السبت 2/7/1440 هـ الموافق 09/03/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'خاص الوسط 'ألف باء دعاية الحرب الأمريكية والإسرائيلية... بقلم: ستيفن سلايطة (Steven Salaita)/ ترجمة: محمد عودة الله

إن الوظيفة الأساسية لدعاية الحرب الأمريكية والإسرائيلية هي تأكيد القابلية للتخلص من الشعب المستعمر (بفتح الميم)*. إذاً المعارضة ليست شيئاً من الماضي فحسب ولكنها أساس الوضوح الوجودي والإغاثة الإقتصادية**.

إن دعاية الحرب الإسرائيلية والأمريكية تتباعد بحسب الظروف ولكنها تشترك في خصائص أساسية (وطرق التوزيع)، ومن السهل الغرق في نزوة الخيال أنه يمكننا أن نجعل التقارير والتعليقات أكثر توازناً، ولكن نموذج دعاية الحرب يستثني مثل هذه الإحتمالات، إنه نموذج حيوي والرأسمالية هي الأيدولوجيا الوحيدة التي يحافظ عليها بالمطلق، وكل شيء آخر مشروط بإحتياجات القوة، وفي أي لحظة تحتاج النخب السياسية والإقتصادية إلى سرديات جديد، فإن إعلام الشركات سيجري التغييرات.

هناك تساؤل فيما إذا كان الصحفيون وكتاب الأعمدة ينشرون دعاية الحرب بشكل واعِ أم أنهم غافلون بعد أن تم تلقينهم بالميثولوجيا التي يؤمنون بها! في هذه الحالة فإن البحث التجريبي لا يقودنا إلى شيء، كلا النوعين موجودين. إن الكثير من الكتاب والنقاد مستعدون لقول ما يجلب لهم المكافأة، وأخرون يؤمنون بالخير الأساسي للولايات المتحدة، وبالتالي يجدون الشرف في الكتابة بالنيابة عن الحكومة، وفي كل حالة فإن التساؤل عن القصد أقل فائدة من التحليلات الطبقية، إن كتاب النشرات الرئيسة والمنتجين ومقدمي البرامج في برامج الأخبار هم مدافعون عن النظام الذي يقومون بتغطيته، ويقيمون وزناً للصلات بمراكز القوة ومدينون بالفضل لأصحاب الإعلانات، كثيرون منهم أثرياء أو مباركون بالميزات المدمجة، وكثيرين حصلوا على مواقعهم بالإرتباطات العائلية أو الشبكات الإجتماعية التي إنضموا إليها في جامعات النخب.

إن الحكومة الأمريكية لا تبقي أيديها بعيدة عن الإعلام أيضاً، فهناك صناعة ضخمة للعلاقات العامة تملي نمط وتكرار التغطية، وبروتوكولات وزارة الخارجية بمثابة كتاب مقدس، والسي آي إيه ما فتأت تتدخل منذ زمن بعيد في التقارير الصحفية.

في إعتقادي أن أغلب الصحافيين مدركون للحدود التي يشتغلون بها، خذ بعين الإعتبار السؤال من وجهة نظرك: هل لا تعرف أنت الأعراف الخطابية في مجال مهنتك؟ هل على رؤسائك أن يقولوا لك حرفياً كل شيء أم أنك تدرك بسرعة ما هو محظور في مكان العمل حتى لو لم يكن مصرحاً به؟ أكتب للعديد من المواقع وأنا مدرك تماما لثقافة المواقع ومصادر التمويل وإمكانيات التضارب، وأصر على نفسي أن هذه المعرفة غير ذات شأن، وقاعدتي أنني لا أهتم كثيراً بالسياسات الإدارية، ولكنني أرفض المساهمة في أي نشرة تقول لي أنه من غير المسموح إنتقاد مركز قوة، وبشكل ما فإن هذه القاعدة توفر الوضوح، التمويل والأيدولوجيا تهم بما هي تملي الحلول الوسط، إلا أن معرفة هذه الظواهر في كيفية إختيار العناوين وتخيل القراء وتوقع الصراع، وعليه فإن الكتاب في نيويورك تايمز يعرفون أي نوع من التقارير سوف تنزل من رتبتهم أو تتسبب لهم بالطرد، نفس الشيء للواعين الليبراليين في أم أس أن بي سي.

