دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
روايات من ممارسات القهر القومي ....تميم منصور

  لم يبق أمام المواطن الفلسطيني في أرض الآباء والاجداد ، سوى التحدي والصمود والاستعداد للمواجهة، لأن نتنياهو وزمرته من طابور اليمين الفاشي أعلنوا التسويد ضد المواطنين العرب ، وضد كل من هو فلسطيني ، حكومة نتنياهو تعتبر فوزها في اصدار قانون القومية العنصري ، انتصاراً سياسياً وعسكرياً استراتيجياً ، لا يقل في أهميته عن انتصارات إسرائيل في حرب الأيام الستة ، لأن اليمين حقق الكثير من غاياته في خلق دولة يهودية خالية من العرب ، واذا وجدوا موضعهم لا يختلف عن وضع اليهود في المانيا بعد صدور قوانين نيرنبرغ عام 1935 .

امام هذه الهجمة العنصرية الشرسة، لم يعد امامنا خيار سوى المزيد من التصدي والصمود، ورص الصفوف داخل اطرنا القومية والوطنية ، وفي مقدمتها القائمة المشتركة، ولجنة المتابعة، واللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية ، كما يجب علينا إقامة المزيد من المؤسسات الثقافية والاقتصادية الفعالة ، كي ننافس المؤسسات الدخيلة داخل مجتمعنا . يجب ان تستمر بالأخذ بمواقف وسياسة الجيل الأول الذي تلقى وعانى من صدمة نكبة عام 1948 ، نعم عرف هذا الجيل بالجيل الصامت ، لكن مواجهته بالصبر والتحمل والصمود ، كانت تناسب الفترة والظروف التي عاشها، نجح هذا الجيل بامتصاص كل افرازات العنصرية والوحشية، التي افرزها قادة العصابات الصهيونية العسكريون منهم والمدنيون .

لقد وضعت هذه العصابات منذ اليوم الأول لقيام الدولة استراتيجية خاصة ومدروسة في طريقة وكيفية التعامل مع المواطنين العرب ، تحمل هذه السياسة المزيد من العقاب والتنكيل التدريجي بهم ، جيلاً بعد جيل ، ومرحلة بعد مرحلة ، الجسم السياسي الذي قام بذلك هو حزب مباي، برئاسة دافيد بن غوريون، وضع هذا الحزب سياسة تشييد حاضر الدولة الحديثة في حينه، كما وضع رؤيا للمستقبل. في مقدمة هذا المخطط ، اذلال هذه الأقلية، وهي الأقلية العربية بعد ان كانت اغلبية لعلها تضطر للرحيل الاختياري ، فوضع أكثر أنواع الأنظمة الإدارية سوءاً وهو الحكم العسكري. لقد زاد هذا النظام المقيت من بؤس هذه الأقلية ، وادخلها في متاهات وغياهب الضياع والنسيان، الى درجة ان القرى العربية لم تعد تعرف بعضها البعض ، ولم تعرف أحوال المواطنين فيها، كانت الناصرة وكفر ياسيف والرامة وغيرها من قرى الجليل ، بالنسبة للمواطنين في قرى المثلث والنقب ، كأنها في كوكب آخر، كان الهدف معروفاً طبعاً ، وهو المزيد من الشتات والغربة داخل الوطن ، والمزيد من الاغتراب عن بعض لمنع مواجهة الظلم والاجحاف . نقول بكل صدق بأن همزة الوصل الوحيدة التي كانت تربط كافة المناطق والقرى العربية في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة، كان الحزب الشيوعي ، كان احدى أهم الآليات التي ساهمت في خلق قنوات من الاتصال ، مهما بلغ طولها وقطرها ، وكانت صحيفة الاتحاد احدى هذه الآليات أو القنوات التي بددت الكثير من ظلمات انقطاع التواصل والغربة، من بين سطورها وعلى صفحاتها كانت تتم اللقاءات التي كشفت أحوال الجميع ، وساهمت في تعرية سياسة النظام الصهيوني الحاكم. كانت الاتحاد أهم العيون التي كنا نرى بها وأهم الآذان التي كنا نسمع بها بعضنا البعض ، ووسيلة للثقافة ومعرفة أخبار الوطن العربي والعالمي . أذكر أنه في بداية الستينات من القرن الماضي كنت قد بدأت الدراسة في معهد للمعلمين اليهود في مدينة بيتح تكفا ، في هذه الفترة وافقت حكومة المانيا على شراء صفقة من رشاشات العوزي من إسرائيل ، بأمر من الولايات المتحدة ، علم الجميع بهذه الصفقة ، وقد اثارت جدلاً بين الأحزاب الصهيونية، الحزب الوحيد الذي عارضها كان الحزب الشيوعي ، اثارت هذه الصفقة مشاعر الفرح لدى احد زملائي من الطلاب اليهود ، وكان ضابط احتياط في الجيش ، فسارع الى معايرتي بهذه الصفقة ، بأن قال لي بأن بيع إسرائيل كدولة حديثة أسلحة لألمانيا ، هذا يعتبر فخراً لليهود عامة وإسرائيل خاصة . لسوء حظه وامام جميع الزملاء ، كان جوابي له حاضراً ، قرأته في صحيفة الاتحاد ، فقد اجبته بأن عليك ان ترفض هذه الصفقة وتخجل منها ، لأن إسرائيل سوف تسلم الأسلحة من نوع مدفع الرشاش عوزي الى الجنود والضباط الالمان الذين ارتكبوا المذابح ضد اليهود، عندما سمع جوابي ثار واخذ يقفز ويصيح من علمك هذا ؟؟

