دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 10/1/1440 هـ الموافق 21/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
اسقاط الطائرة الروسية.....د. سلمان محمد سلمان

أبسط التفسيرات وأقلها تكلفة لروسيا القبول بنظرية أن سقوط الطائرة تم بنيران صديقة وبسبب تفاقم ظروف موضوعية سمحت بذلك الخطأ وفتح المجال لتلميح بنقص كفاءة الجندي السوري أو لوم تجمع الصدف السيئة وهذا ما أظهره بوتين ولو جزئيا. وأسوأ التفسيرات أن إسقاط الطائرة تم اسرائيليا وبنوع من التحدي للروسي في عرينه بمحافظة اللاذقية مما يعني تهديدا للدور الروسي ضمن تهديد مبطن بتوريط أميركا في الصدام. والحقيقة كالعادة تقع بين هذين الحدين.

فمن جهة من الصعب تصديق أن المسألة اجتماع صدف فقط. فلو لم تهاجم اسرائيل أو أنها أبلغت الروس قبل فترة معقولة أو لو لم يتزامن ذلك مع هجوم من قبل الفرنسيين لأمكن لوم الصدف. لكن المصادفات التي حصلت كانت مقصودة وتبدو مخادعه وتهدف إرباك تقدير السبب الحقيقي لسقوط الطائرة. وهذا ما كشفته تصريحات وزارة الدفاع الروسية بتحميل إسرائيل المسئولية.

لكن ذلك أيضا يكشف ضعفا عاما في الجاهزية الروسية لكل الاحتمالات في القيادة والتحكم وبسبب رئيس هو سماحهم أصلا للإسرائيلي بالمناورة ضمن بيت نفوذهم وهذا خطأ سياسي أساسا.

من الصعب لوم السوريين حتى لو ثبت دورهم. فهم يحاصرون بشروط مستحيلة من حيث تحديد أسلحة دفاع من الدرجة الثالثة وبشروط تثير الأعصاب من خلال السماح  لإسرائيل ضرب المواقع السورية كما يحلو لها دون إدانة روسية واضحة. بل وربما منع السوريين من الرد الانتقامي والردعي من خلال قصف مواقع اسرائيلية تضبط الأمور بشكل أسهل استراتيجيا وهو ما يحصل مع لبنان منذ 2006 عمليا.

ما الذي يمنع روسيا من منع الاسرائيلي تماما من التحليق في سوريا أصلا. هل هو نقص القدرة العسكرية أم الخوف من البلبلة السياسية ضمن موازين قوى العالم بحث تعطى إسرائيل استثناءا خاصا. وهل من الممكن تصديق مقولة التزام إسرائيل بعدم إسقاط النظام مع فتح الحرية لها بمهاجمة مواقع ودور ايران وحزب الله. الم تكن تلك أسس المطالب الغربية والاسرائيلية من سوريا قبل الحرب.

القبول الروسي بالمناورة الاسرائيلية ضار في معظم الأحيان وغير مفيد في أفضلها. ويمكن قبوله فقط في حالة عدم القدرة  الفعلية على المنع إما بسبب عسكري وهذا مستبعد أو لعدم فتح المجال لجر أميركا في أتون المعركة وهي في فترة تقرير الانسحاب مما يتطلب صبرا على وقاحة الاسرائيلي حتى يحسم الموقف الأميركي.

هذا من جهة. بالمقابل فإن قيام إسرائيل بالعملية كتحد للروسي مستبعد لأن الاسرائيلي يحقق مكاسب معقولة بحسب الترتيب المعترف به من روسيا وتحدي الروسي سوف يقلب الكثير من المعادلات. لذلك لا بد من سبب مهم دفع الاسرائيلي للتحرش بالروسي ودخول الفرنسي على المعادلة يرجح التفسير الذي نطرح أدناه.