لاحظ ماركس"أن الطبقة التي تمتلك وسائل الإنتاج المادي، لديها في نفس الوقت تحكم بوسائل الإنتاج الذهني، وعليه بشكل عام فإن أفكار من يفتقرون إلى وسائل الإنتاج الذهني معرضة للطبقة المهيمنة"، نحن راسخون في بناء القوة والتي تظهر بأنها ساحقة ولا يمكن فهمها، إنهم يفرضون الأمور الملحة للطبقة الحاكمة على حاجتنا إلى الرزق، إذاً المعارضة ليست شيئاً من الماضي فحسب ولكنها أساس الوضوح الوجودي والإغاثة الإقتصادية.

ما هي إذن الخصائص الرئيسة لدعاية الحرب الأمريكية والإسرائيلية؟ يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات (وفي كل فئة هناك عشرات الأشكال):

دعاية حرب التفويض: هذه الفئة تصف تدوير المعلومات، من الممكن لمحتوى الأخبار أن يتحول إلى دعاية حرب حتى في حالة واقعية بالإعتماد على مدى تكرار الظهور، وبالعكس ممكن وجود دعاية الحرب في غياب معلومات معينة، لماذا تمضي وكالات الأنباء وقتاً طويلاً في إستنكار إنتهاكات حقوق الإنسان في إيران وكوريا الشمالية بينما تصمت (أو تمجد) الإعتداءات في إسرائيل أو الإمارات العربية المتحدة؟ لماذا يقبلون (أو يصفقون) فاشية جير بولسونارو بينما يشجبون ما يدعون أنه طغيان نيكولاس مادورو؟ الجواب ليس أن وكالات الأنباء تلك منافقة بالنظر إلى التغطية الإختيارية من هذا المنظور لا يوضح كيف أن الإختراع يفترض النفاق مسبقاً، الإنتقائية هي بنيوية في وسائل الإعلام العامة، عندما أقول "أن الإختراع يفترض النفاق مسبقاً" فأنا أقصد أن إعلام الشركات يخترع (ولديه الرغبة الدائمة في إعادة الإختراع) عالماً لا يعكس قدرة الإنسان على التعاطف، بل عالم يستنبط الشفقة من منطق القوة، إن دعاية الحرب التفويضية تشتق خوارزميات المعلومات من حسابات السياسة لا من الإستقامة الأخلاقية.

دعاية حرب الأفعال: هذه الفئة تصف معرفة التعتيم مع أنها تمتد للدعم الضمني للدول البغيضة والقادة السياسيين، التغطية الإعلامية لحياة السود تهم #BlacklivesMatter على سبيل المثال تتبع نمط مخادع، أي شيء يعتبر "عنيف" في المظاهرات بأغلبية من السود يصبح موضوعاً لإنتقاد المكثف أو دعوة ، حتى بين أولئك الذين يعتبرون أنفسهم ضد العنصرية، للتنظير الأخلاقي عن مارتن لوثر كنغ جونيور، إن التظاهر بالتعاطف مع السود لا يصمد طويلاً ليتجاوز القلق من قلة أدبهم، بإمكان الصحافيين تأكيد سلطة الدولة بدون الصراخ بالشوفينية بتغطية الشرطة كأبطال، ضمن الحملة المضادة لاحتلال ستاندنغ روك Standing Rock نفس النمط كان حاضراً (أشير إليها بالحملة المضادة للإحتلال لأن المتظاهرين كانوا من السكان الأصليين بينما الحرس الوطني ووكالات تنفيذ القانون هم المحتلون).

