دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الإسلام السياسي ونظام الشورى الإسلامي....كمال ازنيدر

الشورى الإسلامية أو نظام الشورى الإسلامي، مصدر فخر للمسلمين وواحد من أعظم إسهامات الإسلام السياسي في رقي الحضارة الإنسانية. ظهور هذا النظام في حقبة زمنية طغى فيها طابع السلطوية والديكتاتورية على أنظمة الحكم في العالم، سواء في بلاد الفرس أو الروم أو المغرب والهند والصين وبقية أرجاء المعمور، دليل على عظمة ما جاء به الإسلام وعلى تفوق الحضارة الإسلامية في مجال من أهم مجالات الحياة البشرية.

هذا النظام كسر مع النظم السلطوية والديكتاتورية التي لا تعرف لاحترام الإرادة الشعبية معنى ورد للشعب اعتباره ومنحه حريته وحقوقه التي سلبت منه في عهد الجاهلية وزمن أنظمة الحكم الاستبدادية. النظام هذا ساوى ما بين المواطنين ولم يفرق بين القيادة والبقية. الكل فيه أصبحوا سواسية. المواطن العادي لا يحس بنقص اتجاه القادة. وهؤلاء يعاملون البقية معاملة الند للند وليس معاملة السيد للعبد.

لكن وللأسف الشديد هذا التحرر وهاته المساواة لم يدوما طويلا ! فسرعان ما انقلب أمراء المؤمنين وفقهاء الأمة على المفهوم الحقيقي للشورى. حرفوه وابتدعوا مفاهيم جديدة تقصي المواطنين وتجعل الشورى حكرا على ما أسموه بأهل الحل والعقد.

عوض أن يعلموا الناس الإسلام كما هو، أصبحوا يعلمونهم إسلاما أعرج. يقولون لهم بأنهم مطالبون بإطاعة الحكام، ويخفون عنهم بأن الحكام ملزمون بمشاورتهم ومأمورون بعدم اتخاذ قرارات لا تتماشى مع إرادتهم.

ما قام به هؤلاء الأمراء والفقهاء عصف بكل ما جاء به الإسلام من مكتسبات سياسية للطبقة الشعبية وأعاد الأمة الإسلامية لأزمنة الجاهلية ونظم الحكم السلطوية والديكتاتورية. التحولات الفقهية والفكرية التي عرفها العالم الإسلامي بعد نهاية حكم الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم أجمعين) شوهت صورة الحكم الإسلامي وجعلت منه مرادفا للقمع و الاستبداد.

الله سبحانه وتعالى يقول في كتاب أحكامه : "فبما رحمة من الله لنت لهم. ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم. وشاورهم في الأمر. فإذا عزمت فتوكل على الله. إن الله يحب المتوكلين" الآية 159 من سورة آل عمران.

الإسلام لا يعطي أحدا، مهما علا شأنه في نظام الحكم الإسلامي، الحق في اتخاذ قرارات فردية أو جماعية لا ترقى إلى مستوى التعبير عن الإرادة الشعبية. هذا الدين يقول {أمرهم، شورى بينهم}. مخاطبا الحاكم الإسلامي، يقول آمرا {شاورهم في الأمر}. الحاكم، في الإسلام، لا يحق له سن سياسات وقوانين لا تتماشى مع الإرادة الشعبية كما لا يحق له إتخاذ قرارات من دون مشاورة الشعب.

أي نظام إسلامي لا يشاور الشعب ولا يحترم إرادته فهو نظام ديكتاتوري أو سلطوي لا يحمل من الإسلام سوى الإسم. إرادة الشعب، في الدين الإسلامي، إرادة مقدسة لا ينبغي لأحد المساس بها. حتى إذا ما أراد الشعب يوما أن يعيش في ظل حكم علماني فلا يحق لأحد أن يفرض عليه حكم الإسلام بالقوة.

الشعب، في الإسلام، مخير وليس مسير. المواطنين أناس أحرار في اختيار أفكارهم وعاداتهم وأحكامهم وليسوا عبيدا ملزمين باتباع ما يفتيه عليهم شخص أو فئة ما. الشعب، في الدين الإسلامي، هو سيد القرار. الله يقترح، لكن الشعب هو من يقرر بخصوص اتباعه أو رفضه لما إقترحه الله عليه.

يقول الخالق عز وجل في قرآنه الكريم : "فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر. إلا من تولى وكفر، فيعذبه الله العذاب الأكبر" الآيات 21 و 22 و 23 و 24 من سورة الغاشية. لكننا، ومع كامل الأسف، أمة كفرت بما جاء به القرآن و اتبعت ما تتلوه الشياطين على سنة محمد (صلوات الله عليه وسلامه)، فضلت وأساءت بضلالها لصورة الإسلام وسمعة أعظم خلق الله (عليه الصلاة والسلام).

