دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 4/5/1440 هـ الموافق 11/01/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
يجوز أو لا يجوز؟؟؟.....يحيى الكفراوي

شد انتباهي، وأنا أتجوّل في بعض صفحات "الفايسبوك"، لأتفاجأ برؤية منشور أسود الشكل والمحتوى، والمنقول من حساب المحامي"وحيد أولاد علي" والذي شارك به الأستاذ "مراد العبيدي" حيث جاء كما يلي:

" عجبت لمن عاش عمره يردّد: "الله أحد"

كيف يحتفل بعيد من قال: "إنّ لله ولد"!!..

لقد اندهشت كثيراً من وجود هذا المنشور الأسود الحاقد في صفحة محاميين كان من المفروض أن يكونا حماة للفكر، ورسولين للقيم الإنسانية الراقية، بعيداً عن التعابير الهابطة في حوض ثقافة العوام..

من المستفيد من خلق هذا التشظي؟

الحقيقة، تمنّيت لو لم أقرأ ذاك المنشور، وتذكرت فوراً حواراً جرى بين الشاعر الأعمى"بشار بن بُرد"، ورجل سأله:
ـ إنه لم يذهب بصر رجل إلا عُوّض من بصره شيئاً، فما عُوِّضْتَ أنت من بصرك؟

أجابه الشاعر فوراً:

ـ أن لا أراك، فأموت غمّاً!.

نعم، هكذا كانت حالتي تماماً...

الموتُ غماً بعد رؤية ذاك المنشور الأسود.

لأن ذاك المنشور، وتلك العبارات البائسة، المنفصلة عن حقيقة الإسلام السمح ترعاها إسرائيل ودول الغرب من أجل الاستفادة منها في عملياتها لنسف جسور التواصل المهمة بين المسيحيين والمسلمين فوق مساحة الكرة الأرضية، وبشكل خاص، في ساحات دولنا العربية، لأن تلك الدول المناهضة لكل تقارب إسلامي مسيحي  تعمل على خلو العالم العربي من مسيحيه بواسطة "العصابات الإرهابية" التي تلتف زوا برداء الإسلام  وتجعل من التعاليم الإسلامية لافتة وشعاراً لها كي تشوّه تميّزه الحضاري وبعده الانساني، ولكي تصبح منطقة موحشة تتصارع فيها أصوليتان: يهودية وإسلامية، عندها، ستحاول إسرائيل استغلال هذا الصراع في تجديد دورها الوظيفي في المنطقة باعتبارها قلعة متقدمة في مواجهة الإرهاب الإسلامي، وهذه المحاولة توفر لإسرائيل استمرار دعم الغرب المسيحي لها.

سجّال يحترم الحدود

وأعود إلى موضوع "السجال" الذي دار بيني وبين المحامي "مراد العبيدي" على اثر هذا المنشور الأسود الحاقد، والذي كما يقول قررت تأجيل خصومتي"على عنوان التثليث، وتأليه الطين، وعدم الاعتراف بخاتمة النبوة" حتى لا يفقد بريق صداقتنا "الفايسبوكية"، أو حسب تعبيره إلى"تفاصيل دينية تفرّق وتذهب المودة".

فها إني أكتب لكم هذه الآراء سادتي المحاميان بعد أبحاثي وقناعاتي الدينية التي توصلت إليها، وأنا مسلم لرب العالمين، وأؤمن بالله وجميع رسله وأنبيائه، و"أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمداً رسول الله".

"خصومة" التثليث من منظور فلسفي.

الآية المختصة بالثليث، والتي تقول:

 "لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ".

 هي تتكلم عن ثلاثة آلهة مختلفة، وليس عن ثلاث صور لإله واحد كما يؤمن أغلب المسيحيين الذين يؤمنون بأن الله هو واحد، ويتجلى في ثلاث صور، ولتسهيل فهم ذلك يمكننا اخذ الشمس كمثال على ذلك، فالشمس واحدة، ولكنها بثلاث صفات: مادة الشمس، وضوء الشمس، وحرارة الشمس.