إن إعلام الشركات، حتى في لحظات القلق الظاهرة تجاه السكان الأصليين، نادراً ما ذكر الإستيطان وتجنب وصف الوضع كسكان أصليين يدافعون عن أرضهم في وجه الإستغلال. إن دعاية حرب الأفعال تنتج فقط اهتمام سطحي بالمعذبين والمسحوقين، عادة بذاك القدر من التعاطف الذي يدعم شهادات الديمقراطية لأمريكا.

دعاية حرب الإقتصاد: إن الأرباح الفردية والمؤسساتية كلاهما يقودان نموذج دعاية الحرب الأمريكية، أنا أقل قلقاً من الأموال التي تجنيها منظمات الأخبار للتكتلات الإقتصادية  من الإقتصاديات الأساسية للإنتاج والنشر مثل البرجوازية، حرية الوصول والمعلومات هي سلع، أولئك في السلطة ينظمون شروط الحديث في الولايات المتحدة، المناظرات حول حرية التعبير تنزع إلى تقوية الرابط بين الأيدولوجيا وبين الدخل المحتمل لأن هذه المناظرات تنشأ في سياق الرزق، وهي تعطي مثلاً عن كيفية عمل تقارير، على كافة الطيف السياسي، تدمج المصلحة الشخصية بأوامر الأيدولوجيا، وفي إعلام الشركات فإن هذا لا يحصر القدرة على النقاش وإنما الحدود التي يحصل فيها النقاش، حرية الوصول، والتي هي دم الحياة لوظيفة الإعلام، تعتمد على الجدوى العامة، وعليه فإن شرط المناظرة هو الإنتهازية، إن أفضل سبيل لتقدير دعاية حرب الإقتصاد يتطلب ضرورة فحص تشجيع الازدواجية والطاعة.

في الحركات المكرسة لضحايا دعاية الحرب الأمريكية والإسرائيلية، فإن القرارات عن السبل المثلى للتعامل مع قنوات الأخبار العدائية يجيب عليها النشطاء المحليين، لا يمكننا عمل كتاب قواعد عالمي للإستراتيجية الإعلامية، من المهم أن تكون مرناً، إن أمراً برفض المقابلات الصحفية قد يكون بلا معنى بسبب تغير الظروف عن زمان إصداره الأصلي، وقرارات إستراتيجية قد تعتمد أيضاً على العرق والجنس والإقتصاد والجغرافيا ناهيك عن الغرض من الحدث، هل علينا أن نلكم النازيين؟ هل نقول للفقراء المحليين أننا غير مهتمين؟ هل نفتح التظاهرة لمجموعات ليست تماماً على خطنا؟ للإجابة على هذه الأسئلة علينا أن نأخذ بعين الإعتبار أقصى النتائج للعمل ونتجه بالعمل بخطى راجعة إلى بداية الإستراتيجية ونبقي في بالنا عدم تكرار الروايات التي نعمل على دحضها.

