دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حوار بلا رقيب مع الكاتب التونسي 'مراد العوني العبيدي'

حاورته- سامية حجري

مندوبة المركز الدولي للتواصل الإنساني- فرع تونس

"مراد العوني العبيدي" كاتب من مدينة "السرس" بمحافظة "الكاف" التونسية، سُجن خلال عهد "بن علي" بتهمة الانتماء لحركة "النهضة"، بعد خروجه من السجن أصدر كتابين: "مضايا صراع الذاكرة والجدار" و"ماركوندا أو احتمالات سجين سياسي"، الذي سجّل فيهما مشاهداته ومعاناته ومآسي رفاقه في المحنة، بين سجون قمع نظام متسلط حاول تدمير معارضيه، عبر أشكال متعدّدة من التشفي والظلم والتعذيب، تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان
مندوبة "المركز الدولي للتواصل الإنساني" في تونس العاصمة، الآنسة سامية حجري أجرت معه هذا الحوار

أين يمكن تصنيف كتاباتك، هل هي ضمن ما يعرف بأدب السجون، أم مذكرات ذاتية، أم ما يطلق عليه أدب السياسة ؟

في البداية أتوجه لكم بالشكر على هذه المبادرة ومن خلالك كمندوبة للمركز الدولي للتواصل الإنساني بباريس أرسل برقية شكر لهذه المؤسسة الثقافية الهامّة، التي ساهمت وتساهم في التعريف بعديد الكتّاب والكتابات من تونس والوطن العربي..

تجربة الكتابة كانت إلحاحا فيه الذاتي وفيه ما هو همّا وطنيا. وقضية وجب التعريف بها وإنارة الرأي العام من خلالها، في الحقيقة ما أكتبه لا يمكن تصنيفه ضمن أدب السجون، بل أفضل أن يكون تصنيفه تسميته "أدب الحرية"  أو "الروايات التسجيلية"، وهي تجربة تجمع بين الذاتي الناطق عن الجمع وأدب السياسة، أو "أدب التحوّلات المجتمعية" بعد الثورات..

الملاحظ أن أسلوبك في الكتابة يمزج بين الفصحى والعامية، فهل هذا المزج هو اضطراراً أم استعارة أم عجزا في توصيل المعاني؟

النص الأدبي هو كائن ينطلق للحياة بمواصفاته التي تعلن عن محتواه، أحيانا لا يمكن أن يعلن عن عمقه إلا من خلال مفرداته العامية، لأنه لا يمكن مقاربتها مع الفصحى، ولا يمكن للفصحى بفصاحتها أن تكون ناطقة عن الوجع الذي تحمله بعض الفصول. ناهيك عن بعض المفردات السجنية التي لا يمكن تحويلها، لأنها اكتسبت صفة ثابتة في التعبير والدلالة، وقد كانت تجربة المزج بين العامية والفصحى أثرا للدلالة عن عمق الرسالة. فالمجتمع التونسي عامّة ناطقا بالعامّية، وبعض هذه الفصول من إصداري الأول "مضايا"، كانت ضرورة لنقل الرسالة، أو الشهادة  للقارئ كما هي أو كما أرادها صاحبها. لأن أغلبها شهادات مسجلة وموثقة، سواء بالتصريح أو الكتابة أو الرواية المعلنة بالتداول..

بمن تأثرت من الكتاب الذين تراهم تركوا بصمات على أسلوبك، وخصوصا من كانوا يمثلون مدارس في أدب السجون؟

الكتّاب الذين تركوا بصمة واضحة في طريقة كتاباتي والتي وصفها البعض بالكتابة الإخراجية، أو الكتابة التي تقارب السيناريو، وتقود القارئ إلى عيش تفاصيل الأحداث، وربما تخيّل الأمكنة والأزمنة، هو "جرجي زيدان" من خلال سلسلته القصصية والتي كانت محلّ اهتمامي في الطفولة. بعد ذلك كانت لي فرصة الاطلاع على مجموعة مدن الملح "لعبد الرحمان منيف".. كذلك كانت لي مصافحة مع رواية موسم "الهجرة للشمال" "للطيب صالح"، وغادة السمّان، يوسف إدريس، أحلام مستغانمي، دوستويفسكي- ليو تولستوي- تشارلز ديكنز- فيكتور هيقو وغيرهم...

