دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأحد 9/3/1440 هـ الموافق 18/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لكم منّا كل التقدير والامتنان....الطاهر العبيدي

باسمي وباسم أخي المحامي "مراد العبيدي" وكل أخواتنا البنات في عائلتا الموسعة، باسم كل أقاربي  الكرام والأعزّاء نساء ورجال شابات وشباب، باسم كل آل أولاد سيدي عبيد الأخيار باسمهم جميعا أقدم أسمى عبارات الشكر والامتنان والعرفان، لكل الذين واللاتي هاتفونا العديد من المرّات، واللذين أرسلوا لنا برقيات تعزية دافئة المشاعر والعبارات، أو من كتبوا نصوصا مؤثرة، تنبض بالصدق والوفاء، وتتدفق بنبل المشاعر والإحساس، أو الذين تحمّلوا تعب التنقل والمسافات، ليحضروا جنازة والدنا المغفور له والمرحوم:

"محمد بن عبد الرحمن العبيدي"، الذي غادرنا يوم 22 سبتمبر 2018. فكان فراقه لنا بحجم جبال من الوجيعة والأحزان، غير أنه لا مردّ لقضاء الله وله ما أخذ وما أعطى..

 

أيها الأحبة هنا وهناك

صدقا أجد حالي هنا عاجزا على ذكر كل الأسماء، التي شاركتنا فاجعة فقدان والدنا، وخففت عنا ما أصابنا من بلاء. فشكرا لكم جميعا دون استثناء. شكرا لكل الجيران الأعزّاء، الذين ساعدونا في إقامة العزاء. شكرا لكل الأحباب والمعارف والأصدقاء. شكرا لكل الزملاء في مختلف المواقع والصحف والجرائد والمجلات. شكرا لرفاق الغربة والمنفى سابقا من كل الدول والبلدان..

 

أيها الأحبة في البلد ووراء البحار

لا أخفيكم جميعا القول أن حزني صار معتّقا بفراق والدي الذي كان أيام المحنة صلبا كقلاح الأحرار، واقفا في عزّة دون انحناء..لقد كنت أحسّ أنّي مسنود الظهر بوجوده طيلة 20 عام، أثناء عيشي في المنفى ممنوعا من الرجوع للوطن والعودة للبلاد..ورغم قسوة الحنين والهجر ولوعة الفراق، كنت أشعر بالحماية والإسناد، لأن المرحوم والدي كان حصنا لي بالغياب، وسندا لعائلتنا الموسّعة بين مدينة "تاجروين" ومدينة "الكاف" طيلة كل تلك الأعوام، وفجأة يتعرّى ظهري وأبقى وجها لوجه مع الوحدة والفرقة والأحزان..

 

أيها الأحبة في كل مكان

كنت وأنا بين حزني ووجع الفراق، يلطمني إحساس خفي بحجم الذنب والمسؤولية بأني سببت لوالدي الكثير من المتاعب والشقاء، أثناء أعوام المنفى والغربة والابتعاد..غير أني أحمد الله أن يسّر لي رؤيته بعد ثورة الكرامة والإباء، ومكنني من التقائه وهو على قيد الحياة، وأكرمني مرّة أخرى بحضور جنازته وتشييعه لمثواه الأخير وتلقي العزاء..

أيها الأحبة في كل البلدان

 مهما كان حزني متأججا في الصدر والأعماق، إلا أنه يبقى أهون من فواجع وآلام بعض اللاجئين السياسيين رفاق المحنة هناك، في منافي البرد والصقيع والاغتراب..فكم كانت مرّة تلك الأيام خصوصا لما تأتي الأخبار بفقدان أحد الآباء أو الأمهات. كنا نلتقي حول المصاب ونقيم عزاء بالغياب..كانت لحظات قاسية جدا ومؤثرة جدا وحزينة جدا علينا جميعا دون استثناء. كانت مناسبات موجعة جدا إلى حدّ الرثاء على من صار منا يتيما يعتصره الشوق والحنين والذكريات، ويمزقه الحرمان من عدم حضور جنازة أمه أو والده بسبب المنع من السفر للبلاد.. فما أقسى تلك الأيام وتلك الأعوام التي يلونها شدة البلاء ويذبحها صمت أمرّ من البكاء..

 

أيها الأحبة وكل الجيران

 تلك كانت أياما شديدة الوقع على الأنفس والأرواح، يختلط فيها الإحساس بالظلم القابع في النفوس والمترقرق في الأحداق، يتماوج فيها الإحساس بالوجيعة بالمسؤولية بالذنب وكل أنواع العذاب.. حيث الكل منا يواسي المفجوع في أهله والألم قاسم مشترك بين المتلقي وبين الحاضر لتأدية واجب العزاء، فالكل منا يحس حاله مصاب ينتظر مثل هذه الأنباء. يترقب فقدان عزيز يوارى التراب.. فكان عزاء مشتركا دون استثناء، ومشهدا متدثرا بحزن حالك السواد..وتلك بعضا من شذرات مآسي المنفى دون الغوض في تفاصيل المأساة، لمن كان في الداخل يعتقد أن المنفى ورود وريحان، وإقامة مشاريع بطنية وتكديسا للأموال..