المعركة الرئيسة في أميركا بين تيار العولمة والتيار القومي مستمرة وتزداد تأججا وتنعكس على أوروبا والعالم. وهي استطاعت حتى الان شل معظم الخطوط العريضة لسياسة ترامب الدولية وبالأخص العلاقة مع روسيا والانسحاب من الصراعات الدولية الإقليمية وخاصة الشرق الاوسط. ترامب يرغب الانسحاب من سوريا ويظهر التراجع عن ذلك أحيانا بسب ضغوط بعض القوى المناوئة من داخل إدارته تحاول ربط الانسحاب الأميركي بتقييد الدور الايراني. وهي مواقف لا تتناقض مع ما أعلن ترامب خلال حملته الانتخابية لكنها تتناقض مع روح توجهه للتفاهم الاستراتيجي مع روسيا أو الانسحاب من المواقع الساخنة. وعليه فأية سياسة أميركية متجانسة تتطلب التخلي عن جدية الصراع ضد ايران لكن مع الاحتفاظ بضجيج عال لكسب الموقف الاسرائيلي.

لكن تيار العولمة هو من يقود الحركة الصهيونية بشكل عام وهو ما يعبر عن مصالح إسرائيل والصهيونية العالمية طويلة الأمد. ليس من مصلحة هذا التيار تحقق الهدوء في سوريا الموحدة ولا بد من تقسيمها لضمان المصلحة الصهيونية العليا. والتلويح بشرط طرد ايران من سوريا لا يمثل السبب الحقيقي بذاته لأنه حتى لو قبلت سوريا ايقاف الوجود الايراني فهي دائما تستطيع إعادته بعد تجاوز المرحلة. الهدف الصهيوني وتيار العولمة الحقيقي هو منع وحدة سوريا مهما كلف الأمر. وقد تم الرهان منذ نجاح التدخل الروسي وتغير الادارة الاميركية على جر أميركا للبقاء في الشرق وسوريا تحديدا وتحريض تركيا لعدم التسليم بوحدة سوريا.

تفاقم هذا الموقف بشكل ظاهر في فترة الإعداد لمعركة إدلب. حيث هددت كثير من دول المحور الغربي بضرب سوريا وتوعدت بالدمار والتهويل رغم وضوح هوية معظم المستهدفين كقوى إرهابية بتعريف تلك القوى. وكان موقف تركيا مائعا أيضا ومستعدا للعب على التناقضات رغم وضوح سلبية الغرب من تركيا ورغبتهم بتقسيمها ربما أكثر من سوريا.

الاتفاق الروسي مع تركيا بتجزئة المعركة الى مرحلتين الأولى نزع سلاح حوالي نصف ادلب وفتح الطرق الدولية بين حلب وحمص وحلب واللاذقية يعني عمليا  انتهاء دور إدلب. وكما تسرب أيضا تزامن ذلك مع توجه جديد لانسحاب أميركي كما أعلن ترامب مما يعني منع تقسيم سوريا جوهريا.

في مثل هذ الظروف ليس مستبعدا قيام قوى العولمة والصهيونية بحركة أخيرة لتعطيل التوجه الجديد من خلال المغامرة باستفزاز الجانب الروسي لمواجهة إسرائيل والتصعيد معها بما يكفي لإرباك مشروع نزع إدلب وتعطيل التوجه الأميركي الجديد أو قبول الروس الإهانة وابتلاعها.

وهذا ربما يفسر مبادرة فرنسا ومشاركتها بقيادة ماكرون الذي يمثل حاليا عنوان تيار العولمة الدولي. ويبدو أن ما تم  ينسجم مع التوجه حيث أن تزامن الهجومين ربما أربك المتابعة الروسية وسهل اصطياد الطائرة الروسية من خلال مناورات الطائرات الاسرائيلية بحيث تظهر كأنها ممارسات غير موفقة من الدفاع السوري أو عدم كفاءة قيادة الدفاع الروسي. ومثل هذا يتردد بكثافة في الإعلام الاسرائيلي.

الهدف الحقيقي ربما تخريب اتفاق نزع إدلب وما يتبعه من انسحاب اميركي بما ينهي معركة سوريا. وهذا ربما يفسر هدوء بوتين ومحاولته تخفيف حدة الموقف أو ضرورة سرعة الرد.

وعليه اتوقع التالي

        يتم امتصاص الضربة دون رد روسي مباشر مقابل تحذيرات بالتعامل بقسوة مختلفة ضد أي تحرك اسرائيلي مشابه.
        التركيز على إنجاح مشروع نزع إدلب وتسريعه قدر الامكان.
        الضغط باتجاه تسهيل الانسحاب الأمريكي.

د. سلمان محمد سلمان – استاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية - قلقيلية - فلسطين

2018-09-21