دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
روايات من ممارسات القهر القومي ( 2 ) خيمة البرتقال..... تميم منصور

  افقنا في مطلع الطفولة المدرسية على واقع سياسي عربي وشرق أوسطي مرير ، لم يكن ادراكنا قادراً على اتساع وهضم جميع التغييرات التي شهدها وطن الآباء والاجداد ، افقنا لنجد أن الحكم العسكري الاسرائيلي امراً واقعاً ، لا أمل في تغيّره ، سوى في استوديوهات الإذاعات العربية ، كانت كل إذاعة تحاول التخلص من عار النكبة ، وتُحمل مسؤولية هذا العار لأنظمة عربية أخرى .

افقنا لنجد أبناء شعبنا وراء ما يعرف بالخط الأخضر ، غارقون في المعاناة ، اذ يرتفع منسوبها كل يوم في سلم البقاء والوجود ، حطمت هذه الأوضاع النفوس والمشاعر والاجساد ، كوننا اطفالاً لم يمنعنا من رضاعة تبعات مآسي شعبنا ، كنا نشعر بالضائقة المالية والنفسية لذوينا ، لأنها تنعكس علينا وعلى حياتنا ، فصادرت طفولتنا التي غابت حتى عن أذهاننا، وكبرنا قبل الأوان . في المدرسة الابتدائية فتحنا عيوننا لتصطدم وجوهنا بجسم غريب لم نشارك في بناء مدماك واحد من وجوده ، بين يوم وليلة كل شيء تغيّر ، علينا في المدرسة التكيّف لهذا الانقلاب في حياتنا المدرسية ، وحياتنا في بيوتنا داخل قرانا ، في المدرسة منهج دراسي جديد ، كل كلمة فيه يجب أن تصب في قاموس سياسي اسمه اسرلة . الحكم الإسرائيلي الجديد رأى في المدرسة مربط الفرس ، هنا بدأ التحول ، اعتبروا الطلاب أغراساً بشرية صغيرة، بالإمكان تربية سيقانها وأغصانها واوراقها ، تربية يهودية إسرائيلية ، لأنها ستروى بالمياه الصهيونية ، بعد أن قطعت كل موارد الحياة القومية والوطنية عنها . كان الحكم العسكري يرى ببقايا الأطفال الفلسطينيين الذين قذفتهم أمواج النكبة وبقوا في وطنهم خميرة للأسرلة ، لأن آباءهم وامهاتهم من وجهة نظر هذه السلطة ، مثل قانون حاضر غايب الخاص بالأراضي ، أي لا قيمة ولا أهمية لهم . اعتقدوا ان أطفال الفلسطينيون، مثل أطفال المهاجرين اليهود الذين تم استيرادهم بكافة الطرق غير الإنسانية ، من أجل العبرنة والاسرلة ، فالأطفال العرب من وجهة نظر الحكم العسكري سوف يصبحون مثل جنود الانكشارية في الجيش العثماني ، هويتهم عثمانية ، السلطان مولاهم ، لأن كل الروابط والتواصل الأثني مع اسرهم ومع شعوبهم قد انقطعت . هذه كانت أحلام حكام إسرائيل بالنسبة للمواطنين العرب ، خاصة الجيل الحديث منهم ، لكن غباء هؤلاء الحكام وحقدهم وعنصريتهم افشل كل مخططاتهم ، فبدلاً من أن يتبعوا سياسة الاختلاط والدمج المتكامل بين المواطنين العرب واليهود ، من أجل الانصهار ، كما كان الأمر لدى شعوب كثيرة ومنهم اليهود، بدلاً من ذلك وضعوا خطة ثانية ، وهي اتباع سياسة الاسرلة والتدجين عن طريق اتباع سياسة القهر القومي والتميز العنصري، أرادوا اندماج وانصهار واسرلة حسب ذوقهم وسياستهم الظلامية ، فاستعملوا سياسة القبضة الحديدية مع المواطنين العرب ، استخدموا شتى أنواع الملاحقة والتنكيل ، اطلقوا سراح الكلاب المسعورة من عناصر شرطة حرس الحدود ، وكان معظمهم من البدو والشركس والدروز واليهود القادمون الجدد خاصة من الأقطار العربية ، شحنوهم بالكراهية والحقد ضد كل من هو عربي ، اطلقوا أيديهم في القرى العربية ينكلون بالمواطنين دون رحمة ، ففي المثلث أطلقوا الضابط " بلوم " والشاويش ادريس وأبو زيد ودنغور وغيرهم ، أسماء مقيتة زرعت الرعب في ذاكرة الأهالي ، حتى اليوم ما زال الذين عاشوا تلك الفترة يحكون عن بشاعة وكره ووحشية هؤلاء . خططوا لأسرلة مجبولة بإلاذلال ، بسبب الفقر والمجاعة وسياسة التقشف التي استخدمتها الحكومة في العقد الأول من قيام الدولة ، فكانت المدارس هي الهدف ، فاستخدموا طرقاً خسيسة ومدروسة استمدتها الصهيونية للحط من قيمة العرب ، ولإقناع العالم بأننا لا نستحق هذا الوطن ، فكانوا يرسلون السياح الأجانب الى القرى العربية في سنوات الخمسين والستين كي يشاهدوا صور التخلف ، طريقة بناء البيوت ومحتوياتها، الحيوانات في الطرقات ، خاصة الحمير والجمال ، كما كانوا يقومون بتصوير الفلاحين الذين يستخدمون آلات درس الحبوب القديمة على البيادر ، مثل النورج ولوح الدراس وغيرها، كي يعرضونها في العالم ، قاموا بتصوير النساء وهن ينقلن المياه على رؤوسهن من مصادرها الى البيوت ، وقد نقلت هذه المشاهد الى الكتب العبرية ، كي يقتنع اليهود أحقيتهم بهذا الوطن ، الذي ينتظر بصمات تطويرهم بدل التخلف الذي يغرق به العرب . من المناظر التي لا يمكن ان تفقدها الذاكرة ، اذكر عندما كنت في أحد الصفوف الدنيا ، قدمت سيارة الى المدرسة كان صندوقها الخلفي مغطى بشادر تغطية محكمة ، حتى لا أحد يعرف ماذا بداخل الصندوق ، عندما توقفت السيارة في ساحة المدرسة نزل منها خواجات ، قيل ان احدهم كان مساعد الحاكم العسكري ، لكنه كان يرتدي الملابس المدنية . تساءلت الف مرة كيف قبلت إدارة المدرسة والتفتيش تمرير هذه المسرحية الكاذبة المخادعة ؟ تجمع الكثير من الطلاب حول السيارة ، لأن وجودها في المدرسة ملفتاً للنظر، لكن بعد أن دخل الطلاب للصفوف ، رفع الشادر عن السيارة ، واذا بداخلها بضعة صناديق من البرتقال .

