الخميس 24/5/1440 هـ الموافق 31/01/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
معركة الوعى بيننا و بين الإسرائيليين.. أشرف مروان نموذجا......وليد محمد محمد صالح‏

 

 منذ عدة أيام قام صديق على الفيس بوك بمشاركة منشور طويل كتبه مثقف مصرى غير مشهور متعلق بأشرف مروان الذى كان زوجا لإبنة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر و أيضا كان متقلدا للعديد من المناصب الرسمية الحساسة فى عهد عبد الناصر و السادات ، و المنشور قد اجتهد كاتبه فى إقناع العقلية المصرية بأن أشرف مروان كان جاسوسا و أن مصر قد أخذت على قفاها بفضل جهوده فى خدمة إسرائيل! 

و فور قراءتى للمنشور قد علقت عليه قائلا : "هذا الكلام مردود عليه من عدة وجوه. 
و أنا لا يهمنى أشرف مروان. 
بل الذى يهمنى هو حزنى من أن نكون بكل تلك البلاهة أمام أعدائنا و أن نكون بكل هذا الضعف أمام نشاط قسم الإشاعات بالمخابرات الإسرائيلية. 
سأكتب فى هذا مقالا و لن أسكت."
حسنا هذا هو المقال أضعه بين يدى قارئى الكريم. 
(2)
ربما غاب عن الكثير من مثقفينا أن الإسرائيليين يشعرون بغصة فى حلوقهم و بهزيمة نفسية كبيرة تملأ نفوسهم من بعد حرب أكتوبر ، نعم نحن لم نحقق فى تلك الحرب انتصارا عسكريا كاملا لأسباب لا يتسع المقام هنا لمناقشتها ، لكن لا أحد ينكر أن النتائج النهائية قد جاءت مطابقة لما خطط له السادات من البداية : أن تكون الحرب حرب تحرير لجزء من الأرض و ليس كل الأرض ، و أن تكون الحرب بذلك هى الحجر الملقى فى المياه الراكدة فقام بتحريك القضية كلها ووضع إحداثيات جديدة لها. 
اليهود يشعرون بأنهم قد أخذوا على أقفيتهم جيدا فى تلك الحرب ، و لهذا فهناك الكثير من الجهود التى يتم بذلها هناك لعلاج تلك العقدة من الجيش المصرى و من مصر عموما. 
و يبدو أن قسم الإشاعات بالمخابرات الإسرائيلية قد أخذ على عاتقه تشويه المفاهيم بما يخدم العلاج النفسى للوجدان الإسرائيلى المنكسر ، فتارة يطلقون فى الهواء أن مصر قد انهزمت فى حرب أكتوبر -هكذا! - و يدللون على ذلك بالفارق الكبير بين عدد شهدائنا و بين عدد قتلاهم ، و الغريب أن شبابنا الصغير و أجيالنا الصاعدة تنخدع بكلام كهذا ، لأنها لم تتلق التوعية المناسبة التى تحصنها من تصديق تلك الأكاذيب. 
و الحقيقة أن الحرب ليست مباراة لكرة القدم حيث من يحرز أهدافا أكثر فى مرمى خصمه يكون هو المنتصر ، نظام الحرب يقوم على مبدأ العبرة بالخواتيم ، أى أن من يحقق هدفه من دخول الحرب هو المنتصر أيا كانت خسائره ، و لو كانت العبرة بعدد القتلى و كمية الخسائر لكان الأمريكيون هم المنتصرون فى حرب فيتنام ، لكن الحقيقة أن الأمريكيين هم المنهزمون في تلك الحرب برغم الخسائر الفادحة التى أوقعوها فى جانب الثوار الفيتناميين ، و ذلك لأن الحرب انتهت بخروج الأمريكيين من فيتنام فتحقق ما أراده الفيتناميون فهم المنتصرون إذن. 
و فى ألحرب العالمية الثانية قتل من الألمان عشرون مليونا بينما قتل من أعدائهم ما يناهز ضعف هذا العدد و مع ذلك فلم يجادل أحد فى أن ألمانيا هى التى انهزمت فى الحرب. 
(3)
و من أكاذيب قسم الإشاعات بالمخابرات الإسرائيلية ما يتعلق بأشرف مروان و بأنه حسب زعمهم كان جاسوسا لهم ، و قد أصدروا فى ذلك كتابا يبدو أن كافة الدوائر الإسرائيلية قد تعاونت لإنجازه ، بل و خلال شهر من الآن سيبدأ عرض فيلم سينمائى مستوحى من هذا الكتاب. 
و كما قلت فإننى لا يهمنى أشرف مروان و لا اليهود ، ما يهمنى هى هشاشتنا الفكرية أمام ما يطلقه اليهود من أكاذيب ، و هو ما ظهر جليا فيما كتبه كاتب ذلك المنشور. 
يقول كاتب المنشور "نحن أمام رواية إسرائيلية متماسكة تقدم معلومات ووثائق و أسماء و أرقام و لقاءات دقيقة مؤرخة بالزمان و المكان. 
قلت : هذا ليس دليلا على صدق محتوى الرواية الإسرائيلية بخصوص أشرف مروان ، خاصة أننا أمام أناس احترفوا اختلاق "الكذب المساوى" بينما نحن نفشل حتى فى "الصدق المنعكش"! 
كذبهم المساوى يعتمد على تطعيم الكذب بروايات صادقة و أرقام و تواريخ لكى ينتج خليط ظاهره الصدق ، لكنه صدق لا ينطلى إلا البسطاء و ربما البلهاء ، و الذين يعجزون عن إدراك نقاط الكذب و التناقض فى تلك الدعاوى الإسرائيلية. 
