألمانيا، حيث كان نشاطهم المالي والتجاري من الأهمية بمكان.

وما كانت إبادة اليهود من طرف النازية، وهي إبادة لا نقبلها لا إنسانيا ولا منطقيا ولا سياسيا، إلا ناقوس خطر تجاهله الغرب برمته، بما في ذلك أمريكا للثقل المالي للصهاينة من أجل تحقيق مصالحهم. ذلك أن الجناح الصهيوني تربع على "عرش" أمريكا، ليختار لها بعد الحرب العالمية الثانية، باستعماله لأمواله، رؤسائها، ولِيُذل الحكومات الأوروبية، ومنها بالخصوص الألمانية، مستعملا بمناسبة أو غير مناسبة "إبادة" اليهود في ألمانيا وأوروبا كسلاح في وجههم، وكأن أوروبا -بالمناسبة أمريكا أيضا- لم تقدم بإبادة شعوب أخرى في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.

 

في المقابل، فإن الأموال العربية، التي لم يتعب الحكام العرب للحصول عليها، بل كانت هبة من السماء سواء من عائدات البترول عموما في الدول الخليجية أو من ريع الحج والعمرة في السعودية، هُذرت دون أية استراتيجية تُذكر في الليالي الحمراء في الغرب لبدو تهيأ لهم بأنهم أمراء وملوك، متناسين غُبار رمال الصحراء وامتطائهم للإبل من جهة، ولدفع العلاوات لسيدهم الغربي، وبالخصوص الأمريكي، لـ "يُثبت" أقدامهم في الرمال الهشة لممالكهم ومشايخهم وإماراتهم. أكثر من هذا دفعوا لأسيادهم من أجل الإقتتال فيما بينهم، على الرغم من أن كل الحروب بين العرب في القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين كانت تُقاد لأتفه الأسباب، بل جراء تخطيط يد خفية، ليست بالتأكيد يد الله، بل يد الشيطان. بعبارة واضحة، لم يكن للعرب على مر تاريخهم المعاصر أي مخطط وأي تخطيط وأية خطة ليصبحوا "شيئا" مهما في العالم، بقدر ما اقتصر تخطيطهم على محاربة بعضهم للبعض، وشراء همم بعضهم للبعض، والإسراع للإحتماء بعباءة الحماية الخارجية (الأمريكية بالخصوص).

 

إذا كانت الأموال العربية كانت تُصرف فيما مضى في الميادين التي ذكرناها بطريقة سرية، فإن السنين الأخيرة قد فضحت وعرت عن المستور، واتضح جليا بأن ملايير عائدات البترول والحج والعمرة تُقدّم للحماية الأمريكية، بتخطيط طويل الأمد ومحكم للصهيونية، التي تأخذ حصة الأسد منها، لأنها إذا لم تأخذ من ترامب نفسه، فإنها لا تقدم له أي شيئ، إلا وعد مؤازرته في الانتخابات القادمة، إذا قرر الترشح لرئاسة الولايات "الإسراميكية" القادمة. ذلك أن إسرائيل بوسائلها الخاصة نجحت أن يقدم لها ترامب أكثر بكثير مما كانت تنتظره، في الوقت الذي نجح فيه ترامب في حلب آل سعود والإمارات الخليجية بمقدار لم يكن يحلم به هو نفسه. ولعل الخدمة الوحيدة التي قدمها ترامب للشعوب العربية هي أنه عرى كليا على الوجه الحقيقي لكيفية صرف الأموال العربية ومطالبته الحكام العرب بالدفع العلني.

 

في اجتهادها لإرضاء آل صهيون والأمريكان عملت السعودية والبحرين والإمارات على تقديم القضية الفلسطينية كقربان، بل هدية لسيدهم الحامي، إرضاء للصهاينة، الذين سيتسلمون مفاتيح البيت الحرام والمدينة المنورة ومكة، بعدما تسلموا المفتاح السحري الذي سمح لهم باستعمار القدس من المدمنين على شرب بول البعير للتشافي من أمراض معينة، ناسين بأن أخطر مرض ابتلاهم الله به هو مرض وفيروس خيانتهم لله ورسوله والمسلمين أجمعين. وهنا أناشد كل من له بذرة غيرة على الإسلام أن يقاطع الحج والعمرة، لأن ريعهما يُصرف في تعبيد الطريق لاستلاء الصهاينة على المقدسات المسلمة في الجزيرة العربية، تحت ذريعة كون قبيلة خيبر وكل القبائل اليهودية في بداية الدعوة المحمدية هم أجدادهم ومن واجبهم استعادة أرض الأجداد. مقاطعة الحج والعمرة هو ثمن تقديم القدس والمسجد الأقصى وكل فلسطين هدية وقربان للصهاينة من طرف آل سعود والمصطفون في صفوفهم. وإذا لم يُقاطع المسلمون الحج والعمرة، فإن آل سعود، بإيعاز من الصهاينة والأمريكان، سيقطعون رقبة الإسلام، لأنه المشكل الحقيقي في وجه الإمبريالية الصهيونية-الأمريكية. فمن "تصدق"، تحت تهديد السيف، لن يتورع في "التصدق" بكل المقدسات الإسلامية، فللقدس نفس الأهمية التي لمكة وللمدينة المنورة عند المسلمين.

2018-05-15