إدوارد بيرنيز Edward Bernays افتتح دراسته عام 1928 عن دعاية الحرب معلنا "إن التلاعب الواعي والذكي بالعادات المنظمة وآراء الجموع هو عنصر مهم في المجتمع الديمقراطي، أولئك الذين يتلاعبون بهذه الآلية الخفية في المجتمع يشكلون حكومة مخفية وهي السلطة الحاكمة الحقيقية في بلدنا"، ما يطلق عليه بيرنيز "الحكام الخفيين" أو ما أطلق أنا عليه الطبقة الحاكمة أو النخب (رغم أن الوصف البادي متغطرساً "بطبقة المال" ممكن أيضاً) موهوبين ب"صفات القيادة الطبيعية" و"قدرة على تزويد الأفكار الضرورية" لا غنى عنها بفضل مزايا "موقعهم المفتاحي في البنية المجتمعية"، بالنسبة ل بيرنيز فإن دعاية الحرب ضرورية لديمقراطية قادرة على أداء وظيفتها، وبدونها فإن البروليتاريا (الطبقة العاملة) ممكن أن تأخذ فكرة مغلوطة عن موقعها في العالم، شأنه شأن المئات من سليلي المثقفين، بيرنيز متشائم على نحو عميق: إن الجنس بشري غير ملائم للحرية ولذا عليه أن يتم تحويره للقبول بمحاكاة للديمقراطية تلعبها طبقة أكثر حكمة من الأفذاذ، إن دعاية الحرب تلاعبية، ولكن تلاعباتها تعمل لمصلحة الناس إلا إذا طوروا خيالاً يعمل على إقالة التجارة من الأيدي الخبيرة للسياسيين والصناعيين.

إنها كذلك تضيء الازدواجية التي يتم تغطيتها بتهنئة الذات، في الولايات المتحدة، القيادة (أو إذا شئت تسميتها المسؤولية الإجتماعية) تتطلب وتكافئ التلاعب والفردية والسطحية (يقوم الناس بوسم أنفسهم بسمات لأسباب أيديولوجية)، إن النظام السياسي ومختلف صناعات النشطاء تمنح أسبقية للمرضى الإجتماعيين (إضطراب الشخصية المعادية للمجتمع) وللذين يروجون لأنفسهم. (هناك متسع للناس الطيبين وكثير منهم يشاركون في معترك السياسة والنشطاء ولكن تلك المساحات غير مهيأة لتمنحهم الأفضلية). علاوة على ذلك فإن القادة المستقبليون يتنافسون على موارد محدودة، وهذه المحدودية تخلق منافسات تعلو على أهمية الإلتزام بالناس العاديين، وكما لاحظ بيرنيز (موافقاً) بأن الهدف النهائي ليس تمكين المهمش والمحروم، بل إدارة الإقتصاد الدبلوماسي والمعلوماتي بحسب الإمتيازات الحصرية ل "الحكام الخفيين" الذين، في واحدة من أكثر أساطير التاريخ مدعاة للضحك، سيغذون كل الجماهير.

للقيادة معنى آخر لدى المجتمعات الأصلية، وتكون مشروطة بتلبية الصالح العام وتكتسب من خلال الخبرة والثقة، وبالتأكيد فإن الإشباع الفردي موجود لدى النشطاء الأصليين وخصوصاً حيثما تسود الأعراف الغربية، ولكنه غريب عن الحسابات الفلسفية لعلاقات السكان الأصليين، لقد كان وما زال إعلام الشركات معادياً لخصائص حياة السكان الأصليين والتي في الحقيقة تمارس أفكار المساواة المتأصلة في الإستثنائية الأمريكية التي تعامل شكل الحياة للسكان الأصليين كصيغة بدائية من الشيوعية، عندما ناقش الكونغرس قانون التخصيص (Dawes act) في نهاية القرن التاسع عشر، تكلس العديد من المتحدثين جزعاً لأن الملكية الفردية أو الخاصة لم تكن موجودة في المجتمعات الأصلية، تلك الجماعية كانت مشكلة وجب إصلاحها في الحال، قيم التحضر والتقدم وتلك الفانتازيا (الخيال) المبجلة المنقوعة في العنف النفسي والجسدي، كلها كامنة بعمق في الوعي الأمريكي.

أننا نرى الخطاب الإستثنائي يتم صياغته بعناية من خلال عدة عناصر في إعلام الشركات، وهو يعلم كل ناحية من إقتصاد الأخبار.