وتعتبر المسيحية بحسب معتنقيها من الديانات التوحيدية، فالله عندهم واحد، ولكن بثلاثة "اقانيم"، وكلمة "اقنوم" هي كلمة سريانيه يطلقها السريان على كل من تميز عن سواه دون استقلال وهي تعني شخصاً متحداً بآخر، أو آخرين، في امتزاج متميز ودون انفصال.

فالمسيحيون ليسوا كفرة، كما يذهب في أذهان بعض العامة بل هم في منزلة عالية جداً عند الله.

 التثليث الدلالات اللغوية

على سبيل المثال ذكر القرآن الكريم تعبيراً مشابهاً لـ "ثالث ثلاثة" وهو تعبير "ثاني اثنين" حينما تكلم عن خروج الرسول "ص" من مكة مع صاحبه، فقال:

 "إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا".

هنا أود أن أقف لحظة أمام التعبير اللغوي "ثَانِيَ اثْنَيْنِ".

تعبير "ثاني اثنين" يتحدث عن شخصين مختلفين تماماً، هما الرسول "ص" وأبو بكر الصديق "ر"، وكذلك الحال في قوله:

 "لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله "ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ" التي تتحدث عمن يعبد "ثلاثة آلهة مختلفة"، وليس إلهاً واحداً كما يعبد المسيحيون.

تقول الآية القرآنية الكريمة:

"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".

هذه الآية جاءت في القرآن الكريم، ومثلها العديد من الآيات القرآنية التي تثبت صحّة إيمان المسيحيين، من دون الاشتراط عليهم الإيمان بالرسول محمد "ص".

تأليه الطين المعنى الإيحائي.

الطين هو مادة الأرض بما تحتويه من مختلف العناصر التي يتكوّن منها جسم الإنسان من عناصر بنسب متفاوتة، منها: "الأكسجين، الكربون، النيتروجين، الكالسيوم، الفوسفور، البوتاسيوم، الكبريت، الصوديوم، الكلور، المغنيسيوم، الحديد، الفلور، الزنك، النحاس، اليود، السيلينيوم، الكروم، الكوبالت".

كان الإنسان قبل ظهور المسيحية يبحث عن الخلود، فأخذ يصنع الأصنام والتماثيل بهدف تخليد الأشخاص والأفكار التي يحب أن يخلدها، وهذا فنّ كان وسيلة تعبير عن شعور داخلي، ومنه لتكريم وتمجيد الآلهة.

عندما جاءت المسيحية، استفادت من هذا الفن، وزينت كنائسها بالتماثيل والصور والإيقونات لتذكر المؤمنين بالجمال الإلهي، وبحب الرب لبني الإنسان، فالمسيحي يجلّ الصورة، باعتبارها رمزاً من وجوه حب الله الذي تجسد، وأخذ صورة إنسان، حباً بإنساننا.

كما أدخل المسيحيون بعض الفنون البصرية، مثل الإنشاد والموسيقى، في حلقة تسبيح لله من خلال هذه الجماليات التي هو مصدرها وواهبها، وهكذا يفعل بعض المتصوفين الإسلاميين.

 

المسيحيون ليسوا عبّاد أصنام وحجارة

 

 فعندما يدخل المسيحي إلى كنيسته يلمس بأطراف أصابعه الماء المقدس، ويستنشق رائحة البخور، ويسمع تسابيح التراتيل والمزامير، ويرى جمالية نوافذ الزجاج الملون والتماثيل المهيبة، ويتذوق الخبز والنبيذ المقدسين كي يشرك كل حواسه بالتقرب من الله.

