دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 24/1/1440 هـ الموافق 05/10/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حسين القاصد بـ'رائه' الغائرة وروحه الثائرة....هاني نديم

عصبي ونزق؟ صحيح..  وما الشعر سوى هذا؟

مختلفٌ عليه، متنازع على شخصيته، بلى هذا صحيح. إنما متفقٌ على شاعريته

متمردٌ و"مقنزع" و"مقنبر"؟ معجب بنفسه حد الخيلاء؟ أي والله.. لكنه شاعرٌ ومنبره يمشي معه.

بدايةً، من سوء حظي حقاً أنني لا أجد وقتا لأكمل سلسلة "ملامح" التي أعمل عليها من سنوات طوال وكتبت فيها أكثر من 200 "بورتريه" وأحتاج أن أكتب مثلها وأكثر، فالرائعون كثر ومن أحبهم وأدين لجمالهم كثر ولهم في رقبتنا منن لا تنقضي، إلا أنني سارعت بالكتابة عن القاصد في سياق ما يتعرض له من حملة شعواء من مراكز مسؤولة فقط لأنه يسمي الأشياء بمسمياتها عكس الكثير من صنّاع اللغة ممن يجيدون تدوير أحرفها كي لا تجرح أحداً. أكتب عنه لأنه مزعجٌ وضيق الصدر، لا يهادن أو يداهن، سألته: حسين.. هل يفرحك أنك مزعج، أجابني:

"نعم يفرحني جداً أني مزعج حين يجب ذلك، لأني لا أعمل بقول المتنبي :

وأصعب ما تكلفني الليالي

سكوتٌ عندما يجب الكلام

إنما أقول قوله لإبن كروس :

أيا ابن كروسٍ يا نصف أعمى

وإن تغضب فيا نصف البصير .

لست مزعجاً بالمعنى العام لكني أنوب عنك وعن المبدعين في إزعاج من أصابنا سلوكهم بمقتل!

إني أزعجهم كي لا يزعجونا، وفي هذا الصدد لا أروع من قول الشاعر الكبير كاظم الحجاج في إهدائه لي أحد دواوينه، إذ كتب: "حسين القاصد .. دمت ساتراً أمامياً لنا نحن الضعفاء".

صدق معلمنا الحجاج والله، كيف لم أنتبه لهذا؟ رغم أنني على نهج آخر من فكرة اللغة، ومن أننا نستطيع أن نصل لأقصى إزعاج بكل جمال، نحن، صناع اللغة، من باب المثل الشعبي الذي يقول: "الفاخوري وين ما بدو بيحطّ أذن الجرة"حسين صديقي جداً نعم، ولكننا نختلف أكثر مما نتفق، ونتشاجر كلما التقينا حول قضيةٍ ما ينهيها القاصد دوماً حينما يلتفت إلي ويقول لي بصوته الذي يشبه صوت جزازة عشب: "بكيف الله بعد".

إنني هنا أكتب عن هذه الجملة تحديداً: "بكيف الله بعد". أكتب "فشة خلق" إنصافاً لشخصه وإبداعه، تلويحةً لشعره الهائل.

في ساعة صفاء هائلة تحدثنا فيها عن كل شيء، سألته: حسين.. "شو بدك"؟ ودون أن ينظر لي أجابني:

"لن أقول لك كما قال المتنبي: "أريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن" لأني أحسب أن المتنبي العظيم كان يريد الاستقرار الذي لم يعرفه لا هو ولا الزمن.. وأنا لاأريد الاستقرار لأن الاستقرار موت؛ لا أريد الوصول لأن الوصول صمت ونهاية، أبحث في نفسي وفي العراق وفي الشعر عن مصير مخلوقات أنا خلقتها، لي ولغيري، وأحاول أن أحفظ لها هيبتها وأخلق لها هواءها الخاص بها وماءها الذي يختلف؛ أعيد تحديد المسار القادم لكن بطريقة شعرية، فأنا أحاول أن اختلف معي لكي أؤسس لثقافة الاختلاف لأن الاتفاق موت، وما زلت أحب العراق من طرف واحد لذلك احاول أنسنته لكي يكون حبيباً لا وحشاً كاسراً كلما جاع أكل أبناءه، وأبحث في الشعر عن حسين القاصد فهو طفلي الذي خلقته من بوح ودمع وأحاول أن أكون مثله!