قلب الظلام: تم إشهاره في النقد اللاذع من تشنوا أكيب Chinua Achebe لرواية جوزيف كونراد  Joseph Conrad"قلب الظلام" "The Heart of Darkness"، هذا العنصر مخادع لأنه يقدم على أنه نقد ذاتي، وفي الحقيقة أنه يحث على التبرئة، السردية تسمح للاعبي الدولة بإنقاذ أنفسهم من المحاسبة على التعدي المقصود بتصوره مفاهيمياً على أنه فائض أو حساب خاطئ ناجم عن همجية لا يمكن تصورها لشعوب البشرة الداكنة حول العالم، ضد البطل ل كونراد كورتز استسلم لمتاعبه النفسية فقط عندما ظهروا في إفريقيا الداكنة وبمساعدة سكانها المتوحشون، ويمكن نقل الفكرة إلى الجيتو والمحمية ومخيم اللاجئين وأي مكان آخر يسكنه المعذبون، عنصر قلب الظلام متغلغل في صناعة الثقافة الإسرائيلية ومفضل لأفلام هوليوود الكاسحة التي تفصل بين العنصرية وممارسة القوة. (ألم تكن تعرف أن كل شخص هو قليلاً ما عنصري).
الإمبراطورية المتلعثمة: هذا العنصر يتظاهر بالراديكالية ويتحسر على عدم كفاءة أمريكا، ويستخدم كثير من متصفحي الإعلام الألكتروني تعبير نظرية الإمبراطورية المتلعثمة، إن القادة الأمريكيين ومرجون آخرين للإمبراطورية، تقول القصة، ينشرون سياسات دون التقدير الصحيح للعواقب أو بدون فهم كافي لخصومهم مما يقود إلى إنتكاسات (عنف أهلي غير مقصود أو خلق المزيد من الإرهابيين في ارض أجنبية)، أنا لست جاهزاً لأن أجادل بأن السياسة الداخلية والخارجية دائماً ما تصيب أهدافها، هناك الكثير من السخافة الإدارية واللوجستية في الحكومة الأمريكية وصناعة الإستشارة التي تخدمها، ولكنني أعتقد أنه من المهم بمكان إستكشاف الغرض لأنه، سخيفة أم لا، فإن معظم السياسات لديها نتائج مدمرة ممكن التنبؤ بها، تسليح المتطرفين الدينيين وقصف المناطق السكنية ودعم الطغاة وتمويل النشاطات غير المشروعة، هذه كلها ليست أفعال خير أصبحت خاطئة، إنها سياسات تم تفعيلها حول إحتياجات الطبقة الحاكمة وفي خدمة نقل القيمة المالية ورأس المال من نصف الكرة الجنوبي، ومهم كانت الأشياء الفظيعة التي تحل بسكان الجنوب ممكن أن تكون أو لا تكون بسبب عدم الكفاءة، خذ بعين الإعتبار هذه: إن عدم الكفاءة ينم عن رغبة في التعلم والتطور، ولكن نفس المشكلات عاودت الحدوث وعلى نطاق واسع وعلى مدى عقود.
الصدمة والغضب: ربما تكون هذه أكثر عادة مزعجة لإعلام الشركات ممثلاً بالنقاد على الشاشة الصغيرة، ريثما تقوم شخصية عامة بعمل مثير للسخط، تتكوم الشخصيات العامة الأخرى على التظاهر بالتقوى، هذا وتعريفات مثير للسخط لا تشمل قتل المدنيين أو تسميم المياه أو إطلاق النار على الأطفال السود ولكن تشمل الزنا أو الإختلاس أو الخداع أو سوء الخلق أو التغريديات الغبية، عندما يغضب النقاد، والذين مهنتهم الرئيسية تبييض عنف الدولة، على جريمة حرب (مثل أبو غريب أو مذبحة بانجواي في أفغانستان والتي إرتكبها ضابط أمريكي ضد القرويين من النساء والأطفال)، فإنهم، أي النقاد، يثرثرون عن التفاحات الفاسدة ويعيدون التأكيد للمشاهدين القلقين أن الأمر المرعب ليس خاصية ملازمة وأنه أمر لن يتكرر، إلى أن يتكرر مرة أخرى.
اليد القوية: إن الإعلام الليبرالي يعشق السخرية من دونالد ترمب: المهرج والغبي والكثير البكاء والعويل والنرجسي، ولكن في نيسان 2017 ظهرت نظرة أخرى ل ترمب، كان لتوه قد قصف سورية وأشيد به ك "رئاسي" وهي صفة تموضع الوقار في التدمير، وفي الحقيقة في كل مرة يروج ترمب للعسكرة، فإن الإعلام نفسه الذي جعله محط سخرية، فجأة يجد فيه قدرة رائعة ونادرة على إتخاذ القرار، ويصبح "رجل أفعال" إذا جاز التعبير، وبحسب عنصر اليد القوية تدخل أمريكا إلى الوجود بأكثر ما يمكن من الإستثنائية عندما تمارس القوة، وعليه فإن أفضل طريقة لإحراج أمريكا هي إملاء السياسة أو رفض الخضوع (طبيعياً بإستثناء إسرائيل) وأفضل طريقة تجدها أمريكا في إستعادة فخارها بأن تري العالم من هو المسؤول (أي يعطي الأوامر)، من غير المعقول أن تتدخل دولة أخرى في الإنتخابات الأمريكية، أمريكا هي التي تقرع الباب.
سياسة الناضجين: عادة يصاغ بإعتبار اليساريين والملونين مروجين للصفائية (إصرار مضخم على الإلتزام بالقواعد التقليدية)، عنصر سياسة الناضجين يشير إلى أن المجتمعات المضطهدة لا تعرف كيف تشتغل السلطة، وبالتاي فهي غير واقعية أو غير ناضجة أو تقسيمية، عادة ما يستنهض هذا العنصر في مواجهة الشغب (أو ما يعتبره النقاد شغب) أو التصويت لحزب ثالث أو هبة يسارية أو تمرد عام، إنه آلية لتأديب الناس إلى الطاعة حيث يعمل الحزب الديمقراطي كنقطة دخول إلى السياسات الرأسمالية، وهذه العنصر لديه كبش فداء جاهز من المجموعات العرقية والإثنية التي ترفض تمجيد من يرعى نهبها، بمعنى أن هذا العنصر هو تكرار معتد بنفسه للإستثنائية الأمريكية.

