دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الرجاء عدم الإزعاج نحن في غرف الإنعاش ....الطاهر العبيدي

متثاقلون، متعبون، نائمون أمام الشاشات متفرّجون… متقوقعون، عاطلون، مزدحمون في الثكنات متكدّسون… متواكلون، متثائبون في المقاهي كالذباب متحلقون… هائمون، قانعون في كسلنا خالدون… منسحبون، مستقيلون في هزائمنا راسبون…

أنحن خير أمّة أخرجت للناس؟!

متنازلون، صامتون تحت ركام الهوان مختفون… متهاوون، متساقطون كأوراق الشجر متناثرون…
أنحن خير أمّة أخرجت للناس؟!

مغيّبون، متوارون، ذاهلون في التفاهات خالدون…متسامرون متهالكون في شغلنا عاطلون… متفوّقون، بارعون نحسن فنّ الخطابة وفنّ الكلام وفي الخطب غارقون عاطفيون، متشنّجون نعشق التحاليل وتشابك الألفاظ، ونعشق الكلام المعسول.

أنحن خير أمّة أخرجت للناس؟!

متنازعون، متنافرون، متناثرون ولأتفه الأشياء نحن متقاتلون… صامتون، عاجزون في نفايات التاريخ نحن غائصون… متكئون، قانعون وفي ربيع العمر نحن متقاعدون…

أنحن خير أمّة أخرجت للناس؟!

متقاعسون، غافلون أمام القهر والذلّ واجمون… هائمون، ضائعون وخلف السراب نحن سائرون… ناقمون عاجزون وبالمصير اليابس نحن قانعون…

أنحن خير أمّة أخرجت للناس؟!

متقوقعون، جامدون لا تحرّكنا الهزائم ولا المصائب ولا اللطم في العيون… جالسون، قابعون نمضغ الهوان، نمضغ المؤتمرات والقمم، نلوك الفصول والبنود، وقرارات مجلس الحمم، نجترّ التاريخ نسبّ أنفسنا ونلعن قدرنا ونترقب النصر المبين…

أنحن خير أمّة أخرجت للناس؟!

غائبون، قانتون، خاشعون وأمام لحظات اليقظة نحن غافلون… ضائعون، تائهون، غاضبون ومن مواجهة أنفسنا نحن هاربون…

أنحن خير أمّة أخرجت للناس؟!

يا طيور الأبابيل، لا تنتظري قدومنا، فنحن "ثوّار" في مواقعنا قاعدون، لا تترقّبي مجيئنا، فسفننا معطّلة وقواربنا معطوبة، وقدومنا إليك يتعارض مع المنطق والمعقول…

يا صقور التاريخ، تحمّلوا القصف بالنيابة عنّا، فإن انتصرتم فسنكتب عنكم ألف قصة وقصة، ومليون قصيد، ونكتب عنكم مئات التحاليل، ونفتح المذياع عاليا ونهديكم كلّ أغاني الثورة وأنشودة "عائدون"… وإن هزمتم فأيضا سنرتزق من جنائزكم، ونستثمر صوركم في اللافتات في المسيرات، في المظاهرات في التجمّعات، ونقول عنكم أنكم أبطال خالدون ونحن أيضا مناضلون…

 

يا أطفال التحدي وجيل البطولات، لا تترقّبوا كثيرا قدومنا، فنحن هنا صامدون… لا تنسحبوا سنشدّ على أياديكم، بالربابة والطبل والدبكة والمواويل…

يا أهالي غزة المرابطون وكل المخيمات المعطوبة، لا تنتظروا سيوفنا، لا تنتظروا دروعنا، لا تنتظروا خيولنا، فكلّ أشياءنا أصابها الصدأ والطاعون…

يا أسرى المخيمات وأشبال جنين، لا تغضبوا من عدم مجيئنا، فنحن "ثوّار في مواقعنا قاعدون" … سقط الشرف وتهدّم فوق رؤوسنا الزمن وبغصن الزيتون نحن ممسكون… تهاوت الكرامة والمروءة ونحن على غصن الزيتون قابضون…

يا شباب التاريخ، لا تطلبوا منّا المستحيل فنحن نكتب عنكم في الصحافة ثغاء يشبه المقال يشبه التحليل يشبه العنوان ويشبه الهباء المنثور، ونحصي في التلفاز أمواتكم، ونتفرّج على ذبحكم كما تتفرج الملايين… ونتمايل طربا مع أغنية "الشعب العربي وين…"

يا شباب فلسطين، لا تنقبوا كثيرا في أسباب صمتنا، فمنذ عهود أصابنا الصمت والسكون…

يا تلك الطيور النازفة، لا تطلبي منّا التبرّع بالدّم، فما عاد عندنا دم يصلح أن يكون، فدمنا لا ينفعكم بل يصيبكم بالرمد في العيون…

يا شباب غزة، يا شباب العزّة والمستحيل، موتوا بالنيابة عنّا، احترقوا في السجون، فأنتم صغار تكرهون الحياة والعيش الذليل، ونحن مسنّون نكره رائحة الموت ووحشة القبور… أنتم صغار تعشقون التمرّد وصحوة الضمير، ونحن عجائز وشيوخ نعشق الحياة نعشق الموائد والصحون، نعشق الأرصدة والبنوك والمكاتب والنعيم، نعشق الهدوء والكلام والسرير، ونعشق السهرات الليلية والرقص بالبطون…

 

يا أطفال الكرامة والصمود، اعبروا ليل صمتنا وصحراء السكون، اقتحموا ذلنا، ولا تترقبوا منّا المساعدة، فحوّاسنا تحجّرت منذ زمن طويل، وقلوبنا تشبه الأحجار وتشبه الصخور…

 

يا شباب زمن الجحيم، "اذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا إنّا هنا وهناك منتظرون" إذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا إنّا هنا وهناك قاعدون"، دافعوا بالنيابة عنّا استشهدوا بالنيابة عنا، موتوا بالنيابة عنّا فأعمارنا نحن لا تهون…

 

يا طيور الأبابيل، لا تغضبي من انسحابنا، إننا نتابع مأساتكم، وندعمكم عبر الصورة وعبر الأثير، ونقاسمكم الوجع بالهتاف والشعارات والعيون…

 

يا تلك الطيور، لا تعتبي على صمتنا فما أن ولدنا تمّ ختان اللسان والعيون…

 

يا فلسطين الشتات لا تبحثي كثيرا في أحوالنا، إننا "ثوّار" في مواقعنا جامدون، جنود في أماكننا قابعون… يا شباب حيفا وأطفال غزة والخليل وسلوان وطولكرم ويا حجارة بيت لحم والمخيمات العطشي، ويا كل تلك المدن المضطربة المشتعلة زمن القهر واللهيب،… لا تنتظروا قدومنا، فسيأتي دورنا بعد حين وسنقصف كما تقصف الفئران في الجحور… سيأتي دورنا وسنخنق كما تخنق الطيور في الغدير، سيأتي دورنا وسننحر كما تنحر النوق وكما تنحر البعير…

الطاهر العبيدي ̸ مؤسس ومدير المركز الدولي للتواصل الإنساني ̸  باريس

2018-06-18