1. الشورى الإسلامية، مختلف هيئاتها ومجالسها

الشورى، كما سبق وقيل، هي حكم الشعب بواسطة الشعب ومن أجل خدمة الشعب. هي نظام حكومي يتوسطه المواطنون ويضع السلطة في أيدي الشعب.

في هذه المنظومة الحكومية، تمنح للشعب فرصة ممارسة حقوقه بكل حرية (الحق في التصويت، الحق في الترشح للانتخابات، الحق في مراقبة عمل الحكومة، حرية التعبير، حرية الرأي، الحق في التجمع وحرية تكوين الجمعيات). الشعب هو من يقرر بعد أن يبدي كل مواطن رأيه... وقراراته تتخذ بناء على رأي غالبية الأصوات.

هذا النموذج المؤسساتي ينبني على :

- الاقتراع العام الذي يخول لجميع المواطنين، بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو صفتهم الاجتماعية أو المهنية، الحق في أن يكونوا ناخبين أو منتخبين ؛

- الاستفتاء، وهو مشاورة المواطنين بشأن موضوع أو قضية والذي يؤدي تصويت الأغلبية فيه إلى اعتماد أو رفض ما تم التصويت عليه.

نظام الشورى هو نظام مفتوح لجميع المواطنين، سواء كانوا مسلمين أم لا. هو نموذج حكومي يشجع المبادرة الشعبية التي تسمح للمواطنين بأن يقترحوا على ممثليهم اعتماد تدبير يتم تقديمه إلى كتلة الناخبين التي ستقول كلمتها النهائية بشأنه من خلال التصويت. هذا النموذج يسمح للشعب بممارسة السلطة بشكل مباشر والتسيير بشكل غير مباشر من خلال الممثلين المنتخبين الذين ينفذون القرارات الشعبية وإدارة الشؤون الحكومية نيابة عن الأمة بأسرها.

الشورى الإسلامية، تنظيم يتكون من ثلاث مجالس :

- مجالس المدينة ؛

- مجالس الجهة ؛

- مجلس الأمة.

مجالس المدينة :

تتكون دولة الإسلام من جهات مختلفة تتكون بدورها من عدة مدن. كل مدينة لديها مجلس يسمى "مجلس المدينة" يترأسه "والي المدينة" المنتخب من قبل ساكنة المدينة والمكلف بالسهر على حسن تسيير شؤون مدينته وعلى التطبيق الأمثل للقانون (القرآن الكريم) والتدابير المعتمدة من قبل المواطنين (مقتضيات الشورى).

مجالس الجهة :

كل جهة لديها مجلس يسمى "مجلس الجهة" يترأسه والي منتخب من بين "ولاة المدن" من قبل مواطني الجهة. ويهتم هذا الوالي بإدارة مجلسه والاشراف على التنفيذ السليم للقوانين والتوصيات الوطنية داخل الحيز الإقليمي للجهة الخاضعة لسلطته.

مجلس الأمة :

من بين ممثلي الجهات، ينتخب الشعب ممثل الأمة "خليفة المسلمين" الذي سيرأس مجلس الأمة ويكفل حسن إدارة دولة الإسلام والتنفيذ التام للقوانين والتوصيات المعترف بها من قبل الشعب على الصعيد الوطني.

كل مجلس من هؤلاء المجالس الثلاث يتكون من خمس لجن :

- اللجنة التشريعية ؛

- اللجنة التنفيذية ؛

- اللجنة القضائية ؛

- اللجنة التقنية ؛

- اللجنة التفتيشية.

- اللجنة التشريعية :

يرأسها رئيس المجلس وتتألف من جميع المواطنين الذين يتمثل دورهم في التصويت على التوصيات والميزانيات.

- اللجنة التنفيذية :

يرأسها رئيس المجلس، الذي له الحق في تشكيل أعضاء اللجنة الذين سيسهرون معه على تطبيق التوصيات وإدارة الشؤون التي تمس منطقة نفوذهم.

- اللجنة القضائية :

يرأسها رئيس المجلس، الذي يشكل بكل حرية فريقه القضائي الذي سيعمل معه على الإشراف على حسن تطبيق القوانين التي مصدرها الرب أو الشعب ومعاقبة المخالفين لها.

- اللجنة التقنية :

يرأسها رئيس المجلس وتتألف من جميع المواطنين الذين يتمثل دورهم في اقتراح التدابير والاستراتيجيات التي يرونها مفيدة وقادرة على المساهمة في الدفع بعجلة الأمة للأمام.