كما أنّ لوالدي دور كبير من خلال أحجياته وروايته الشفوية. فقد كان حاذقا لفن الرواية قادرا على شدّ الانتباه من خلال السرد والاستطراد والتصعيد في الأحداث وانفراجها، قادرا على تصوير الأمكنة بطريقة تجعل السامع يفتح نافذة للخيال، وتصوّر المشهد في الواقع. فكان أثره عميقا وتجلى ذلك  خصوصا من خلال روايتي الجديدة "ماركوند"..

في بعض كتاباتك تتجلى العلاقة الخفية أحياناً والعلنية أحياناً أخرى، بين السياسي والمقدّس، ضمن شحن شخصيّاتك الروائية، فكيف ينظر "مراد" إلى مثل هذا التشابك؟

العلاقة هي علاقة جدلية من دونها لا يمكن نحت الأحداث وسردها، ولا تخيّل إطارها. فالمقدّس مثل الروح للشخصيات، والسياسي مثل الثوب للمقدّس، والفصل بينهما ينهي حقبة كاملة من المواجهة بين النظام والمعارضة في تونس،  لكن يبقى المستقبل محكوما بمدى تخفيض هذا الشحن، لأن الإفراط فيه منهك لكل القوى المتنافسة، ولا يمكن من خلال العناوين الإيديولوجية بناء تواصل بين القوى السياسية الوطنية التي تحتاج اليوم فتح أفاق للتحاور، ويبقى الأدب وفن الرواية مجال هام للتأسيس لمثل هذا التقارب الإنساني والوطني، بين أبناء الوطن على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية وحتى الدينية. فتونس اليوم من خلال بعدها الحضاري ومن خلال البند الأول من الدستور دولة عربية دينها الإسلام، بيد أن واقعها الديني غير المعلن يتشكل من عديد الديانات منها الإسلام والمسيحية الناشئة بين الشباب واليهودية المتواجدة في بعض الأماكن، والبهائية وهي طائفة دينية تتحسّس طريقها للبروز ولها دعم عبر بعض مراكز القوى  الخفية، إضافة إلى عديد الفرق الدينية وان كانت تحت عنوان الإسلام، لكنها متباينة ومختلفة من حيث التوجهات والرؤى والطروحات، وشكل الإجابة على بعض الإشكاليات المجتمعية والدينية...

الملاحظ أنك تختفي خلف شخصيّات روايتك، كي تؤرّخ لحياتك وحياة أسرتك وهموم رفاقك، فهل هو إنتاج تريده مطية لمراد من أجل لاستثمار في الحاضر، أو العبور من خلاله إلى التاريخ وتسجيل اسمك

الراوي أو ما اصطلح عليه بالراوي العليم هو من يقوم بخلق شخصيات روايته، ويقوم بتوزيع الحوار بينهم، من خلال الحوار الذي يدور داخله أو يسكنه. ويبحث له عن إجابة، والكاتب عموما لا يمكن أن يختفي، فهو الناطق عن شخصياته ومن خلالهم يبحث عن الحقيقة ومراجعة الذاكرة والأثر النضالي. فرسالتي تكمن من خلال إنطاق الشخصيات، وتناول المواضيع المسكوت عنها وإن كانت محرجة لبعض الجهات السياسية أو الفكرية. لأن الهدف من الكتابة عموما هو إنارة القارئ دون توظيف ما أكتب لاستمالته أو الإشهار لجهة بعينها. لأن الحقيقة اليوم يمكن أن تضيع في تفاصيل المساحيق والأقلام المأجورة، وواقعنا التونسي بحقباته المتعاقبة يحتاج منّا ذكر الحقيقة كما هي، من خلال الشخصيات والأحداث، ومن خلال المواقف والمحطات التاريخية.