أنا أغار من حسين القاصد فقد كبر أمام عيني حتى صرت أشتاق إليه، إذ نادراً ما نلتقي، وحين  نلتقي يشتعل البوح شعراً، فالقاصد الشاعر كائن مختلف أتعبتني وطنيته وغرامه ووحدته وحزنه المتجعد الدمع، لقد شاخ دمعه وهو طفل" .

عرفت القاصد شاعراً منذ سنوات طوال، ووقع في قلبي منذ أول مرة رأيته على منبر، يلدغ بحرف الراء ويستشيط غضباً وشعراً. كان يقول:

يا أيها الناس.. من منكم رأى وطني؟
أوصافهُ:أسمر الخدين.. يشبهني!
كـنّـا التقيــنا على آلام سنـبــلة
كانت تئنّ.. فلم أجهش ليـسمعني
وظل منه على وجهي صدى قصبٍ
وصرت ناياً له في لحظة الشجن
وكـنت أرسمه رأسـاً وأرفــعــهُ
وظلّ يرسمني أرضاً... ليسحقني
أوصافهُ: فاعلٌ والنخلُ يرفعهُ
وحرفُ عـلّـتهِ: شعــبٌ بلا ثــمـنِ

دشداشة الماء مازالت تزينهُ
لكـــن يابسهُ يحـــيا على الفـتــنِ
لاتعجبوا كلما شاهدته اختلفت
ملامحي... ثم أمحوني ليعـرفـني
كنا التقينا كثيرا تحت نخلته
وكنت أبعُدُ عن نــخلي ليـذكرني
عانى من "الراء" كان الحب يزعجهُ
فأتـقـن الحرب "راءاتٍ".. ليخذلني


هُدد القاصد بالمقاضاة والسجن بسبب "طول لسانه" واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي وأنا في مؤتمر سخيف وعلى سفر مضنٍ، وتابعت حجم المساندة التي شهدها حسين من كل المشارب والمسارب، وهذا ما يؤكد أن ثمة أشخاص مهما اختلفنا حولها، ساعة الجدّ سنقف معها انحيازاً لمحبة البلاد والمساكين من سكانها أو "مواطنيها" لك أن تختار، والمفارقة أن الكتاب الوحيد الذي حملته معي في هذه السفرة القصية كان كتاب القاصد الأخير"الجريمة الثقافية في العراق"، بعنوان فرعي: علاقة الشاعر والسلطة وأنساقها المضمرة.تساءلت:هل قرأ هؤلاء المسؤولين هذا الكتاب؟ للأسف السلطات لا تقرأ وإلا ما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من "أميّة" حضارية.الجريمة الثقافية في العراق وأنساقها المضمرة، كتاب جمع ما يخص الشعر العراقي من ١٩٠٠ إلى ١٩٧٩ وهو اليوم أحد أهم المصادر لمن يريد البحث في الشعر العراقي وشعرائه في القرن العشرين، سألت القاصد: ماذا تريد من هذا الكتاب، هل هو استمرار لنسقك في الإزعاج؟، يجيب:

"أزعم في هذا الكتاب أني أؤكد على ريادة العراق للنقد الثقافي العربي، وقد أوردت أدلة السبق العراقي في كتابي النقد الثقافي، ريادة وتنظير وتطبيق _ العراق رائداً، الصادر عن دار التجليات في مصر، أما الجريمة الثقافية فقد جاء تطبيقياَ للأنساق، وقد نفد من المكتبات بسرعة غير مسبوقة منتظراً الطبعة الثانية منه. وأستعد لكتابة الجزء الثاني من الجريمة الثقافية إلى جانب أعمالي الشعرية غير الكاملة.. وكتاب يشتغل بين التداولية والنقد الثقافي وأحسبه سيحدث صدى طيباً".

