دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الإثنين 3/3/1440 هـ الموافق 12/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
البهاء باق فينا، ومعنا سير الشهداء في قلوب الأحياء....عادل سالم

 صدر هذا الكتاب «البهاء باق فينا، ومعنا» للكاتب محمد عليان عن دار (الرعاة للدراسات، والنشر) في رام الله، فلسطين المحتلة، و(جسور ثقافية للنشر، والتوزيع) في الأردن عام ٢٠١٨ رغم أن مقدمته ذكرت ٢٠١٩ ربما لأن الناشرين لم يتوقعا صدوره قبل ذلك.

 هذا الكتاب الذي فاقت صفحاته المائتين، والخمسين صفحة يتحدث عن الشهيد بهاء عليان ابن الكاتب، والمحامي محمد عليان. وكان الشهيد بهاء استشهد عام ٢٠١٥، أثناء عملية مقاومة مع المحتل أدت لاستشهاده في القدس، حيث احتجز الاحتلال جثمانه حوالي العام قبل أن يسلمه لأهله ليدفنوه. في ثرى القدس.
 والكتاب الذي يتألف من قسمين الأول وهو الأهم والذي جاء في نهاية الكتاب والذي يعد جوهر الكتاب يصف فيه الكتاب مشاعره، ومشاعر والدة الشهيد يوم استلام جثمان ابنهما الشهيد بهاء عليان، ودفنه في مقبرة المجاهدين في قلب القدس في شارع صلاح الدين. والقسم الثاني من الكتاب الذي يضم عشرات المقالات التي شارك فيها كتاب يتحدثون عن الشهيد، ووصاياه العشرة التي تركها خلفه يوم استشهاده، والتي تعبر عن رؤية وطنية صادقة، تظهر الخلل الذي تعاني منه القوى الوطنية كافة في الوطن المحتل.
وقد قال الكتاب ما نرغب جميعا في قوله، ولا داعي لتكراره لكني آثرت أن أكتب هنا عن جوهر النص، عن الإبداع الذي عجزنا عن الوصول إليه. 

{{{ولدت يوم ولد البهاء}}}


عظمة هذا الكتاب أنه يأتي من كاتب والد لشهيد شكل نموذجا لكل شهداء فلسطين. والده (محمد عليان) كان أسيرا خلف القضبان في بدايات انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة  اعتقل عام ١٩٧٠ وأمضى الجزء الأبرز من شبابه خلف القضبان في أهم وأبرز سنوات النضال الفلسطيني التي أسست للحركة الوطنية الأسيرة خلف القضبان، وتنقل من معتقل لآخر، وشارك في أبرز إضراب عن الطعام خاضه الأسرى الأبطال عام ١٩٨٠ في سجن نفحة الصحراوي، والذي يعد علامة فارقة في تاريخ الحركة الأسيرة في فلسطين المحتلة في أسوأ سجن عرفته سجون العدو الصهيوني آنذاك والذي افتتح لقمع الحركة الأسيرة، وإخضاعها، والذي أشرف وزير الداخلية الصهيوني نفسه، وإدارة السجون بكل طاقمها على قمع الأسرى، والتنكيل بهم مباشرة، إنه سجن (نفحة) الذي هزم أبطاله حينها إدارة السجون وأجبروهم بصمودهم، وتضحياتهم، وتضامن شعبنا، وأصدقائنا خلف القضبان معهم على التراجع عن قراراتهم المجحفة، فكان لوالد الشهيد الذي شارك، وكان شاهدا على تلك التجربة، وذلك النصر دوره مع أسرانا البواسل الذي تعلموا في تلك المواجهة كيف تصنع الانتصارات. وقد تحرر من الأسر إثر صفقة تبادل الأسرى الشهيرة عام ١٩٨٥ التي تحرر بموجبها ١١٥٠ أسيرا كان أغلبهم محكومين بالسجن المؤبد.



من المهم معرفة ذلك كي نعرف لماذا تميز والد بهاء عليان عن غيره من أهالي الشهداء، وكان قدوة لهم، ومحط أنظارهم، وقائدهم في المواجهة مع قوات الاحتلال لانتزاع جثامين  بعض الشهداء، ثم جثمان ولده الشهيد ليدفن في ربوع القدس، شهيدا تعتز به فلسطين، وتعده مَعْلما من معالمها.
عندما يكتب المحامي محمد عليان عن الشهداء فهو بالتأكيد يختلف عنا جميعا، فهو الأسير الذي تحرر من الأسر عبر صفقة تبادل الأسرى عام ١٩٨٥ مرفوع الرأس، والذي شهد سقوط بعض الشهداء خلف القضبان، عاصرهم، وعاش معهم، علي الجعفري، راسم حلاوة (أثناء الإضراب)، إسحاق مراغة، عمر القاسم لاحقا... ثم هو والد الشهيد بهاء عليان الذي استشهد في معركة مقاومته للمحتل في قلب القدس معلنا أن لا مهادنة، ولا مساومة مع عدو سلب الوطن، وحوله لمستوطنات لجنوده.
فنحن كتاب الوطن الذين نكتب عن الشهداء نحب أن نصغي بإجلال لصوته، ونستمع لتفاصيل مشاعره الإنسانية كي نستمد منها بعض ما يمكن أن نتكبه عن شهدائنا في رواياتنا، وقصصنا، كي تكون حقيقية لا تصنع فيها. فما يكتبه يشكل الصورة الأكثر دقة وألما لما يعانيه أهالي الشهداء الذين لم يستطيعوا أن يعبروا بكلماتهم الهاربة من آلامهم عما شعروا، وما زالوا يشعرون به.
{{{لحظة دفن البهاء}}}

