الثلاثاء 13/6/1440 هـ الموافق 19/02/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
صرف مخصصات الأسرى (بين الاستحقاق والتبرير والقرصنة الاسرائيلية)...بقلم: أ. ابراهيم نجاجرة

 

ان خدمات الرعاية والرفاه الاجتماعي ظاهرة اجتماعية رافقت تطور البشرية والمجتمعات منذ القدم وتطورت وتنوعت مع تطور الحضارات بما يتناسب مع طبيعة كل دولة ومجتمع وفق معايير عامة ، حيث ان هذه الخدمات حقوق مكتسبة بحكم القيم والاعراف المجتمعية والدولية ، تقدم وفق احتياجات معلنه او معبر عنها او نتيجة دراسات وابحاث (حاجات معياريه) او حاجات مقارنه بين فئات الشعب الواحد .

وبعد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967م ، انطلقت حركة احتجاج شعبية لمواجهة الاحتلال وأثاره وكانت ردة فعل سلطات الاحتلال الاسرائيلي القتل والاعتقال وهدم البيوت والإبعاد طالت جميع فئات الشعب الفلسطيني نساء ورجال وموظفين وعمال ومهنيين وكانت تهدف الى تطويع الشعب الفلسطيني لإجباره على قبول الاحتلال ، وقد تمسك الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال بالقيم والمواثيق والقوانين الدولية التي تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وبعدم شرعية الاحتلال .

وعليه قامت منظمة التحرير الفلسطينية منذ بداية سبعينيات القرن الماضي بإنشاء موسسة الاسرى والشهداء وبدأت بصرف مخصصات مالية لحماية الاسرى وذويهم من العوز والحاجة والحرمان ولان هؤلاء الاسرى ليسوا فقط اشخاص ومواطنين  وهم اعضاء في التنظيمات ومقاتلين فلهم حق على المؤسسه والمظلة السياسية ان توفر لهم الحماية والأمن المادي والمعنوي.

وبعد اتفاق اوسلو وإنشاء السلطة الوطنية كانت مخصصات الاسرى تصرف تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية  ، إلا ان الاسرى والأسرى المحررين بشكل شخصي او عبر المؤسسات الوسيطة ومؤسسات المجتمع المدني والتنظيمات السياسية طالبوا بتشكيل وزارة للأسرى تقوم على رعايتهم وحفظ كرامتهم رفضا للتعامل مع معهم على انهم قضية اجتماعيه وعليه صدر قانون انشاء وزارة شؤون الاسرى والمحررين 1998، لتقديم خدمات الرعاية المادية والتأهيل والدمج الاجتماعي للأسرى المحررين في جميع الاراضي المحتله منذ عام 67  (والقدس)  وقد وصل عدد الاسرى في سجون الاحتلال حتى 15/9/2000 (350)اسير ومعظمهم ممن رفضت اسرائيل اطلاق سراحهم لارتباطهم بعمليات عسكرية ومن ذوي الاحكام العالية وهذا كان مخالف للاتفاقيات ، علما ان الشعب الفلسطيني تجاوب مع توجهات القياده السياسية في التوجه نحو السلام والهدوء.

الا ان اسرائيل استغلت الامور وإعادتها للمربع الاول بعد ان رفضت الالتزام بتطبيق كامل بنود اتفاقية اوسلو وقيام شارون باقتحام المسجد الاقصى متحديا الارادة العربية والدولية والإسلامية والرفض الفلسطيني للزيارة مما اشعل انتفاضة شعبية واسعة وعارمة انخرط فيها جميع فئات الشعب الفلسطيني وأبناء الاجهزة الامنية لمواجهة الة القمع الاسرائيلي للأرض والإنسان ،حيث وصل عدد الاسرى ولأول مرة الى اكثر من (11500) احد عشرة الف وخمسمائة اسير ، وقد رافقت عمليات القمع والقتل والهدم والاعتقال احكام عالية وخيالية وغرامات باهظة  ، وبعد عام 2011 اصبح هناك زيادة ملحوظة في اعداد الاسرى الذين امضوا سنوات طوال أي خمسة سنوات فأكثر(5 سنوات) والأحكام المؤبدة وأيضا زيادة في اعداد الاسرى الذين امضوا سنوات فوق العشرة(10 سنوات) وبدأت حركة اجتماعية مطلبيه بضرورة زيادة مخصصات الاسرى وذويهم لمواجهة مشاكل وأعباء الحياة الاجتماعية والاقتصادية والناجمة عن الاحتلال والاعتقال الطويل .

