دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
طالت طريق الانتصار أمام شعب الجبارين (4 ) الحلقة الأخيرة ....تميم منصور

 في الفترة الزمنية الواقعة ما بين 1949 - 1965 استسلم الشعب الفلسطيني لقدره الجديد ، الذي انتزعه من وطنه وحوله الى شعب ضائع تائه، لا قيادة له ولا عنوان ، ولا جغرافية أو أرض ثابتة يقف فوقها كي يلتقط أنفاسه على الأقل من صدمة النكبة والهزائم التي سببتها له قيادته ومعها الأنظمة العربية . أمام هذا المشهد المؤلم الرهيب ، بدا كل فلسطيني يفتش له عن حاضر ومستقبل خارج وطنه ، ومن الفلسطينيين من اضطر للاندماج داخل المجتمعات العربية ، التي رحبت بهم في البداية ، ومن باب الشفقة الرحمة ، وظنت هذه المجتمعات ان وجود الفلسطينيين مؤقتاً ، لأن الاعلام العربي كان يتوعد ، وان جيوش التحرير قادمة ، وعليه قررت الأنظمة العربية الاستمرار في محاصرة اللاجئين في غيتوات ضيقة ، محاطة بالأسلاك الشائكة وقوات الدرك، ليس حفاظاً على الحقوق الفلسطينية ، ولكن خوفاً من حدوث خلل في الميزان السكاني القومي والطائفي والديمغرافي كما حدث في لبنان والكويت والسعودية ، في الكويت ابتكروا هوية جديدة لم تعرف في أي دولة في العالم ، وهي جنسية البدون ، وفي لبنان في ظل الصراع الطائفي حوصرت مخيمات اللاجئين ولا زالت محاصرة ، ومنع اللاجئين من ممارسة العديد من الأعمال والمهن المختلفة ، هذا الحصار ضاعف من صور المعاناة ، هناك دولة وحيدة حاولت ان تحافظ على الهوية الفلسطينية داخل بقعة صغيرة من أرض فلسطين ، هذه الدولة هي مصر بقيادة جمال عبد الناصر، هو الزعيم العربي الوحيد الذي لم يحاول أن يحقق مكاسب مادية أو سياسية أو إقليمية على حسب الشعب الفلسطيني ، لكن هناك من اعتبر سياسة التشدد من قبل النظام في مصر حصاراً خانقاً على قطاع غزة ، أدى الى زيادة الفقر والجوع والبطالة ، وقد نتج عن ذلك تحويل عشرات الألاف من الغزيين الى لاجئين جدد داخل الأقطار العربية ودول فيما وراء البحار، مثل استراليا وكندا وامريكا الجنوبية وغيرها .

لا أحد ينكر بأن فترة الشتات والضياع السياسي للفلسطينيين قد انتهت في عام 1964 – 1965 عندما نهضت قيادات فلسطينية من بين صخور الهزيمة ، ولكن داخل تراب الهموم واليأس والقهر والمهانة ، لم تعد المجتمعات العربية بغالبيتها تتحمل وعود الأنظمة العربية الكاذبة بإعادة اللاجئين ، وأدرك الشعب الفلسطيني بأن طرق العودة تزداد وعورة ، خاصة بعد أن أصبحت فلسطين وشعبها شماعة تعلق الأنظمة العربية عليها خلافاتها ، ومن أجلها وباسمها تتكرر الانقلابات العسكرية ، خاصة في العراق وسوريا . هذه الأسباب وغيرها ، ومن أجل إعادة ذاكرة الفلسطينيين ، وتقوية ثوابت الهوية ، وتعميق التجذر في الوطن ، نهضت قيادات فلسطينية من سباتها، ونفضت عنها غبار الذل والمهانة والتبعية والاتكالية ، أول من دعم هذه الوثبة والانتفاضة السياسية النظام الوطني في مصر ، فقد وقف وراء مشروع اقامة منظمة سياسية ، عسكرية كي تتحدث باسم الشعب الفلسطيني ، بدلاً ممن وكلوا أنفسهم وصايا على هذا الشعب .