قام بعض العمال بنصب خيمة قرب السيارة ، تم افراغ صناديق البرتقال التي كانت مملوءة بالتراب الملتصق بقشر البرتقال، كأن هذا البرتقال كان من الذي يسقط على الأرض بعد القطيف. ومع تدحرج حبات البرتقال ، كنا من بعيد ، نحن الأطفال الصغار في الصفوف، تتدحرج عيوننا وراء اللون البرتقالي . خرجنا الى الساحة للتنفس ، وإذ بمدير المدرسة يقف في وسط الساحة ويقول لنا بفرح ظاهر : البرتقال هدية الحاكم العسكري بمناسبة اقتراب يوم الاستقلال ، وطلب منا التوجه الى الخيمة ، فلكل واحد برتقالة . تدفق الطلاب ، منهم من سقط على الأرض ، ومنهم من تشاجر يريد أن يكون في الأول ، ومع التدافع والصراخ كان كل واحد يريد نيل هذه الهدية . هذا ما كان ينتظره مساعد الحاكم العسكري ، فقد استعد هو ومن معه للتصوير ، كان طاقم التصوير جاهزاً ، وكلما التقط احد الطلاب برتقالة التقطت الصورة ، وحتى تكتمل صورة الجوع ، عندما فرغت الخيمة من البرتقال ، ذهب العمال الى الشاحنة وأتوا بصناديق جديدة ، ليعود البرتقال الى التدحرج ، ويعود الطلاب لقضم البرتقال بقشره ، لم نكن نعلم أن هذا البرتقال القادم كهدية بصناديق مغلقة ، كان من بيارات يافا وغيرها من الأراضي الفلسطينية ، ولم نكن نعلم أن كل برتقالة عبارة عن مصيدة، يصيدون بواسطتها جوعنا وحزننا وخوفنا ، لقد كانت الصور والضحكات والابتسامات التي يرسمها الحاكم العسكري جزءاً من التواطؤ الذي كان مفروضاً على شعبنا ، اما مدير المدرسة والمعلمين ، فقد كانوا مثلنا شريحة ضعيفة لا حول لها ولا قوة على الاعتراض او الرفض.

يتبع

2018-08-14