دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
روايات من ممارسات القهر اليومي (3) في ظل منع التجول ....تميم منصور

  من بين ممارسات الحكم العسكري التعسفية ضد المواطنين العرب، اجبارهم على الاحتفال بذكرى يوم الاستقلال ، الذي غالباً ما كان يصادف في الفترة الواقعة ما بين منتصف شهر نيسان الى نهاية هذا الشهر، كان الحكم العسكري يرى ان ذكرى هذا اليوم – أو هذه المناسبة – شيئاً أو حدثاً ملموساً مقدساً ، يفوق في قدسيته جميع المناسبات ، وقد بذل هذا النظام جهداً كبيراً لاقناع المواطنين العرب ، بأهمية هذا العيد وعليه ابداء الفرح والسرور والاحتفال بكل ما بوسعهم بهذه المناسبة .

الهدف معروف طبعاً هو طمس هويتنا، وتغطية جرائم العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين والدوران حول انفسنا ، داخل ما تبقى من الوطن الذي نقف فوق ترابه، كان الحكم العسكري يأمل بأن تكون ذكرى يوم الاستقلال جزء من حياة المواطنين العرب ، وعيداً قومياً لهم ، كما هو الأمر بالنسبة لليهود ، كان يريد أن ننسى المليون فلسطيني الذين شردوا من مدنهم وقراهم، وننسى المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق أبناء شعبنا ، وننسى حالة الحصار التي نعيشها ، ولا نتألم من كرابيج الحكم العسكري التي تسلخ جلود المواطنين العرب بصورة يومية وساعات منع التجوال التي كانت تبدأ من الثامنة مساء فتزيد من ظلمات الليل الموحش القاتل .

كان المواطنون العرب في هذه الساعات يحاصرون في بيوتهم، دون الاهتمام باحتياجات اطفالهم ومرضاهم في الليل الدامس ، الذي كان يزداد وحشة في ظل ساعات المنع ، وقد كانت أصوات الذئاب والكلاب الضالة تزيد من وحشة هذا الليل ، لأنها كانت تدخل القرى العربية بكثرة ، ظانة أن قرانا مهجورة ، كانت أصوات النباح وعواء الذئاب تختلط مع أصوات الطلقات النارية التي كان يطلقها رجال شرطة حرس الحدود ، لترهيب المواطنين ، ومما كان يزيد الطين بلة ، غزوات عصابات من المتسللين الذين كانوا يغيرون من وراء الحدود على القرى العربية ، مستغلين الفراغ الحياتي في هذه القرى ، وساعات منع التجول ، وان احداً لا يستطيع ان يفزع لجاره اذا تعرض لمثل هذه الغزوات .

كان المواطنون العرب بمثابة اسرى بأيدي الحكم العسكري ، يمارس كافة نزواته العنصرية دون أن يراجعه أو يمنعه أحد ، فهو القاضي والخصم المعتدي ، لقد غابت كلمة نكبة عن الأفواه ، لم تتوفر الآليات الهامة الفعالة لمقاومة الاسرلة بالطريقة التي يريدها الحكم العسكري ، باستثناء الحزب الشيوعي ، هو الوحيد الذي كان يحذر من الاسرلة ، ويرفضها ويذكر المواطنين بعودة اللاجئين ، ويفضح ممارسات الحكم العسكري . كثيراً ما استغل الحكم العسكري اصدار تصاريح العمل للعمال العرب أو المزارعين أو بعض الموظفين لتجنيد بعضهم لصالحه ، وقد ذكر الكاتب " هليل كوهين " أن غالبية المخاتير ورؤساء السلطات المحلية في القرى العربية ، كانوا أعواناً للسلطة ومخبرين للحاكم العسكري ، كانوا يقدمون له هذه الخدمات مجاناً دون مقابل .

اذكر انه مع بداية الخمسينات من القرن الماضي استيقظ اهالي بلدتي الطيرة – المثلث - على صوت مكبرات للصوت تجوب شوارع القرية تبلغ السكان بمنع التجول من الساعة السادسة صباحاً الى اشعار آخر ، وعلى المواطنين التزام بيوتهم ، وكل من يخالف هذه التعليمات يعرض نفسه لخطر الموت .

لم يمض وقت طويل على هذا الإعلان حتى باشرت قوات الجيش المدججة بالسلاح بالدخول الى البيوت ، واخلائها من القاطنين فيها ، خرجت مع افراد اسرتي وتم اجبارنا على الجلوس في احدى الساحات القريبة ، وكانت هذه الساحة محاطة بالاسلاك الشائكة ، كما اعدت ساحات شبيهة للنساء ، ووقف وراء الاسلاك جنودا يشهرون السلاح اتجاهنا ، ومنهم من جلس وراء مرابض الرشاشات . لم يعرف احداً من المواطنين وحتى رئيس السلطة المحلية واعضائها اسباب هذا العمل غير الانساني ، وأخذت النسوة بالبكاء ، لأن هذه الاعمال ما هي الا تكرار لسيناريوهات القتل وارتكاب المجازر التي قامت بها العصابات الصهيونية بحق المواطنين في قرى كثيرة ، او انها فصل من فصول الاقتلاع من ارض الوطن .

قضى الجميع طيلة اليوم تحت كبد الشمس الحارقة بدون ماء ، اذكر انني تعرضت لضربة شمس ، وقد أصيب بعض الشيوخ والاطفال بالإغماء نتيجة حرارة الشمس وعدم توفر الماء .

اثناء ساعات الحصار قام مئات الجنود باقتحام البيوت التي كانت خالية من سكانها ، للبحث عن اسلحة ، فخربوا ودمروا اثاث البيوت ، ومزقوا الفراش ، وقاموا بإتلاف المخزون من المواد الغذائية المتوفرة ، كالزيت والطحين والاجبان والحبوب ، كما اتلفوا ملابس المواطنين، وحطموا النوافذ الزجاجية ، وسرقوا ما وقع تحت ايديهم من مصاغ النساء ومن الأموال ، حتى أن بيت رئيس المجلس لم يسلم من الخراب . اتضح فيما بعد كما اعلن في الصحافة ، ان سبب هذا الاعتداء على سكان آمنين يعود الى اتهام السكان بإسقاط طائرة بالقرب من احدى القرى التعاونية التي كانت محاذية للحدود ، وكانت هذه الطائرة خفيفة تقوم برش المزروعات بالمبيدات ، اجتازت الحدود بالخطأ ، فقام أحد الجنود الاردنيين بإسقاطها وقتل طيارها . احتج المواطنون على هذا التصرف الاجرامي مطالبين بدفع تعويضات عن الاضرار التي لحقت باملاكهم ، فكان رد الحاكم العسكري ، سيحصل كل مواطن على حقه بعد الاحتفال بيوم الاستقلال ، صدق البعض هذه الخدعة التي اعتاد الحاكم العسكري التلويح بها .

يتبع

2018-08-19