- اللجنة التفتيشية :

يرأسها رئيس المجلس وتتكون من جميع المواطنين الذين يعملون على مراقبة جميع الشؤون الوطنية ويحرصون على أن يتم تدبيرها بشكل يتماشى مع القوانين والتوصيات المعمول بها.

الشورى الإسلامية، نظام ديمقراطي أو ثيوقراطي ؟

كون أن نظام الشورى الإسلامي يتوافق مع الإرادة الشعبية لا يعني بشكل أوتوماتيكي أنه نظام ديمقراطي. هذا النموذج السياسي له العديد من النقاط المشتركة مع الديمقراطية. لكن، في جوهره، هو نظام ثيوقراطي.

في نظام الشورى الإسلامي، يحق للشعب اختيار حاكمه، مراقبة سياساته، وفصله في حالة عدم الرضا عن نتائجه، كما يتمتع بحرية التفكير والتعبير، إلى آخره. لكن كل هذه الحرية يجب أن تمارس في إطار احترام الإسلام.

في الديمقراطيات، يمكن للشعب أن يفعل ما يريد. أما في أنظمة الشورى الإسلامية، فلا. حريته السياسية لها حدود لا ينبغي تخطيها. على سبيل المثال يمكن للشعب في الديمقراطية إضفاء الشرعية على ممارسة الجنس خارج إطار الزواج كما يمكن أن يمنع تعدد الزاوج. أما في نظام الشورى الإسلامي، فلا يمكنه أن يحلل ما حرمه الله ويحرم ما أحله.

في الأنظمة الديمقراطية، الإرادة البشرية تعلو على الإرادة الإلهية. الشعب يفعل ما يريد. في ممارسته التشريعية، هو ليس ملزما بمراعاة التعاليم الربانية وعدم تخطي حدود الحرية التي يمنحها الله له. أما في أنظمة الشورى الإسلامية، الإرادة الإلهية تعلو على كل شيء. الشعوب لا يمكنها فعل كل ما تريد. حريتهم لها حدود إذ يجب أن تمارس في إطار احترام إملاءات الإسلام.

2. مكانة نبي الإسلام داخل نظام الشورى الإسلامية

لم يكن نظام الشورى الإسلامي في بداياته نظاما ديكتاتوريا. محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يكن أبدا ديكتاتورا لا يطبق إلا التوجيهات الإلهية ووجهات نظره الشخصية. في زمن حكمه، جزء من القوانين والسياسات كان مصدرها قرارات مواطني العالم الإسلامي. هم من كانوا يقررون، بعد التشاور، بشأن جميع المسائل العامة التي لم تكن جزءا من المواضيع التي تناولتها النصوص القرآنية.

الرسول (عليه الصلاة والسلام) لم يكن أبدا مشرعا. لم يكن له من الأمر شيء. خارج إطار ما تم تحديده من الخالق عز وجل، فقد كان مأمورا بعدم سن قوانين جديدة أو اتخاذ قرارات سياسية دون استشارة بقية مواطني العالم الإسلامي. يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبا محمد (صلى الله عليه وسلم) في كتاب أحكامه : "وشاورهم في الأمر. فإذا عزمت فتوكل على الله. إن الله يحب المتوكلين" الآية 159 من سورة آل عمران.

الشعب هو من كان يقرر بخصوص الأمور التي لم يتم ذكرها في القرآن الكريم. كل واحد من المواطنين يقوم بإبداء رأيه، والقرار النهائي يتخذ بناء على ما آل إليه التصويت. بمجرد ما يتم اتخاذ هذا القرار، يصادق الرسول عليه ويجعل منه قرارا عاما وملزما للجميع.

القرار الجماعي، بمجرد ما يتم تبنيه، لا يسمح لأحد بتجاهل ما جاء فيه. إحترامه وتطبيقه يصبحان واجبا على جميع المواطنين. جميع هؤلاء المواطنين مأمورون بمراعاة التوصيات والأحكام المعبرة عن إرادة الشعب بمجرد ما يتم اتخاذها والمصادقة عليها. يقول الرب جل وعلا في قرآنه الكريم : "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا" الآية 36 من سورة الأحزاب.

لكن بعد نهاية عهد الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم أجمعين)، انحرف نظام الشورى عن مساره. توقف عن كونه نظاما مفتوحا لجميع المواطنين، وأصبح نظاما محتكرا من أمراء المؤمنين الجدد وشيوخهم الذين لا يحملون من الإسلام سوى الإسم.