وهو دائماً يصلي على نية من فقد جمال الروح، ويمعن بتحطيم كل أشكاله الملموسة منها، فالمسيحي لا يعبد آلهة باطلة، من صور وتماثيل، ولا يؤله الطين، بل أن العبادة عنده تليق بالله وحده، دون سواه. 

حتى الرسول الأعظم "ص" احترم تماثيل المسيحيين وصورهم المقدسة، يوم فتح مكة، وهناك حديث عن ابن أبي نجيح، عن أبيه وغيره يقول:

" فلما كان يوم الفتح دخل رسول الله، "ص"، إلى البيت، فأمر بثوب فبلّ بماء، وأمر بطمس تلك الصّور، ووضع كفّيه على صورة عيسى وأمّه وقال:

" امحوا الجميع إلاّ ما تحت يدي".

رواه الأزرقي.

 

عدم الاعتراف بخاتمة النبوة جدل مقصود

 

من أكثر الموضوعات جدلاً بين المسلمين والمسيحيين هو أن المسلمين يقرّون بأن رسول الإسلام محمد "ص" موجود في الإنجيل باسم "أحمد" وحاول الكثيرون من علماء المسلمين إثبات ذلك، لكن كان هناك بالمقابل عناد من بعض فلاسفة الدين المسيحي "المتهودين" الذين اندسوا بين المسيحيين، وبدؤوا يسربون التفاسير اليهودية إلى العقول المسيحية، وعبر السنين أخذوا يغذونهم بالتفاسير والنظريات المضللة والمحرّفة.

ولو عدنا إلى النصوص التي وردت في بعض الأناجيل لوجدنا نصوصاً كثيرة فيها ذكر للرسول "ص" ويسمى "المعزي" كما ورد في إنجيل يوحنا "15:26/27 .

"وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي، وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ".

ويستشهد المسيحيون بما جاء على فم السيّد المسيح في إنجيل يوحنا أيضاً:

 "إن كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّياً "بارقليط" آخَرَ "يوحنا 14: 15 و16".

 ويؤكد المسيحيون أن  المعزّي "البارقليط" المقصود هو محمد "ص"نبي المسلمين.

كما يؤمن المسلمون أيضاً أنّ المسيح أنبأ برسول الإسلام محمد "ص" لأن القرآن قد ذكر ذلك في القرآن الكريم:

"وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ.

من هو أول مكتشف خاتم الأنبياء؟

الجميع يعلم أن النبي "ص" عاش مع عمه أبي طالب بعد وفاة جده عبد المطلب، ولم يكن أبو طالب يعنيه شيء كما تعنيه رعاية ابن أخيه محمد "ص" والمحافظة عليه، فقد بلغ من عنايته به وحرصه عليه أنه كان إذا اضطر للسفر إلى خارج مكة أو الحجاز يصطحبه معه، في إحدى رحلاته من مكة إلى بلاد الشام ضمن قافلة تجارية من قريش، وكان عمر النبي (ص) آنذاك اثنتي عشر سنة.

 يقول المؤرخون عن هذه السفرة:

 "إنه في الطريق إلى الشام، وقبل وصول القافلة إلى مقصدها، توقفت في منطقة تسمى "نصرة"، وهي من مناطق الشام، وكان يسكن في هذه المحلة راهب مسيحي يدعى "بحيرة"، كان يتعبّد في صومعته ويحترمه المسيحيون في تلك المنطقة.

وقد اتفق أن هذا الراهب التقى القافلة التي كان فيها النبي "ص"، فلفتت نظره شخصية محمد "ص" وراح يتأمل في صفاته ويحدّق في ملامحه خصوصاً بعدما رأى أن سحابة من الغيم ترافقه أينما جلس لتحميه من حر الشمس، فسأل عنه بعض من في القافلة فأشاروا إلى أبي طالب وقالوا له:"هذا عمه". فأتى الراهب بحيرة إلى أبي طالب وبشّره بأن ابن أخيه نبي هذه الأمة، وأخبره بما سيكون من أمره، بعدما كان قد كشف عن ظهره ورأى خاتم النبوة بين كتفيه ووجد فيه العلامات التي وصفته بها التوراة والأناجيل وغيرهما.