ان اجيالنا الشابة تجهل هذه الحقائق ، ومناهج التدريس في إسرائيل وفي غالبية الأقطار العربية تتجاهل هذه القفزة النوعية من تاريخ الشعب الفلسطيني، لأن قيام منظمة التحرير الفلسطينية ، والاعلان عن قيام حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، هما بداية مرحلة جديدة من حياة الشعب الفلسطيني ، لأن الهدف الرئيسي من هذه الخطوة الحاسمة ، كان ولا يزال انتزاع القرارات السياسية التي تخص الوطنية الفلسطينية من الأنظمة العربية .

ان إقامة منظمة التحرير الفلسطينية ، رغم أنه كان في الشتات خطوة هامة وحاسمة ساعدت على وحدة الصف لدى الشعب الفلسطيني ، وعمقت انتماء الأجيال التي نزحت وهي محمولة فوق الاكتاف وفي البطون ، والاجيال التي ولدت في مخيمات اللاجئين ، بين جدران الصفيح والاخشاب التي أكلها سوس الانتظار. " ومن فمك أدينك " باعتراف قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب المعروف باسم " مخون شلوح" מכון שלוח ان منظمة التحرير اعادت للشعب الفلسطيني هيبته وشخصيته الوطنية ، ساهمت في عودة قضيته العادلة الى مؤسسات الأمم المتحدة ، فقد تضاعفت الأصوات العالمية التي أخذت نطالب بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية .

بفضل منظمة التحرير وأذرعها العسكرية لم تعد قضية الشعب الفلسطيني قضية لاجئين ، بل قضية عودة واستقلال وتحرير ، من بين الإنجازات الهامة التي حققتها منظمة التحرير اعتراف الأنظمة العربية بما فيها الأردن بأنها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، وقد استوعبت منظمة التحرير آلاف من الكوادر الاكاديمية من بين الفلسطينيين ،لأن المردود الإيجابي للنكبة ، هو خيار التعليم الاكاديمي لدى الفلسطينيين. بفضل التعليم حافظوا على الهوية الفلسطينية ومنع الانحلال والاندماج ، وفقدان الانتماء الوطني، بفضل التعليم لم يفقدوا ذاكرتهم القومية والوطنية ، وسجلوا أرقاماً عالياً في السعي لاختراق مجال التعليم الاكاديمي في جميع الدول العربية والدول الغربية، حتى أصبحوا مصدرين للعلم والثقافة في الدول العربية وإدارة مدراسها ومعاهدها العلمية .

لقد قادت منظمة التحرير نضال الشعب الفلسطيني منذ اقامتها حتى التوقيع على اتفاق أوسلو عام 1993 ، تخلل هذا المشوار نجاحاً باهرا واخفاقات كثيرة ، تعود أسبابها الى القيادات الفلسطينية ذاتها ، فقد حدثت انقسامات وانشقاقات ، مما أدى الى فتح أبواباً جديدة للتدخل من قبل الأنظمة العربية . هذه الانقسامات أدت الى تباين في المواقف وطرق وأساليب المقاومة ، كانت نتيجتها الاصطدام مع بعض الأنظمة العربية ، ونتج عن هذا الاصطدام كوارث ، مثل أيلول الأسود ن والمواجهة مع مصر عام 1970 ، حول مشروع روجرز ، والحرب الأهلية اللبنانية والخروج من بيروت عام 1982 .

تجاوز الفلسطينيون نكسة 1967 وحرب 1973 ، فلم تهبط عزائمهم ، بل اعادوا تنظيم انفسهم من جديد ، كما استمروا في نجاحاتهم السياسية خلال مؤتمرات القمة العربية ، وفي المحافل الدولية ، الى درجة ان عدد الدول في العالم التي كانت تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية تفوق عدد الدول التي تعترف بإسرائيل ، لكن ما كسر ظهر الفلسطينيين عامة وقياداتهم السياسية سقوط السادات في فخ المؤامرة الامريكية وعقد اتفاقية كامب ديفيد ، لكن الفلسطينيين وقعوا في ذات المصيدة عندما وجدوا انفسهم يعترفون بوجود إسرائيل قبل ان تعترف إسرائيل بحقهم في الحرية والاستقلال عام 1993، أو بما عرف باتفاق أوسلو اللعين .

2018-06-18