دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الى متى ستستمر القيادة الفلسطينية في سياسة الدهن والمدارة ....تميم منصور

  عندما وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، من قبل بريطانيا وفرنسا واسرائيل ، سارعت الحكومة السورية آنذاك - باعتراف عبد الناصر – بطلب لدخول المعركة لمساعدة مصر على دحر العدوان ، لكن عبد الناصر رفض حفاظاً على سوريا ومنعها من الوقوع في شرك القوى الامبريالية .

حينها قال عبد الناصر ، هناك خيارات كثيرة لدعم مصر ومساعدتها في صد العدوان ، على إثر ذلك سارع السوريون بالانتقام من بريطانيا وامريكا حيث فجروا أنابيب البترول التابعة للشركات الاجنبية ، والتي كانت تنقل هذا السائل الحيوي من السعودية الى الموانىء اللبنانية والسورية كي يصل إلى أوروبا .

هذا العمل الوطني التلقائي الذي قام به السوريون يُعبر عن روح التضامن العربي ، ويؤكد أيضاً أن الاجماع القومي العربي كان قائماً بشكل غريزي. كذلك الأمر فإن عمال ميناء وهران في الجزائر رفضوا تفريغ سفناً تابعة لامريكا وبريطانيا وفرنسا تضامناً مع مصر ، مع أن الجزائر لم تكن قد حصلت على الاستقلال . كذلك الأمر ظهر هذا الاجماع القومي بشكل تلقائي عندما اقيم حلف بغداد عام 1955 ، حين حاولت بريطانيا الضغط على الملك حسين في عمان الانضمام الى هذا الحلف ، إلى جانب العراق وتركيا وايران والباكستان ، كان الملك حسين عاجزاً عن رفض الطلب البريطاني ، لأن بريطانيا كانت تقدم معونة مالية للاردن تُقدر ب 12 مليون جينه استرليني ، فلم يمانع من الانضمام لهذا الحلف ، لكن الشعب في الاردن انتفض مرة واحدة ، وقام بمظاهرات في مدينة عمان وفي مدن الضفة الغربية ، ورفعوا شعارات مطالبة الملك بعدم الانضمام لهذا الحلف الاستعماري ، كما طالب المتظاهرون بتعريب الجيش ، وهذا الطلب كان ضرورياً وحيوياً مكملاً لاستقلال الاردن ، لأن الجيش الاردني كان رهينة لبريطانيا ، بسبب المعونة المالية المذكورة ، ولأن قائد هذا الجيش ويدعى " غلوب " كان بريطانياً ، لم يكن القائد العام بريطانياً فقط ، فقد ترأس ضباط بريطانيون قيادة معظم تشكيلات هذا الجيش .

استجاب الملك لمطالب الشعب وقام بعزل " غلوب " عن قيادة الجيش ، كما تم طرد جميع الضباط الاجانب ، وأعلن عن تشكيل حكومة وطنية حسب رغبة الشعب ، وكلف سليمان النابلسي بتشكيل أول حكومة وطنية في الاردن .

فوجئت بريطانيا من هذه التحولات فأعلنت عن وقف المعونة المالية السنوية لهذا البلد ، ادرك وقتها كل من شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية وجمال عبد الناصر ان وقف المعونة المالية البريطانية لحكومة الاردن يعني افلاس هذا البلد ، فسارعوا الى عقد مؤتمر لعدد من القادة والزعماء العرب ، حضره عبد الناصر والقوتلي وملك السعودية ، اتفقوا في هذا المؤتمر على دفع المعونة المالية التي كانت تقدمها بريطانيا لحكومة عمان ، بهذا ترجموا الاجماع والوحدة والتضامن العربي الى واقع حقيقي ملموس ، والذي آمنت به غالبية الشعوب العربية وكانت تسعى اليه .

دفع المعونة أكد أن بإمكان العرب قيادة وشعوباً أن يكونوا كالبنيان المرصوص ، يشدون إزر بعضهم البعض وقت الشدة . اليوم يعيش الفلسطينيون في ظروف لا تختلف كثيراً عن الظروف التي عاشها الاردن في تلك الفترة ، فقد قرر الرئيس الامريكي " ترامب " أن يمسك الفلسطينيين من العضو الذي يؤلمهم ، ظاناً أنه إذا أوقف دعم منظمة وكالة غوث اللاجئين – الانروا – سوف يستسلم الفلسطينيون ، أنه يجهل شدة وقوة تحمل هذا الشعب ، من المجاعة الى الطرد و التشتت الى الملاحقة والبطالة والفقر ومصادرة الأراضي والاسر والسجون وكسر العظام والاغتيالات وغيرها ، ولكن احداً لم يستطع كسر عزيمته ، أنهم حملوا شعار " الضربات التي لا تقتلني تقويني " فكان الصبر والكفاح والمقاومة الثالوث الذي التصق في حياة الفلسطيني ، لقد عرف أن كرامته وعزته والتمسك بهويته أعلى وأغلى من الرغيف ولقمة العيش .

من المخجل أن منظمة الأنروا ليست أمريكية ، وعندما أقرتها الأمم المتحدة أصبحت دولية وقانونية ، وواجب المساهمة في تمويلها أصبح الزامياً وليس اختيارياً ، مع ذلك يقوم الرئيس الأهوج " ترامب بالدوس على كل شيء ، فها هو يرى بهذه المنظمة وسيلة للضغط على الفلسطينيين للاستجابة لمشروعه التصفوي الداعم لاسرائيل ، بعد أن دعم العدوان الاسرائيلي في كل مكان ، وفي استمرار محاصرة الشعب الفلسطيني ، حتى أنه يعمل لاسرائيل أكثر مما كانت تتوقع منه حكومة نتنياهو . أن ترامب لم يقم بوقف الدعم لولا أنه يعرف ويدرك بأنه يتعامل مع قادة عرب كالنعاج يسوقهم كما يسوق الراعي القطيع ، أنه يعرف بأن الاجماع القومي العربي الذي كان قائماً زمن أزمة السويس ، وما تبعها من حروب وتطورات سياسية لم يعد قائماً ، لا يوجد عبد الناصر آخر ينادي ويجمع الدول العربية ويساهم في دفع المعونة ، مع العلم أن أي أمير من امراء النفط العرب قادر على تسديد هذا المبلغ الذي يلوح به ترامب . لكن السؤال لماذا لا تقوم القيادة الفلسطينية بالإعلان صراحة وبقوة أن الانظمة العربية أو بعضها قادرة على حل جميع قضايا الشعب الفلسطيني المالية ، بدلاً من التفتيش عن ردود فعل خائبة فاشلة مطاطية ، تزيد من اليأس في نفوس الفلسطيني ، ويكشف مدى ضعفهم وعجزهم وفقدان استقلالية ارادتهم ومواقفهم .

لماذا لا يتحول قرار ترامب الى فضيحة تكشف مواقف الأنظمة العربية الهزيلة المتواطئة ، الى متى ستستمر القيادة الفلسطينية في سياسة الدهن والمدارة ؟؟؟

2018-09-04