 

أيها الأحبة وكل الأصدقاء

لا أكتمكم القول أني عندما تلقيت نبأ رحيل والدي إلى ربّ عادل كريم لا يظلم عنده أحدا، وهو بلا شك سينتصر للمضربات، في مقر هيئة الحقيقة والكرامة أمام تجاهل أولي الألباب، إن لم يكن في الدنيا فسيكون يوم الحساب. كما سوف ينصف أولئك المناضلين ضحايا سنوات الغمة والمأساة، الذين دفعوا أحلى سنوات العمر والشباب، والنتيجة تجاهل وعدم مبالاة، وتنكر لمحن رفاق الدرب الأحياء منهم والشهداء والأموات، الذين كانوا فحما لمعارك باسم مشروع عنوانه قيم ومبادئ وأخلاق، ليتلاشى ذاك الحلم ويتحوّل عند الكثير من المهجرين والمساجين إلى سراب...  

معذرة أيها الأعزاء عن انقطاع الإرسال وخروجي عن موضوع المقال، لأعود للقول أنني عند تلقي خبر الوفاة، أحسست أنني ذاك الطفل الذي ترك وحيدا بلا سند في بيت منزوع السقف مُهتَرِئ الجدران، يخربه البرد والوحدة ويلسعه صقيع الشتاء..فانفجرت عيوني دون إرادة مني في عاصفة من الدموع والبكاء..      

أيها الأحبة ويا كل الأقرباء

اسمحوا لي أن أعترف لكم بما أوصاني به والدي "محمد بن عبد الرحمان العبيدي" رحمه الله:

كان ذلك يوم 15 جانفي 1992 حين تمكنت من الفرار من محكمة مدينة "الكاف"، على إثر صدور حكم بالسجن ضدّي بثلاث سنوات. يومها التجأت إلى الصديق العزيز "رضا الخماسي" صاحب الشهامة والوفاء، الذي أوصلني إلى أحد البيوت  للاختفاء، وبقي همزة وصل بيني وبين عائلتي من أجل رصد  الأخبار، حيث جاءني بعد ثلاثة أيام بورقة مكتوبة بخط والدي رحمه لله يقول لي فيها: "أنا ابوك إن تريدني أن أرض عليك هاجر ارحل إلى الجزائر، لا أريد أن أراك في السجن مرة أخرى"،

 وبعدها بيومين رتبت سفري بطريقة غير شرعية ودخلت الجزائر، مجتازا للحدود بلا وثائق ولا جواز، ولرحلتي مع التيه والترحال  حكايا وقصص  ومغامرات مع الحدود والمسافات والجوازات المزيفة والتسلل في المطارات..ليستمر منفاي 20 عام لم أر والدي ولا والدتي ولا أخواتي البنات، محروما من الأهل والخلان والجيران واستنشاق تربة البلاد...    

أيها الأحبة ويا كل الزملاء

مرة أخرى أستسمحكم في نقل موقف من كثير من المواقف لوالدي رحمه الله. كان ذلك سنة 1989 إبان الانتخابات. حين سمح بشيء من الانفتاح.. أيامها كنا شباب يحدونا الأمل والحماس، فكنا نساعد في كتابة لافتات، وتدوين بعض الشعارات وحشد الأصوات وتوعية الناس، من أجل قطع الطريق أمام حزب النظام..كل ذلك ووالدي كان وكأنه متنصلا من حلمنا، ممتعضا من تنطعنا، وإفراطنا في الحماس.. حتى أيقنا أنه سيعطي صوته لحزب النظام.. وظل صامتا رصينا، ملامحه توحي بعدم الرضاء من طريقتنا في الظهور والإعلان، ونحن نحسّ بشيء من الامتعاض، معتقدين أنه صوتا سيعزز قائمة جبهة النظام، ولكننا لم نجرأ على مفاتحته تجنبا للإيذاء..وجاء يوم الانتخاب، وعند انتهاء عملية الاقتراع في المساء أتى والدي ورمي لنا دون كلام بالأوراق الحمراء التي تحمل مرشحي حزب النظام.. عندها تعلمت منه أول درس أن السياسة هدوء ورصانة وتروّ وجدوى وعدم انفعال... فليرحمك الله يا والدي ويحسن مثواك، وتلك هي حال الدنيا، فكلنا راحلون ولا يبق سوى وجه الله ذو الجلال والإكرام، كما في قول أبو العتاهية             

إن الطبيب بطبّه ودوائه

                             لا يستطيع دفع مقدور أتى 

ما للطبيب يموت بالداء

                            الذي قد كان يبري

 مثله فيما مضى 

                   هلك المُدَاوِي والمُدَاوَى

 والذي جلب الدواء

                  وباعه ومن اشترى..   

2018-11-18