دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ذكرى رحيل شهيد كان امة في رجل !!!....رامي الغف

 

 الرجال أنواع، رجل يعيش وينتهي بلا أثر يذكر، ورجل ينتهي بأثر محدود، ورجل ينتهي جسده ويتجاور بآثاره حدود الزمان والمكان، وهنالك بعض الرجال يتعدّى تأثيرهم دائرتهم الشخصية لينتقل إلى دوائر واسعة ذات أبعاد وأفق اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو فكرية أو ثقافية، وقد نشهد بعض المؤثّرين ممن برعوا في جانب واحد من الجوانب المذكورة، إلا أن المتابع بسعة إطلاعية وشمول لشخصية عبد العزيز شاهين” ابو علي ” الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الثلاثاء الموافق 28 /5 / 2013م، والذي تصادف هذه الأيام ذكرى وفاته الخامسة.

في هذه الايام تمر ذكرى رحيل ابو علي شاهين والتي لا نبالغ لو قلنا بانه كان شمسا ساطعه من شموس فلسطين التي آبت الا ان ترحل بدون الا وهي تاركة بصماتها الواضحة والتي لا يمكن ان ينكرها احد او يتجاوز عنها ومن قبل جميع اطياف ومكونات الشعب الفلسطيني، انها ذكرى رحيل رجلا كان وسيبقى في حياته وبعد رحيله صاحب مواقف خالدة يعرفها جميع من سار وعمل معه وتعاملوا ايضا، تعلموا منه لكونه كان ابا حكيما وقائدا متواضعا.

في هذه الذكرى العطره سنجد الشاهين منفرداً في الكثير من الصفات، كما يجتمع مع غيره في صفات أخرى، ومن تلك الصفات التي اختص بها  ” أبو علي ” أنه كان صاحب تأثير على مستوى تكوين مدرسة نوعية داخل التنظيم الفتحاوي، هذه المدرسة التي لم تقتصر على المنحى الفكري في الدروس التنظيمية والحركية، ولم تكن مختصرة في أبعاد سياسية أو اجتماعية أو عسكرية وحسب، وإنما كانت مدرسة شمولية في علميتها وسياسيتها واجتماعيتها وثقافيتها، وذات سمات متكاملة في كل تلك الأبعاد، أي إن تلك المدرسة الفتحاوية لها سمات عامّة تلحظها في مختلف الأبعاد التي تحرّكت خلالها.

إن الحديث عن ابو علي شاهين ليس حديثاً عن فترة تاريخية قصيرة، انتهت يوم رحيله عنّا، بل هو حديث عن تاريخ سيال تترابط فيه عناصر الماضي والحاضر لتمتد إلى المستقبل، فالعظماء هم الذين يصنعون التاريخ ويرسمون بأناملهم آفاق المستقبل مما يجعل تألقهم حاضرا دوما، ومنذ ان بدأ يعي الحياة حمل هموم ومتاعب أبناء شعبه ووضع كل ما يملك علمه وعمله وروحه ودمه في خدمة فلسطين والفلسطينين من اجل بناء فلسطين حره ديمقراطية انسانية تحترم الانسان وتقدس الحياة، وفعلا تقدم لمواجهة الصعاب والظلام والطغيان والإحتلال ومن خلفهم، لا يبالي وقع على الموت ام الموت وقع عليه ففي كلتا الحالتين هو المنتصر وهو الفائز وهكذا كان لصدقه ونزاهته واخلاصه وشجاعته وتحديه الذي لا يعرف اللين ولا المساومة ولا الخوف ولا المجاملة الدور الاول والرئيسي في تحرير الوطن الفلسطيني من براثن الإحتلال، وبعد انتهاء الجهاد الاصغر بدا في الجهاد الاكبر في بناء الوطن وفي خدمة أبناء شعبه، فكان اول خطوة يخطوها هي إستلامه حقيبة وزارة التموين بين الأعوام 1996-2003.