ودورنا اليوم يكمن في إحراج أغلب الأطراف السياسية سواء كانت مناضلة أو منخرطة في القمع، حتى يخوضوا تجربة الاعتراف بالأخطاء قصد البناء. لأن التجارب أثبتت أن التونسي في العادة يتجنب مسار الإصلاح لتعقيداته، ويخيّر طيّ الصفحة دون معالجة آثارها واستتباعاتها، وهو ما يمكن أن يساهم في طمس تاريخ طويل، والأصل أن يكون البناء من خلاله فهو الأسلم والأقرب لتجنّب عودة الاستبداد. وتبقى شخصيات الرواية شخصيات واقعية، تحاكي تجربة العديد من التونسيين، سواء كانوا من الأسرة أو الرفاق في النضال. فالكاتب لا يمكن أن ينبتّ عن تاريخه، أو عن  شخوص الرواية، فهو في النهاية يحمل وجع الجمع في صيغة المفرد، وناطقا عن الجمع وإن كان مفردا..

أصدرت كتابين على نفقتك الخاصة، ما الداعي إلى الإصرار على النشر الذاتي، رغم ما لهذه العملية من خسائر مادية مرهقة؟

في الحقيقة واقع النشر في تونس معقّدا ولا تحكمه قوانين، وأغلب دور النشر تعاني إشكالات مادّية، وهو ما يجعل القائمين عليها في جانبها التجاري يفاوضون صاحب الكتاب على طرق تجعله مساهما في الطباعة، كوسيلة ليرى إصداره النور. وهو في الحقيقة شكل من الابتزاز السرّي، يخضع له من يخوض أولى تجاربه وهو ما حصل معي في بداية المشوار. حيث ساهمت مع الناشر في الكلفة بطريقة غير مباشرة باقتناء نسبة هامة من كتابي قبل الطباعة، إضافة إلى تمتيعي بنسبة مئوية من جملة النسخ التي وقع طباعتها حسب الاتفاق المكتوب، في حين تكون أغلب الحقوق ملكا للناشر، وهو ما جعلني انتهج مهمة الناشر الحر، مع إصداري الجديد "ماركوندا"، وكانت تجربة رائعة تعرفت من خلالها على المراحل التي يمرّ بها الكِتاب، إلى حين صدوره ليصبح كائنا حيا ناطقا.

عملية النشر والتكفل بجميع مراحلها وإن كانت مكلفة فهي ملحمة يعيشها الكاتب، ليرى إنتاجه النور لأن من يكتب لأجل قضية لا يمكن أن يكون في حسبانه الجانب التجاري بقدر ما يرنوا إلى انتشار أثره بين القرّاء. ليكون التفاعل إيجابيا مساهما في تغيير ثقافي وفكري وسياسي. وهي مهمّة صعبة والحمد لله لم أكن وحدي في هذا المضمار والمشوار، فوجود أصدقاء أوفياء آمنوا بما أكتب ذلل عديد الصعوبات، سواء كانت مادية أو فنية، ومن خلال هذا الحوار أؤكد على ضرورة إصدار قانون موحّد يضمن حق الكاتب والناشر، لأن ما نرصده اليوم من خلال التعامل السائد بين دور النشر والكُتّاب، هو قانون وضعي لا يؤسس لمستقبل الكِتاب أو الكُتّاب في تونس، ووزارة الثقافة معنية اليوم بإصدار قانون موحّد للنشر يساهم في ضمان الحقوق.

ما هي مشاريعك المستقبلية، وهل ستواصل في تتبع آثار المساجين السياسيين، أم ستتجه إلى منحى أخر في الكتابة؟

الكتابة هي كائن يسكن الكاتب، وتضل القصّة تختمر داخله إلى أن تتحوّل إلى نص. ويضل أثر الماضي راسخا سواء كان أثرا عايشه الكاتب أو من خلال محيطه السياسي والنضالي القريب، وهو جانب من مرحلة فرضت نفسها وأحداثها وجب أن تذكر، وهي تأسيس لما بعدها. لأنه لا يمكن أن نكتب عن واقع  مزهر دون المرور بمراحل الخريف والشتاء, والكاتب عموما هو كائن متأثرا بالواقع، ملامسا له لا يمكن أن يكون خارج سياقه، وإن كانت أدواته تؤسّس لتجاوزه  فالكاتب لا يطرح حلولا بقدر ما يؤشر على المخاطر، وهو من يصنع حوارا داخل القارئ  يقوده  للحلول، من خلال مواقف بعض الشخصيات سواء كانت بالإعلان أو الإيحاء. بخصوص اختيار منحى آخر من الكتابة فالأحداث التي يعيشها الوطن هي الدافع الأول لتحويلها إلى نص روائي، من خلال تفاعلها في داخلي...