وبدأت الاجتماعات والمطالب والاعتصامات والمراسلات على جميع المستويات وعلى اثر ذلك تم تعديل قانون الاسرى والمحررين وإقرار اللوائح التنفيذية له عام 2013 لمواجهة التحديات التالية :

1 – لمواجهة حاجات ومشكلات اجتماعية لدى الاسرى وذويهم هذه الحاجات عبروا عنها وطالبوا بها وهي ايضا نتاج ابحاث ودراسات اجتماعية (حاجات معيارية) وأيضا كثير من الاسرى وأصحاب الاحكام العالية اصبحوا يقارنوا اوضاعهم بأمثالهم من ابناء الشعب الفلسطيني الذين التحقوا بالمؤسسة الامنية والمدنية وتدرجوا في السلم الوظيفي.

وقد جاء نظام التوظيف المالي لكي يسد هذه الحاجة ويلبي احتياجات ومطالب الاسرى (حاجات مقارنه).

2-  ان الاعتقال وما ينتج عنه من اثار نفسية وصحية تؤدي الى المرض والكسل والبطالة وعدم القدرة على العمل وفقدان المؤهلات وخاصة لذوي الاحكام العالية لذلك هذه المخصصات جاءت لمواجهة الشعور بانعدام الامان لهم ولأسرهم ولمنع التمييز سواء في المكانة او الدور او الاستحقاق ولمواجهة اتساع فئة الاسرى والأسرى المحررين من حيث الكم والنوع ومنع الاستغلال للأطفال والنساء والفئات الضعيفة منهم .

3- ان هذه المخصصات هي شكل من اشكال الضمان الاجتماعي الذي اتخذته الدول الغربية قبل اكثر من مئة عام وهدفه توفير فرص العلاج والتعليم ، ومحاربة الجهل والفقر ومنع الشعور بالعزلة  ولتحقيق قيم المساواه والعدالة الاجتماعية وتقوية الروابط الاجتماعية وتحقيق الاندماج الاجتماعي  .

4- تعمل هذه المخصصات لمواجهة الانقلاب في دورة حياة الاسرى وخاصة الذين امضوا عشرة سنوات فاكثر حيث ان الاسير يخرج من الاسر مثقل بالهموم والمسؤوليات  لمرحلة ما بعد التحرر ، مرحلة الانطلاق والاندماج في الحياة في مرحلة متاخره وقدرات وظيفية وإنتاجية متدنية وخوف على مستقبل اسرته في ظل تقدمه بالسن لذا كان لا بد من رفع نسبة المخصصات للأسرى داخل السجون لكي تستطيع الاسرة ان تقوم وتغطي اعباء ومصاريف الاسره واحتياجات الاسير داخل السجن على ضوء غلاء المعيشة وارتفاع الاسعار ومنع ادارة السجون من تقديم ما يلزم للأسير وقد ساعدت هذه المدفوعات على استقرار الوضع داخل السجون وأيضا بعد التحرر لكي يبدا مرحلة الاندماج بالحد الادنى من المقومات المعنوية والمادية  .

5- ان سلطات الاحتلال تحد من قدرة الاسير على الحركة سواء بالعمل او السفر من خلال المنع الامني لذا من المهم ان يشعر الاسير بالرضى عن مستوى معيشته ولو بالحد الادنى لمنع التطرف والفلتان الامني والاجتماعي لان الاسير اصبح لديه شعور ان كرامته محفوظة وان سنوات الاعتقال لم تذهب سدى وهدر وله قيمة مجتمعية وإنسانيه .

6- لقد سعت السلطة الوطنية والدولة الفلسطينية الحديثة عبر خدماتها لكافة قطاعات الشعب الفلسطيني على تحقيق الاستقرار والهدوء نحو تحقيق السلام الشامل  وان اهم فئة هم الاسرى لان لديهم القدرة على التنظيم والاحتجاج والاعتراض وان حصولهم على الحقوق عامل مهم في دعم السلطة الوطنية ومؤسساتها وحكومتها ونظامها السياسي .

7- ان تنظيم عمليات الصرف المالي هو مطلب دولي ولتعميق مبدأ الشفافية والمحاسبة والمساواة وعدالة التوزيع لدى مؤسسات الدولة الفلسطينية .

وان قيام دولة الاحتلال بالمصادقة على اقتطاع اموال الشعب الفلسطيني هو اجراء منافي لكل القيم والأعراف والمواثيق الدولية ، ليس من باب التنظير بل لأنها تريد ان تطوع دول العالم وقيمها وتقلب مفاهيم التضامن والمقاومة الشعبية والسلمية لصالح شرعنة الاحتلال ، تريد ان تفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني، على العالم ان يجبر الاحتلال ان يطبق اتفاقيات ومعاهدات السلام والقرارات الدولية حتى لا يكون اسرى وشهداء وجرحى ، وغير ذلك الشعب الفلسطيني مطالب ان يدافع عن حقوقه الاجتماعية والسياسية .

2019-02-19