لقد كان تاريخ ابو علي شاهين، معركة حامية خاضها بقوة التحمل والصبر والاستقامة دون أن تستثيره نوازع الغضب والانتقام والضعف، فربح معركة التاريخ عندما رحل شامخاً لم يرض بالذل والخنوع، ولم يستسلم لأهواء الصفقات والمساومة والانتهازية، وهكذا فإن الإرادة الفردية تسطر ملحمة خالدة عندما تنتصر بموتها على أعدائها كما انتصر الشهيد الرمز ياسر عرفات.

إن ابو علي شاهين أصبح تاريخاً مميزاً كتبه بنفسه، ذلك أنه قد صنع مشروعاً إنسانيا شاملاً تتكامل فيه كل العناصر اللازمة لخلق حقبة زمنية مختلفة ومنتزعة من التاريخ الروتيني العادي، فشمولية مشروعه ذاتياً واجتماعياً وسياسياً وحضارياً هي التي توجب علينا كحملة أقلام أن نصفه بصانع التاريخ، لذلك فإننا عندما نقرأ التاريخ الإنساني ونستلهم منه العبر فإننا نقرأ في فترات زمنية معينة كان فيها لأفراد وأمم أداؤهم الإنساني الواضح والمؤثر، وقد كانت قوة إرادته تنبع من إيمانه العميق أولا بالله سبحانه وتعالى وقوة توكله الكبير عليه وعلى أبناء شعبه ثانيا، حتى كان هذا التوكل يتحول إلى شجاعة غريبة تتجاوز حسابات الخوف والمصلحة، إذ مع إحساسه بالتكليف الشرعي لأي قضية معينة كان هذا التكليف يتحول إلى موقف صلد لا يتنازل عنه في مطلق الأحوال، ومن خلال هذه الإرادة الكبيرة برزت عند ابو علي شاهين صفه تميز بهما على طول الطريق، وهي الثقة الكبيرة بالنفس وهي ثقة استوحاها من ثقته بالله عز وجل، حتى أن تطلعاته الكبيرة وطموحاته الواسعة كانت تدهش الكل الفلسطيني.

كان ابو علي شاهين رحمة الله، يجمع بين ثلاثة من العلوم ” الفكر والتظير التنظيمي والسياسية والفقيه بكافة الشؤون، وتراه مواظباً ومجداً في كافة المجالات بتميز وإبداع وإقتدار، وبالرغم من انشغالاته بالاونة الأخيرة بالشأن الوزاري، حيث أنيطت له حقيبة وزارة التموين في الحكومة الفلسطينية، كما ساهم وبصورة مستمرة في المؤتمرات والندوات الثقافية والفكرية والحوارات واللقاءات الجماهيرية، التي تناولت أغلبها هموم وشجون شعبنا الفلسطيني وقضيته المركزية، الى جانب هذا فإنه كان مهتماً ومبادراً في التقريب بين كافة ألوان الطيف السياسي والوطني والإسلامي الفلسطيني، وكان كثير الاهتمام بأحوال أبناء شعبه في مخيمات اللجوء وأوضاعهم، فكان يقوم بالنشاطات الاجتماعية ويزور المخيمات والمناطق ويلتقي بالجماهير ويقدم لهم ما يستطيع تقديمة من مساعدات ودعم.

لقد سلك ابو علي شاهين، طريق جهاده الشاق والطويل فضحى بكل نفيس، وشق أمواج المؤامرات وظلمة الفتن، فإعتقل وإبعد عن وطنه وتعرض مرات عديدة للاغتيال من قبل المخابرات الصهيونية، ورغم كل الصعوبات فقد رفع صوت فلسطين عاليا في المحافل العربية والدولية، وكان يرى ويؤسسس من خلال رسالته النضالية والوطنية التي كان ينادي بها دوما وخاصة على القيادة العليا للشعب الفلسطيني، أن يكون التغير والإصلاح منبثقاً من الشعب الفلسطيني لا من طرف اخر.