مشاعر لأب، ومناضل وطني رأى في صورة ابنه الشهيد صور كل شهداء فلسطين، فكان كما وصفه أهالي الشهداء أبا لهم جميعهم.
لحظة دفن الشهيد الابن لحظة إجلال، ربما لا يعرف تفاصيلها إلا أمثال الكاتب المحامي محمد عليان، تماما مثل كل عشاق الوطن الذين لا يعرف ما يجول بخواطرهم إلا من دخل محراب العشق، وكان واحدا منهم.
يصف لحظات استلام جثمان ابنه الشهيد بإبداع إنساني غير متكلف، فجاءت كلماته كموسيقى جنائزية دون أن يعزفها أحد، الكلمات تنساب كأنها جدول تخترق الوديان العطشى فتسقيها بعد طول انتظار. ما زال يأمل أن يكون ابنه حيا حتى قبل لحظات من استلام جثمانه. لعله حي، لعله أسير، لعلهم اختطفوه، وأخفوه عنا، هذا ما كان يهمس به لزوجته أم الشهيد صباح استلام جثمان ابنهما الشهيد. 
رغم كل الحواجز العسكرية التي أقيمت في القدس، واشتراط دفن الشهيد بعد منتصف الليل، وحضور ١٥ شخصا فقط للمشاركة في الدفن يقول والد الشهيد:
 «لم نكن وحدنا كانت القدس معنا».
 كانوا على مسافة أمتار من المقبرة التي تقع في أهم شارع من شوارع القدس، شارع صلاح الدين الذي يمتد من باب الساهرة حتى منطقة الشيخ جراح. 
لحظة استلام الشهيد بهاء عليان يصفها والده بأدق التفاصيل بحيث تشعر معها أنك كنت معه حاضرا، وشاهدا، هو يقاوم المحتل حتى اللحظة الأخيرة الذي يحاول أن ينتزع كل معنى للنصر باستعادة الشهيد الحي، والد يبتسم، ويصر على حضور أم الشهيد التي يحاول الاحتلال منعها، ونحن الحاضرين من خلال النص نبكي حزنا، لم نستطع منع دمعاتنا أن تنزل فلن يراها أحد، ولن يشاهدها المحتل المتربص بمشاعرنا حتى اللحظة الأخيرة.

محمد عليان في نص اللحظات الأخيرة خلعنا من حاضرنا، ومن أمكنتنا ونقلنا تماما إلى تلك اللحظة التي عاشها، كأننا معها نرقبه، ونعيش معه، هو يبتسم، ونحن نبكي، هو متماسك، ونحن غير قادرين على التماسك، إلى هذا الحد أثر فينا؟ هل كانت كلماته هي التي شدتنا، أم قوة الحدث، أم تلك الهالة التي تسكننا عندما نتذكر شهداءنا؟


بعد صدور روايتي (عناق الأصابع)، وعاشق على أسوار القدس للكاتب عادل سالم، كان بعض الكتاب، والصحافيين يسألونه: لماذا تركت أبطال رواياتك يستشهدون؟ 
فكان يقول لهم: لأن الشهداء هم الأكثر عشقا للوطن.
 وفي هذا النص الذي خطه الصديق المبدع محمد عليان، ونقلنا فيه راغبين للحظات دفن البهاء ما يؤكد تلك الحقيقة، فلولا هذا العشق غير القابل للوصف بين الشهداء، والوطن، والشعب ما استطاعت هذه اللوحة الفنية أن تجعلنا نجلس مشدودين لكل حرف، وكل ثانية. 
محمد عليان لم ينقل لنا فقط مشاعره، ومشاعر أم البهاء بل نقل لنا بلوحته المقدسية التي تعمدت بدم ابنه، صورة كل الشهداء، شهداء فلسطين، أجبرنا أن نستذكرهم واحدا واحدا، من محمد جمجوم، ورفاقه، إلى بهاء عليان، وآخر شهيد سقط في فلسطين. إنه وطن الشهداء، وطن الأسرى، وطن المشردين في بقاع الأرض.

عادل سالم

كاتب عربي مقيم في الولايات المتحدة
===================
ديوان العرب

2018-11-12