(4)
يقول الكاتب أن أشرف مروان قد قدم للإسرائيليين تفاصيل خطة "المآذن العالية" التى أعدها الفريق سعد الدين الشاذلى لعبور القناة و السيطرة على ضفتها الشرقية. 
عظيم ، و لنفترض أن هذا قد حدث فعلا ، أين كانت الدفاعات الجوية الإسرائيلية يوم السادس من أكتوبر ؟ و مادامت قد علمت بالخطة مسبقا لماذا تركت المقاتلات المصرية تضرب مراكز قيادتها و تمرح فى سماء سيناء كما تشاء فى ظهر يوم السادس من أكتوبر ؟
المفترض فيمن يعلمون مسبقا تفاصيل خطة المآذن العالية و خاصة الشق المتعلق بالقصف الجوى أنهم قد أعدوا عدتهم لصد هذا الهجوم يوم أن ينوى المصريون القيام به ، خاصة أن الكاتب يزعم فى كلام يأتى بعد ذلك أن أشرف مروان قد أخبر الإسرائيليين بميعاد ساعة الصفر. 
فمادام الإسرائيليون يعلمون موعد ساعة الصفر و يعلمون أن الطائرات المصرية ستضرب فلماذا لم يتصدوا لها ؟
الإجابة : أنه لا أشرف مروان و لا غير أشرف مروان قد أعطى الإسرائيليين تفاصيل خطة المآذن العالية. 
(5)
يقول كاتب المنشور :"مساء الجمعة 5 أكتوبر 1973 ، طلب مروان مقابلة رئيس الموساد تسفى زامير فى لندن و أخبره "أن السادات ينوى شن الحرب غدا " و على الفور أرسل زامير تحذير مروان إلى إسرائيل، هذا التحذير كان كفيلا بتغيير مجرى أحداث حرب أكتوبر حسبما يدعى مؤلف كتاب الملاك" .
قلت : هذا يتناقض مع شهادات العناصر المقاتلة المصرية التى بعدما عبرت القناة وجدوا الكثير من المقاتلين الإسرائيليين فى حالة استرخاء على أساس أن اليوم بالنسبة لهم هو يوم عيد ، و لو كان اليهود على علم بموعد ساعة الصفر لرفعوا حالة الاستعداد إلى الحالة الكاملة .
الشيئ الآخر هو أنه لو كان الإسرائيليون على علم بساعة الصفر لقاموا بضربة استباقية لإجهاض الهجوم المصرى الذى وردت لهم معلومات بقرب حدوثه ، فلما لم يقم اليهود بذلك كان ذلك دليلا على عدم معرفتهم يقينا بساعة الصفر ، و هذا دليل آخر على كذب الكتاب الإسرائيلى. 
الغريب أن رجال الصاعقة المصرية قد وجهوا للإسرائيليين واحدة من أقوى الصفعات التى تلقوها فى تاريخهم بالقيام بسد أنابيب النبالم كلها على طول خط القناة ، و لولا ذلك لظللنا نضرب اليهود من بعيد دون استطاعة منا لعبور القناة ، و كيف نعبرها بقوارب مطاطية بينما النار التى على سطحها قيل فيها أنها ستشوى السمك الذى في القناة بسبب حرارتها الرهيبة ؟!
فمادام أشرف مروان كان جاسوسا بكل هذا النشاط فلماذا لم يخبر الإسرائيليين بتلك المعلومة التى كانت كفيلة فعلا بتغيير مجرى الحرب و عدم تمكن المصريين من العبور ؟
(6)
يقول الكاتب أن أشرف مروان تم العثور على جثته ملقاه أسفل العمارة التى كان يسكن بها فى لندن فى صيف عام 2007 و ذلك بعد ثلاثة أسابيع من إقرار المحكمة العليا الإسرائيلية بأنه كان جاسوسا مخلصا لهم. 
إذن من الذى قتل أشرف مروان ؟
لقد شاهدت تحقيقا تليفزيونيا أجراه الإعلامى الجريئ عمرو الليثى حينها من داخل شقة أشرف مروان فى لندن ، و قال أحد أبنائه أنه كان مقعدا وحركته محدودة جدا لدرجة أنهم قاموا بعمل تعديلات معمارية على حمامه الخاص لكى يستطيع استخدامه ، و بالتالى هو لا يستطيع تسلق سور البلكونة لكى يلقى بنفسه منها منتحرا ، إذن أشرف مروان مات مقتولا ، فمن الذى قتله ؟
الإجابة لا تبتعد كثيرا عن الموساد ، حيث يكون ذلك لإسكات أشرف مروان و منعه من الرد على إعلانه جاسوسا لإسرائيل. 
و لقد شاهدت -أنا كاتب هذه السطور- حلقة تليفزيونية منذ عامين تقريبا قال فيها مؤلف القصص البوليسية المقرب من المخابرات المصرية الدكتور نبيل فاروق أن أشرف مروان كان وطنيا مخلصا ، و أن كل ما يقوله الإسرائيليون عن عمالته لهم هى أكاذيب لرفع الروح المعنوية لجبهتهم الداخلية (7)
كم كنت أتمنى أن تتعاون الدوائر المصرية لتفنيد تلك المزاعم الإسرائيلية ، و أن يكون ذلك عن طريق الكلمة المكتوبة و المسموعة و المشاهد المرئية. 
لماذا لا ننتج نحن أيضا فيلما يكذب المزاعم الإسرائيلية تجاه أشرف مروان و نمنع من خلاله الإسرائيليين من الحصول على نصر معنوى زائف ؟
أليس ذلك أولى من مهرجانات و احتفالات أقل أهمية ؟
.......................................
وليد محمد محمد صالح‏

2018-09-16