لقد أطل ابو علي شاهين وبعد وطأت رجلاه أرض الوطن، والإستقبال الكبير من قبل الجماهير الفلسطينية ومروره على المحافظات الجنوبية في قطاع غزة واحدةً تلوَ الأخرى، ويسلم عليهم ويهنيهم بعوده القيادة الفلسطينية بقيادة الرئيس ياسر عرفات، فألتفت حوله الجماهير وخاصة الشبيبة الفتحاوية، وبيده منهاج بناء دولة مؤسساتية رصينة، وقانون ودستور يجعل فلسطين تعيش بنعيم وإذدهار وتنمية، فكانت أصوات الجماهير تدوي دويا عظيما وهي تردد (يا شاهين يا شاهين يا فتحاوي يا عظيم) ورأى كل العالم استقبال وحب الجماهير له في باقي مدن وبلدات وحواري وأزقة قطاع غزة التي مررتّ بها في طريقه حتى وصوله مدينة رفح، وكيف ننسى المشهد الشبيبة الفتحاوية وهي ترافقه وتسانده وتشد من عضده، وهو القوي السديد برأيه وجهاده ومقاومته للاحتلال.

لا نغالي إذا قلنا أن الراحل ابو علي شاهين هو جذر نخيل فلسطيني أصيل أصالة النخل وقدمه، مدادً لكل المضحين والشرفاء والأحرار لهذا الوطن الجريح، واليوم، وفي ذكرى رحيله الثالثة لم يزل الشاهين حاضراً وأقرب من ذكرى، وما زال وجوده غضاً وحضوره طرياً وظله ندياً، وما زالت آثاره وأعماله وإنجازاته وعملياته عبقة بالفداء والإقدام، وإطروحاته وأفكاره ورسائله تتقلبها الأبصار وتتأملها العقول، وتستقطب أفكاره الآلاف من ابناء شعبنا، فلقد رحل أبو علي إلى رحمة ربه تعالى، وقد أدّى رسالته في الحياة وكان عظيماً بها، أمّا الآن فالتحديات أمامنا أكبر في بناء الدولة الفلسطينية المستقلة العتيده كما أراد الراحل الشهيد الشاهين.

لقد غاب ابو علي شاهين ليبقى شعبه على العهد والوعد سائرون حتى الإنتصار وتحقيق المراد، وروحه ترفرف بينهم في زمن علا صوت الإنقسام والفساد، لأنه الحاضر في زمن الغياب والمغيبين، وها هو صوته يناغم آذاننا (بالروح بالدم نفديك يا فلسطين) يرتفع كشلال ليضئ العتمة ويلغي التراجع والإنكسار، بممحاة الأمل والفرح والإصرار والتحدي لدى أبناء وبنات حركة فتح وفلسطين، وكل عزائنا إنا نرى الآن صورتك وصورة ياسر عرفات كل يوم في وجه وشخص شبيبتك وأشبالك وزهراتك أبناء فتح التي نرى من خلالهم كل الأمل والثقة بمستقبل زاهر لفلسطين.

أخي أبو علي شاهين أنت رحلت الى عالم الخلود حيث أحبتك ورفاقك وإخوتك ياسر عرفات وابو جهاد وأحمد ياسين وابو علي مصطفى وعمر القاسم وسليمان النجاب وابو العباس وعطايا ابو سمهدانه وثابت ثابت وعبد العزيز الرنتيسي وفتحي الشقاقي وفيصل الحسيني، وأنتما في جنات النعيم جزاء لكما بما قدمتما من فداء لفلسطين وجماهيرها، وسلام عليكما يوم ولدتما وسلام عليكما يوم استشهدتما وسلام عليكما يوم نلقاكم عند وجه العلي القدير تبعثون أحياء، وان لله وانا اليه راجعون.

*إعلامي وباحث سياسي

2018-06-02