وتذكر بعض النصوص أن الراهب "بحيرة" أصر على أبي طالب أن يعود به إلى مكة وأن يبقيه تحت رقابته خوفا عليه من اليهود وغيرهم، الذين كانوا يرون العلامات التي وردت في كتبهم متحققة في شخص محمد "ص".

التواطؤ خلق حالة من الشعوذة الفكرية 

وفقاً لعقيدة الإسلام فان ظهور الملاك "جبرائيل" الأول لمحمّد "ص" عام 610 ميلادياً تم في غار في جبل "حراء" قرب مكة حيث ألهمه الحكمة من الله، والتي توالت لتُكَوِّن “القرآن الكريم".

في ذلك الزمن، كانت عبارات السيّد المسيح وتعاليمه الخلقية والروحية لا يفهمها إلا الأقلية المتعلمة الراقية، لذلك، كانت المعارك الفلسفية والعقائدية  والشرعية والحربية قائمة بين المسيحيين أنفسهم، وفي داخل كنائسهم وأديارهم بسبب انتصار اليهودية في المسيحية الذي نشأ بالتتابع في جميع المستويات الثقافية والسياسية والشعبية حيث انعدمت مقاومة ما يُفرض من معتقدات بالقوة بسبب التواطؤ الرهيب بين رجال الدين وأعضاء السلطة الحاكمة.

الايدولوجيا ساهمت في الاختراق والتشقيق

 

وقد ظهرت هذه الأيديولوجية واضحة في تشقيق واختراق صفوف المسيحيين وتذرّيهم إلى طوائف ومذاهب تتقاتل بوحشية، وأثناء ارتكاب المجازر والمذابح داخل الكنائس، ولو لم يتدخل الفتح الإسلامي المحمدي لوقفها بالقوة، لكان المسيحيون قد فنوا بعضهم البعض عن بكرة أبيهم.

وما تزال تلك الحروب مستمرة إلى يومنا هذا، ولكن، بأشكال مختلفة، هذا مع العلم أن الفاتيكان أعترف بنبوة النبي "ص" في السنين السابقة.

خصومة مؤجلة لا تفسد للود قضية

ولكي  لا أطيل في مناظرتي لكما، أتمنى أن نتحدث مستقبلاً عن الآيات القرآنية التي تختص بالمسيحيين، وعن سماحة سيّد الخلق عندما

 " أَنْزَلَ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي مَسْجِدِهِ وَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَصَلوا فِيهِ وَذَلِكَ عَامَ الْوُفُودِ"

وأيضاً عن "العهدة النبوية" التي ورد فيها:

" و لا يغير أسقف من أسقفته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا مما كانوا عليه، على ذلك جوار الله ورسوله أبدا ما نصحوا وأصلحوا عليهم، غير منقلبين بظالم ولا ظالمين".

وأن نتدارس في "العهدة العمرية" يوم كتب الخليفة عمر بن الخطاب لأهل إيلياء "القدس" عندما فتحها المسلمون عام 638 هـ كتاباً أمنهم فيه على كنائسهم وممتلكاتهم، واشترط ألا يسكن أحد من اليهود معهم في المدينة.

وعن وصية أبى بكر الصديق لجنود الإسلام قبل فتح بلاد الشام بأن:

"لا يقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمآكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له".

 كما لا أنسى تذكيركما وأنتما من أسياد المحاكم التونسية، عن "عهد الأمان التونسي" الذي ساوى بين التونسيين عندما  جاء فيه:

"تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكّان إيالتنا على اختلاف الأديان والألسنة والألوان، في أبدانهم المكرّمة وأموالهم المحرّمة".

يحيى الكفراوي   ̸ كاتب مقيم بباريس  

2019-01-11