● توضيح حول الآحاديث

الحديث، كلمة عربية نعني بها الخطابات أو الأفعال التي ينسبها المسلمون إلى نبي الإسلام (عليه الصلاة والسلام). استطرادا، هو عبارة تحدد كل ما يتعلق بالسلوك والعادات النبوية، أو بعبارة أخرى السنة النبوية الشريفة.

هذه السنة النبوية الشريفة أو العادات النبوية هي مصدر تفسيري وتوضيحي للمصدر التشريعي "القرآن الكريم". هي نموذج يجب على المجتمع المسلم اتباعه والحرص على تقليده بشكل مثالي دون جعله مصدرا للتشريع أو منبعا من منابع القانون.

بعض فرائض وأخلاقيات الإسلام ذكرت بشكل موجز في الكتاب المقدس، والنبي (صلى الله عليه وسلم) فسرها وبينها للناس من خلال سنته النبوية الشريفة. هكذا كان الحال مع الصلاة وكذا طريقة أداء مناسك الحج على سبيل المثال. هذين الفريضتين من فرائض الإسلام، الله سبحانه وتعالى سنهما نظريا في كتاب ذكره وأحكامه (القرآن الكريم) ومحمد (عليه الصلاة والسلام) علمنا كيف نؤديهما من خلال التطبيق والممارسة.

نفس الشيء بالنسبة للحكمة النبوية. هذه الحكمة، التي نقصد بها مجموعة من الملاحظات والنصائح النيرة والحميدة التي تم الإعراب عنها في شكل أمثال، مقولات أو خطب من قبل الرسول (صلى الله عليه وسلم)، هي كذلك مستوحاة من النصوص القرآنية. مفاهيم نظرية مثل الصبر والتقوى والإخلاص، وما إلى ذلك، أشير إليها باختصار في كتاب الله عز وجل، ومحمد (عليه الصلاة والسلام) طورها وعالجها بشكل مفصل في أحاديثه.

الأحاديث النبوية الشريفة، سواء كانت مصدرا للسنة أو الحكمة، لا ينبغي اعتبارها مصدرا من مصادر القانون. فلم يكن للرسول نصيب في الوحي الإلهي. وبصفته كرئيس دولة، لم يكن له الحق في اتخاذ قرارات أو سن قوانين وسياسات تتعارض مع إرادة الشعب.

3. دور الخليفة أو أمير المؤمنين

الخليفة هو مسؤول معين من قبل مواطني العالم الإسلامي. كونه خادما لهذا العالم ومدافعا عن تشريعاته، فمن أدواره ومهامه ضمان التنفيذ السليم للقوانين والسياسات والقرارات والتعاليم المعتمدة من قبل الأمة أو الشعب.

يمكن للمواطنين في العالم الإسلامي أن يرسموا سياسات عالمهم وأن يسنوا قسطا من قوانين تنظيماتهم بشكل لا يتعارض مع نصوص القرآن الكريم ويهدف إلى تحقيق السعادة والتقدم والأمن لمواطني مجتمع الإسلام.

هذه السياسات والمراسيم والقوانين هي تعبير عن الإرادة العامة للأمة. يتم التعبير عنها من قبل المواطنين أنفسهم وفقا لأعراف ممارسة الاستفتاء... بالتالي فهي نتاج غالبية الأصوات.

بمجرد أن يتم التصويت لصالحها، يتم التأشير عليها وإعطائها طابع الرسمية من قبل الخليفة أو أمير المؤمنين، الذي بموجب هذه الممارسة، يعترف بصحة التصويت ويصادق عليه وكذا يجعل هذه السياسات والمراسيم والقوانين المصوت عليها عامة وملزمة للجميع.

مهما كانت الأحوال، لا ينبغي لأحد أن يتجاهل السياسات الرسمية والتوجهات المعتمدة. إن احترام وتطبيق هذه السياسات والمراسيم وكذا القوانين واجب على كل مواطن في العالم الإسلامي.

دور الخليفة لا يقتصر فقط على إضفاء الطابع الرسمي على السياسات والمصادقة على قرارات الأمة. هذا الموظف السامي للأمة يجب عليه أيضا أن يراقب تطبيق كل ما تم سنه ويحرص على أن يتم تطبيقه بشكل سليم، وإلا فسيكون مصيره أن يعزل أو يعاقب بسبب التقصير في أدائه لمهامه أو انتهاكه للقوانين.

كمال ازنيدر

(*) كاتب مغربي فرنكوفوني. مؤلف كتابي "الإسلام، أجمل ديانة في العالم" (2014) و "الإسلام السياسي، الإرهاب والسلطوية... صلة حقيقية أم وهمية" (2017).

2018-06-17