دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
طالت طريق الانتصار يا شعب الجبارين ( 3) ....تميم منصور

 ليس من السهل حصر عوامل نكبة الشعب الفلسطيني بسبب واحد أو أكثر ، لكن مهما تعددت الأسباب يبقى أهمها فشل قيادة هذا الشعب إدارة معركة الصراع ، على امتداد عدة عقود .

يتفق الكثير من الباحثين بأن نكبة الشعب الفلسطيني توازي حجم أسبابها الكثيرة ، وهي تختلف عن نكبات مشابهة عانت منها شعوب أخرى ، كالشعب الأرمني والشعب الكردي والبوسني وغيرهم ، لكن غالبية هذه الشعوب نالت استقلالها ، فالأرمن نالوا استقلالهم بفضل الاتحاد السوفياتي وأصبح لهم دولة ذات سيادة، كذلك الشعب البوسني فقد نال استقلاله بفضل التدخل الدولي ، أما الشعب الفلسطيني فإن نكبته شاملة غطت كل مقوماته الجغرافية والاقتصادية والسياسية ، طالت النكبة كل شرائحه البشرية والإقليمية ، حتى أن من يعرفون بفلسطيني الداخل لم يسلموا من تبعات النكبة ، فهناك مئات الألوف من بينهم يعتبرون لاجئين في وطنهم ن مثل سكان قريتي اقرت وكفر برعم ، وعشرات القرى في المثلث والنقب والجليل .

شمولية نكبة الشعب الفلسطيني كونها أدت الى اقتلاع غالبية الشعب الفلسطيني من وطنه ، وكونها مستقطبة منذ بداية الصراع من قبل أنظمة عربية فاسدة ، لم تكن تملك ارادتها ، " فاقد الشيء لا يعطيه " هذه الميزات وغيرها ، ساهمت في إطالة طرق الحلول والغوص في وعورة التنازل وخضوع القضية لمزاج الحاكم العربي وحشر الشعب الفلسطيني بكامله في زوايا المقايضات ، وهذ ما كانت تسعى اليه الصهيونية ، الاعتماد على عامل الزمن ، حتى ينسى العرب أنفسهم وينسى العالم نكبة الشعب الفلسطيني . بفضل عامل الزمن الذي تجاوز السبعة عقود ، زاد عدد الأنظمة العربية المتساقطة أمام بوابات التطبيع من فوق الطاولة وتحتها ، بدأ في مصر ، الأردن ، منظمة التحرير ، المغرب وغالبية دويلات الخليج ، امتداد الزمن خلق عقليات جديدة عربية وعالمية ، كما أدى الى تغييب صورة وهوية واسم فلسطين وشعبها ، كاد العالم ان ينسى العلاقة بين الشعب الفلسطيني وارضه وحقه في الحرية والاستقلال ، خاصة بعد أن دخلت قضية هذا الشعب في متاهات ظلمة اللجوء ومتاهات تكرار المواعيد وعقد اللقاءات والمؤتمرات وقرارات الأمم المتحدة ، أما طريق المفاوضات فهي مآسي تُضاف الى ملفات حجر الرحى الذي يدور بقسوة فوق صدر القضية التي لم ينتج من طحنها إلا المزيد من الشقاء الفلسطيني وتجذير الاحتلال بمد جذوره الى كل مكان . أصبح الشعب الفلسطيني يدور حول نفسه داخل دهاليز الأمم المتحدة ، للحصول على المزيد من فتات الدعم الاقتصادي ، امتداد الزمن وإطالة الطريق 70 عاماً جعل لكل شريحة من شرائح الشعب الفلسطيني لغتها السياسية الخاصة ، وزاد من الانقسامات ، وأفرز قوى أصولية عنيدة مرتبطة بأجندات خارجية ، توجهها وتساهم في تحديد مصير الشعب الفلسطيني .

بسبب طيلة امد النكبة اصبح الشعب الفلسطيني كومة من الأسهم السياسية، اقتسمتهاالأنظمة العربية ، كل نظام عربي سمح لنفسه أن ينطق باسم هذا الشعب ، هناك أنظمة عربية ساهمت في وقوع النكبة ، حصلت على غنيمة من هذه النكبة من خلال قيامها بالعمل على طمس هوية الشعب الفلسطيني الوطنية ، وعملت على تغيير انتمائه الفلسطيني بالهوية الأردنية ، هذا ما كان يريده ملك الأردن عبد الله من النكبة ، كان ينتظر ان يقوم أبناء المدن الفلسطينية ، يافا ، اللد ، الرملة ، حيفا ، نابلس ، رام الله بنقل الحضارة الى الأردن ، وإقامة دولة حديثة ، وهذا ما حصل .

لم يعمل النظام الأردني على ابراز هوية القدس ، كمدينة هامة ، من تبعات النكبة ، ليس فقدان الشعب الفلسطيني أرضية ووطن فحسب ، بل أدت النكبة ايضاً الى تشتيت قيادته ، التي سبقت المهجرين الى الخارج ، ففي الفترة الواقعة ما بين عام 1949- 1965 لم يجد الشعب الفلسطيني من يتحدث باسمه ، انتقلت قضيته من بين أيادي ابناءه الى وسائل الاعلام العربية ، من اذاعات وتلفزة وصحافة ، أصبحت لكل دولة عربية لها فلسطينها الخاصة بها . يتحدث عن قضيتها بما يناسب مصلحة النظام فيها ، اصبح كل نظام عربي يزاود على النظام الآخر .

السعودية مثلاً اختارت احمد الشقيري قبل أن يصبح رئيساً لمنظمة التحرير ليكون مندوباً لها في الأمم المتحدة ، ولكي ينقل موقفها من قضية فلسطين ، كان الشقيري خطيباً مفوهاً ، أقام الدنيا ولم يقعدها وهو يتحدث عن فلسطين السعودية ، وهذا هو حال الأنظمة العربية ، فالاردن مثلاً اعتبر سيطرته على الضفة الغربية ، الطريق الوحيد للتحرير ، حاولت القيادات الفلسطينية التقليدية بعد النكبة لم شملها ، لكنها لم تجد أرضاً تقف فوقها ، لأن كل نظام عربي أراد تجيير هذه القيادة للحلول التي يختارها ، فكانت النتيجة انصهار هذه القيادة واختفائها عن الوجود .

صنع الأردن قيادة فلسطينية خاصة به من رموز تقليدية استسلامية ، وعقد مؤتمراً في مدينة اريحا ، أصدر هذا المؤتمر قرارات بدمج الضفة الغربية مع شرق الأردن ، واعتبر الفلسطينيين مواطنين أردنيين ، لهم نفس الحقوق اذا ركعوا للتاج الهاشمي ، وقد استقبلت إسرائيل هذه الخطوة بالترحيب ، لأنها كانت تعرف مسبقاً نوايا الملك عبد الله ، وهي العمل على اردنة اكبر عدد من أبناء الشعب الفلسطيني ليكون الأردن بديلاً لفلسطين .

اعتبر النظام في الأردن دمج الضفة الغربية مع الضفة الشرقية انجازا وطنياً ، واعتبره اول نواة لقيام وحدة عربية ، أخذ الاعلام الأردني يعزف طويلاً على وتر هذه المعزوفة التي تُسمى وحدة عربية ، ولولا قيام منظمة التحرير لبقي السيناريو على حاله . ( يتبع )

2018-06-12