أنا أتفهم من لا يحب القاصد بكل تأكيد، أتفهم أنه يسبب قلقاً أينما استدار وإزعاجاً لأصحاب المناصب والمشتغلين في الشأن الثقافي على حد سواء، فهو خزانة لغوية ومعرفية ما إن تلمس رفوفها حتى تقع على رأسك ولكن أجزم بصدقه وشغفه بالإصلاح، فهو محارب من الطراز الرفيع، محاربٌ ونبيل، يعتذر عل رؤوس الأشهاد إن أخطأ وكأنه يلقي إحدى قصائده بكل فخر وعنجهية! كما أؤكد أنه لا مشهد ثقافي تام دون القاصد وأمثاله من المشتعلين غضباً وصدقاً. الله يطعمه لكل وطنٍ ويرزقه لكل بلاد. إذ أننا في بلاد رخوة مستكينة، تكاد تموت على سرير البلاهة والبلادة واللاشيء.

في أحد المهرجانات الكبيرة، صعد أحد "الشعراء" إلى المنصة ليهبط باللغة والنحو والمجاز إلى درجةٍ مدهشة، قام القاصد كعادته، رفع بنطاله بيديه وهرول خارجاً من القاعة، وقبل أن يصل إلى الباب نظر نحوي حيث كنت أجلس بعيداً في آخر الصالة وقال لي بصوته الذي يشبه جزازة العشب: نديم "قوم يمعود" نطلع ندخن!.. هو هكذا، حفظناه خلال ربع قرن من الشعر والصحبة.. سألته: علام تبني في قولك هذا شاعر وهذا لا؟، يجيب (بغضب طبعاً):

"أقولها وعلى من يسمعها أن يقتنع أو يقتنع!، ولقد لجأت لهذا بسبب الانفلات الشعري الذي استشرى مؤخراً حتى صرنا نعاني من تخمة شعراء وشحّة شعر؛ كما أني أود أن أخبرك بسر، وهو أن الشعراء لا يخافون مني كما تزعم، لأنهم يعلمون اني أحاول حراسة الشعر في ظل تقاعس النقد أو فشله في أغلب الأحيان  انما يخشاني الطارئون وطفيلات المنصة".

سؤالي الأثير لشاعر أحبه هو: من تحب من شعراء جيلك، من تحب من الكبار ومن تكره؟، يجب القاصد: "من الكبار، لا مفرّ من الماغوط ودرويش والسياب والبردوني وعبد الرزاق عبد الواحد، وأحب من صلاح عبد الصبور مسرحه الشعري ولكن لا أحب شعره لأنه مصاب بداء السياب وعقدة الريادة، ومن شعراء جيلي أحب "الشعراء" فقط من شعراء جيلي!!  وأكره غير الشعراء الذين يعيدون صياغة الصورة الشعرية المسروقة من غيرهم  بتغيير كلمة أو كلمتين؛ ولا أود أن أذكر أسماءهم كي لا يشتهروا".

أحب القاصد وأخاف عليه، وأتمنى أن يخفف من حدّته التي تدخله غرفة الإنعاش كل ستة أشهر تقريباً!، نختلف ونتشاجر ولكننا لم نتوقف عن الضحك يوماً.. ولا عن الشعر.. يقول:

لم يشبهوا الطينَ، لا مُسّوا ولا سُحقوا

ماعاد طيناً حقيراً منذ أن خُلقوا

كانوا سنابل آياتٍ يفهرسها

ناي المشاحيف حيث الهور والعلقُ

كانوا لدى الله أقلاماً ومحبرةً

واستأذنوا الله يوم الخلق.. وافترقوا

هم فكرةُ الله، حين الله دوّنَها

صار الفرات، وصار الطين، والورقُ

فترجموها عراقاً لا شبيه له

لكـنهم أفـرطوا بالـنار  فاحترقـوا !

2018-10-03