دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'كوابيس منفى'.... بقلم وعدسة: زياد جيوسي

احتفت رابطة الكتاب الأردنيين بالشاعر عيسى حماد من خلال حفل الاشهار لديوانه الجديد "كوابيس منفى" في مقر الرابطة، وبحضور اكتظت به القاعة من أصدقاء ومحبي شعر الشاعر، وبكلمة سريعة للشاعر محمد خضير وورقة نقدية بحثية مطولة للدكتور حسين البطوش، تولت ادارة الجلسة الشاعرة الرقيقة مي الأعرج، لتختتم الأمسية بمقطوعات شعرية القاها الشاعر ثم وقع نسخ الديوان اهداء للحضور.

   حين أتحدث عن الشاعر عيسى حماد وابداعه الشعري فهذا يعني التحدث عن نكبة شعب ونكسة أمة في حربين، الأولى شردت الشعب الفلسطيني وحولته الى لاجئ وأدت إلى فقدانه كيانه و78% من أرضه، والثانية أضاعت باقي الأرض وأراض عربية وشردت قسم كبير من وطنه وحولته إلى نازح، فتفتحت عيناه وهو في السابعة من العمر على تهجير سكان بلدته بيت نوبا من قرى اللطرون الثلاثة عمواس ويالو وبيت نوبا التي قام الاحتلال بطرد سكانها وتدميرها بالكامل بعد هزيمة 1967.

   في ديوانه الثالث "كوابيس منفى" وعبر 110 صفحات من القطع المتوسط من منشورات دار دجلة في عمَّان و22 قصيدة، بدأ الديوان بإهداء شعري قال في مقطع منه:"للقادمين على حطام الذاكرة/ والراقدين بلا غد/ فوق الثرى أو دونه/ لن يحفل المنفى بكم/ فاستلهموا ما قد ييق بحلمكم.."، ثم حلقت روح الشاعر في الوطن، فبدأ قصائده لروح والده ليكمل مسيرته عبر الوطن وبيت نوبا بلدته وذاكرة الطفولة فيها، ويخاطب ابتسامة الشهيد وصمود الأسير، وألآم اللاجئ ومقامع الغدر، ورثى الأديب سعد ناصر الدين والفنان وحيد السمير، وتأمل في شذرات من قاموس الخلق، ويشده حسه العروبي فيخاطب القدس والعراق والشام وعدن وهو يرى أن بنادق العرب توجه لصدر العرب بدلا من أن تكون القدس بوصلتها فيقول في بيت من الشعر يختتم قصيدة: "تبت بنادق لا في القدس صولتها/ وانحط سيف لغير القدس يدخر".

   القدس كانت عروس قصائد الشاعر، فالكثير من قصيده احتوى القدس عروس عروبتنا، فالقدس بالنسبة للشاعر: "فالقدس سيدتي هي بعثنا/ هي حضننا/ هي ظلنا الممدود/ حين تلفظنا الجهات إلى الجهات"، والتاريخ لم ينسى فهو قاعدة الغد، والحب يسكنه ويصر أن يبقى معه في الحياة للنهاية" "حتى يضمخ ترب اللحد نائحتي/ أو أن تحين بيوم البعث ساعته"، وأنشد لربة الحسن وحلم للمحبوبة بهواجس اعتبرها مرضية، فجالت روحه بين الوطن والقدس والحب والحلم برضاب شفاه المحبوبة "لو تتركيني أرشف، الخمر المعتق في الرضاب"، وتحلق روحه في فضاء بيروت فيهمس: "فأنا غدوت الآن صنو البحر مشتبكا بها، لكنني ند له..، بيروت ليست مطلقا للبحر لا.. بيروت، لي.."، ليختم قصائده بقصيدة لروح الشهيد المقعد ابراهيم أبو ثريا.  

   الشاعر محمد خضير وبكلمات قليلة هي بعض من تقديمه للديوان قال في فقرة من حديثه: "الشاعر عيسى حماد استطاع في مجموعته هذه أن ينتصر لديوان العرب الذي يعيش في عطلة مفتعلة بعد أن نحى كثير من الشعراء إلى النثيرة التي ما زالت تبحث عن هويتها، وما هذه العطلة سوى عدوى الترجمات التي أصابت معظم الأقلام الحالمة بالحداثة على حساب الأصل".

   الدكتور والناقد حسين البطوش قدم قراءة نقدية مطولة جالت كل جنبات الديوان، فقارن ما بين الشاعر وشعره وبطون الشعر العربي وقال في فقرات اجتزئتها من قرائته المتميزة: " لاغرو أن تأتي كوابيس عيسى حماد عتبة نصية تحكي بذاتها ذاتَه من أجل تصوير همّه الجمعي الخارج عن أن يكون همّا فردياً .. فالكوابيس كلمة صيغت على منتهى الجموع التي لملمت في ثناياها تكسير جموع هذه الأمة المقلقة في تشظيها إلى جانب اختلافها فضلاً عن بعثرة شملها التي أقلّتنا على متن الخذلان والضعف إلى بلاد المنفى بتذكرة زمكانية سوداء جردتنا من ثرى أوطاننا العبق بدم الشهادة التي احتلت بونا واسعا في هذا الديوان الثري.

   هنا لا يخفى عليكم ترادف ألفاظ العربية للمعنى الواحد، بيد أنها تختلف رقة وجزالة، والبلاغة تقتضي أن نستعمل اللفظ الرقيق في موضعه، واللفظ الجزل في موضعه ما أمكن من قول فصيح ...، لهذا نجد الشاعر أحسن اختيار ألفاظه في هذه الأبيات كما كل الديوان لاسيما في قصائده الحماسية صوب الوطن والشهيد فالالفاظ الجزلة أنسب لها من الألفاظ الرقيقة (أمشي أسير أركض) (غيظ بالتنوين أشد من قوله عتب أو زعل أو حزن ) عالج قلة حروفها بالتنوين حرفاً رابعا بعد ما توسطت الياء كحرف لين غلظة الغين وثقل الظاء ما اكسبها جزالة فائقة ومن ذلك لفظة (أَنْفَقْتُ) افضل من أمضيت أو افنيت ف الانفاق بالارادة ولكن المضي بغير ارادة وافنيت قد تكون بسلوان او بغيره كارها ام راغبا بينما الانفاق فيه تدرج وارادة ووعي بقصدية  ومن ذلك لفظة ( تخالجها ) افضل من تسايرها أو تحدوها".

    الشاعر عيسى حماد من مواليد 1960 وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين وعضو في الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب وعضو اتحاد كتاب آسيا وافريقيا، كان ديوانه هذا الركن الثالث من شعره بعد ديوانيه "آه يا وحدي 2010" و"لمن هذا العناء 2013" ليكون "كوابيس المنفى" استمرارية سرد الحكاية للمنفي من وطنه والحالم بالعودة وحلم فجر حرية للوطن المغتصب فلسطين، وحلم العودة للوطن الذي اشتاق أبناءه فالعودة تبقى حلم رغم كوابيس المنفى.

"عمَّان 21/7/2018"    

2018-07-23