بخصوص المشاريع المستقبلية سأعمل على ترجمة إصداري الجديد "ماركوندا" إلى اللغة الانكليزية والفرنسية، لأن امتلاكي لجميع الحقوق يسمح لي بخوض هذه التجربة، والتواصل مع مراكز الترجمة لتحقيق هذا الحلم، كما تسكنني رغبة في البحث عن جهة سينمائية أو تلفزيونية تحوّل روايتي لعمل مرئي، لأن التكامل بين الرواية والسينما أو الأعمال التلفزيونية، مهم في التوثيق وإثراء المشهد الثقافي..

. يولي "المركز الدولي للتواصل الإنساني" في باريس الاهتمام بإنتاجك الأدبي، كما ساعد ويساعد العديد من المبدعين الشباب العرب في مختلف الميادين، ويحتضن كل الطاقات والكفاءات النيرة، كيف تنظر لهذا الدور؟

التجربة مع "المركز الدولي للتواصل الإنساني بباريس" كانت رائعة، وكانت أولى جسور التواصل من خلال السيد "منصف بوسحاقي"، الذي بادر بإيصال إصداري الأول "مضايا صراع الذاكرة والجدار" إلى الصحفي والكاتب السيد "الطاهر العبيدي" مؤسس المركز ورئيسه. وكانت البداية بحوار عنوانه "تلميذ تونسي يعترف أمام الجميع" وقد تمّ نشر المقابلة، وهو ما ساهم في إشهار الكتاب، والتعريف بالقضية المراد إبلاغها من خلاله، وكانت لأعضاء "المركز الدولي للتواصل الإنساني" مقالات عديدة منها الفني ومنها النقدي ومنها من اهتم بالقضايا، اذكر منها مقالا للسيد "جوزيف غطاس كرم" بعنوان "قراءة من خلف الأفكار الموصدة"، إضافة لذلك صدر مقالا بعنوان" غليان في حجم الغضب " للدكتورة "نسرين حداد "، ومقالا للدكتور "ناجي عقل" بعنوان"أدب السجون أم أدب المحن؟".. وأمام هذا الحرص والعناية من طرف أعضاء المركز الدولي للتواصل الإنساني في النشر على مراحل واختيارات زمنية مدروسة، استطاع كتابي الأول "مضايا صراع الذاكرة والجدار" الانتشار وأصبح مطلب القرّاء من جميع الأطياف السياسية والفكرية. وهو ما دفع عديد النقاد إلى دراسته والكتابة من خلال أثرها الإنساني والتوثيقي،

فقد استطاع "المركز الدولي للتواصل الإنساني" ومن خلال أعضائه الذين يسكنهم البعد الثقافي والإنساني، إلى بناء جسور تواصل بوبتهم مكانة هامة في المشهد الثقافي، من خلال عديد المقالات وهو ما نفتقر إليه داخل الساحة الثقافية التونسية. "فالمركز الدولي للتواصل الإنساني بباريس" استطاع أن يكون ضفة ثالثة مؤطرة وناقدة ومساهمة في التعريف بالإصدارات الأدبية والثقافية، سلاحهم في ذلك الفكر وإرادة الأعضاء من خلال انسجامهم وإيمانهم بنبل قضيتهم، كانت تجربتي معهم تجربة ثرية ساهمت في التعريف بي ككاتب وكان لبعض أعضائها الدور الهام في مواصلة مشواري الأدبي، لتولد من جديد رواية "ماركوندا اواحتمالات سجين سياسي "، والتي حضيت أيضا برعاية مشكورة من المركز الدولي للتواصل الإنساني بباريس مثلما حضن الكثيرين غيري...

 

 

 

2018-06-20