دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 14/3/1440 هـ الموافق 23/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رأس المال، السياسة والعباءة....بقلم: فراس جابر

تستخدم مقولات كثيرة ومتعددة في السياق الفلسطيني والعربي تشير للخروج من العباءة، وهي تعني فيما تعنيه إلى تلك السلطة والقوة والهيمنة الكامنة في تلك العباءة وقدرة الفرد والمجتمع على التحرر من قيودها وظلالها وهيمنتها إلى فضاء أرحب وأوسع، ولكن رغم كل محاولات الخروج من العباءة هناك قوى دائماً تصر على أن "تهدي" من ضل السبيل.

يمكن الاستفاضة في تحليل تلك القوى داخل المجتمعات العربية، والتي وصفت تاريخياً بالقوى الرجعية والظلامية، والديكتاتورية، والأبوية وغيرها الكثير من المصطلحات، ولكني أود التركيز في سياق هذا المقال القصير على تلك القوى التي هاجت وماجت مهاجمة أدنى تحرك للمطالبة بالحقوق أو تحسين للواقع الحالي، وذلك في سياق تطبيق الضمان الاجتماعي في فلسطين المحتلة، حيث لم تكفي محاولات القوى المتنفذة داخل السلطة الفلسطينية الاستئثار بصناديق الضمان وأموال العمال والموظفين التي جرى صدها ولو بعد حين، حتى تحركت قوى رأس المال مستخدمة كافة أدواتها وأساليبها، وهي التي تمتد شبكة علاقاتها المالية والاقتصادية من الولايات المتحدة، والخليج مروراً بالأردن وصولاً إلى فلسطين المحتلة دون أن ننسى ذكر العقود و"الخدمات" التي تربط بعض رأس المال بالاحتلال وشركاته، بما في ذلك تمويل وتطوير برامج ومنتديات مشتركة بينهم وبين رجال أعمال "إسرائيليين" خدمة لما سمي "بالسلام الاقتصادي".

تحرك رأس المال لعدة أسباب، من أهم الأسباب المصالح والمال، حيث أن وجود ضمان اجتماعي يعني بالضرورة تحقيق مكاسب لبعض الشركات والبنوك دون سواها من ناحية، أو اضطرار البعض إلى تسييل الأصول والممتلكات لتسديد مستحقات نهاية الخدمة من ناحية أخرى، والتي جاء قرار احتسابها صادماً لهم، فيما البعض الأخر رأى أن قدرته على التلاعب بالمستحقات والحقوق والعقود سوف تقل حتماً أن أضطر للإفصاح عنها لمؤسسة الضمان. خلاصة القول؛ الاستغلال والجشع هما سيدا الموقف، حتى بات من يستمع لخطاب رأس المال الفلسطيني في قضية الضمان يشعر أنهم يقودوا معركة تحرر وطني وطبقي!

الصراع الناشئ بين الحكومة الفلسطينية ورأس المال هو صراع مصالح بالدرجة الأولى، فالسلطة لعدة أسباب تريد الضمان، منها إنقاذاً لهيبة "مفترضة" لدولة تستطيع فرض القوانين، ومنها ما هو مرتبط بتسويق الضمان على أنه إنجاز في ظل خلو خزينة وسجل الحكومة من أي إنجازات في أي مجالات أخرى، ومنها ما هو مرتبط بتحصيل أموال العمال لما لها القدرة على إعطاء دفعة اقتصادية مفترضة، ولكن هذا الصراع لا ينفي أسس العلاقة العضوية بين السياسة ورأس المال، فقد رأينا أحزاباً أو حتى أعضاء قياديين داخل أحزاب يتحركون لخدمة رأس المال، أو استغلوا توتر العلاقة بين الحكومة ورأس المال لتسديد بعض الضربات السياسية علها تغير مواقعهم داخل النظام السياسي.

دور العباءة في خدمة المصالح، جاء لاحقاً، وهي ترمز للمخزن القديم للسياسة حيث يسود "فن" دمج الدين والعادات والتقاليد لخدمة رأس المال والسياسة في آن واحد، فما العباءة إلا مجمع كبير لتلك المصالح، تغذيها وتستفيد منها، ومن المفيد ذكره في هذا السياق مثال حي اقتربت منه بحكم نشأتي، حيث "اشتهر مختار في مجال الإصلاح، وكثرتردد اسمه وتدخلاته المختلفة، وفي إحدى المرات حكم لصالح شخص بملكية أرض متنازع عليها، وحين سألوه لماذا حكمت على خلاف ما يجب، قال كان معي كريماً!"

الاجتماع العشائري الأخير، وهو لتحري الدقة يمثل بعض الأشخاص من بعض العائلات، وتحديداً العائلات المالكة لعدد من الشركات والمصانع الكبيرة، أو العائلات التي تناسبها وتصاهرها، أو تلك التي تعمل موكلة ببعض فروعها، إضافة لحزب إسلامي عرف عنه كل شيء إلا الانحياز لمصالح الفقراء والعمال والمعدمين،لمالا! هم لا يستطيعون أن يكون كرماء معه. هذا الاجتماع يمثل رأس هذه العباءة، ولو لمجموعة أخرى نفوذ ومال لجمعوا مثله أو أكبر مطالبين بالضمان الاجتماعي على خلاف الجماعة الأولى، فهذا هو دور العباءة تمثيل "تقليدي" لمن هو مهيمن!

أستطيع الاستفاضة وتقديم الدليل تلو الدليل لمن يريد أن يرى أنه لا فكاك فعلاً بين مكونات القوى الرجعية والتقليدية، فهي بالجوهر متحالفة ضمن مصالح واحدة، وما أن تأتي قوة جديدة أشد قوة حتى سرعان ما ينضموا لها. يستطيع رأس المال القفز للأمام أو العودة للوراء، كما يستطيع التشدق بأقوى العبارات الوطنية، فهذا لا يهم طالماً الاحتكارات والأرباح ما زالت تتدفق، وحيثما لا تجرؤ الحكومة على المساس بامتيازاته أو الرفع من نسبة ضرائبه أو وقف استغلاله للمجتمع ولعماله أو حتى السؤال من أين لك هذا؟ الحكومة لا تجرؤ، لأنها من سمح لهذا السلوك أن يتغول وقد غذته سياساتها الليبرالية المختلفة طوال عقود بتشجيع من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تحت عبارات مثل "تشجيع الاستثمار لتحقيق التشغيل والنمو" فما زادنا الاستثمار إلا فقراً فيما نمت ثروات هؤلاء.

سأكتفي بما ذكرت، وربما أتيح لي مستقبلاً تقديم تحليل مستفيض وشامل لهذه المنظومة من العلاقات القائمة على الزبائنية والمحسوبية والاستغلال، حيث المبادئ تنتظر خارجاً بينما لغة المصالح تتكلم بالداخل. أمام لغة المصالح هناك لغة أخرى يجب أن تسود لغة عمادها المنطق والعقل ومصالح الغالبية العظمى، تصحيح المظالم، وإحقاق الحقوق دون خوف أو وجل أو تراجع من القوى والمؤسسات التقدمية الحقة، ومن المفيد هنا أن يكون هذا درساً وعبرة للاتحادات النقابية التي يجب أن تنفض غبار الحزبية الصرفة والمصالح عنها، وتطرد من ثبت عليه الفساد لترجع ممثلة حقاً لهموم العمال والعاملات.

باحث ومؤسس/ مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية

2018-11-21