ولم يعرف كيف يجيبني ، لأن جميع الزملاء دعموا اجابتي له التي انزلته على الأرض بعدما كان طائرا في سماء الغرور . ليس هذا فحسب يجب ان لا ننسى دور المهرجانات الشعرية والسياسية التي كان يقيمها الحزب الشيوعي بالمناسبات المختلفة ، كانت بمثابة الضوء لأخضر الذي يبدد الظلام الذي فرضه الحكم العسكري ، لغة وشعارات هذه المهرجانات السياسية كانت بمثابة مدارس فكرية ، وثروة لغوية التي كانت تزيد من الاصطلاحات السياسية والأدبية التي يتداولها الناس ، كانت المهرجانات الشعرية تحاربها السلطات العسكرية ، وتقوم بملاحقة الشعراء ، لكن عبر الجبال والسهول وفي الخفاء والاختباء ، كان الشعراء يصلون ويقومون بقراءة الشعر في الساحات والبيادر .

لا ننسى دور حركة النساء الديمقراطيات اللواتي ساهمن في رفع مكانة المرأة في ذلك الوقت ، فرغم تفشي الأمية وحصر دور المرأة في البيت والحقل ، الا ان هناك اتجاهاً كان ينطلق لاخراجها الى عالم الثقافة والمعرفة بإقامة الندوات والاحتفالات في المناسبات المختلفة . لهذا السبب كانت احدى مخططات حزب مباي في العقد الأول والعقد الثاني من قيام الدولة محاربة الحزب الشيوعي بكافة الوسائل ، منها حرمان الداعمين لهذا الحزب من العمل الوظيفي او الحرمان من الحصول على تصاريح السفر الى المدن اليهودية او تصاريح العمل ، لتجويعهم وتجويع اسرهم . اذكر انني رافقت احد اقاربي الى مكتب العمل في بلدتي الطيرة – المثلث ، في ساعات المساء ، كان المكتب مكتظاً بالعمال الذين جاءوا لأخذ تصاريح العمل التي انتظروها ، لم أنس موقف وحالة احد العمال حين رفض الحاكم العسكري تجديد تصريحه ، فسأل العامل الموظف الذي كان يتعامل مع العمال بفظاظة وخشونة وازدراء ، وين تصريحي ؟؟

اجابه الموظف : الحاكم يقول انت لا تستاهل التصريح ، وقام بطرده من المكتب أمام الجميع، ولم يتفوه أحد من العمال بكلمة ، لأن كل واحد يريد أن ينفذ بريشه ، والادهى قام ابن الموظف بشتم وضرب العامل، لأنه الح وتوسل للحصول على تصريح .

وجدير بالذكر بان هذا العامل كان شيوعيا عريقا

يتبع

2018-08-06