إن عادات إعلام الشركات خاصتنا لا يصل بالضرورة إلى مستوى العنصر ولكنه شائع: إستعمال كلمة "إرهاب" لوصف أعمال العنف للملونين وخاصة المسلمين بينما يعزى نفس العنف (أو زيادة) من ذوي البشرة البيضاء إلى الإغتراب أو المرض العقلي، وكذلك الإشارة إلى الحكومات المعادية ب"النظام" وإلى الملوك الخاضعة ب"القادة"، وتصوير أشكال البقاء للسود بالجريمة، وبينما تعامل مخططات الربح للبيض على أنها صناعية، وتمجيد المليارديرات والشركات، والفصل بين فقر السكان الأصليين والنشاط السياسي وبين الإستيطان، وتضخيم الديمقراطية حيث تكون فعلاً غير موجودة، وشجب الديمقراطية الحقيقية حيث تظهر.

إن الوظيفة الأساسية لدعاية الحرب الأمريكية والإسرائيلية هي تأكيد القابلية للتخلص  من الشعب المستعمر (بفتح الميم). إنها تجسد الإستخلاص والتراكم، وتحول نهب السكان الأصليين إلى قوة محرمة الإنتهاك للشخصية الفردية الغربية، هذه الدعاية المحرمة ليست فقط إستطرادية، إنها إحدى الشعائر المقدسة للجسم السياسي، إنها طقس ديني سرمدي من البراءة والإستثناء، هل من الممكن أن تكون صدفة، مثل في حالة الصراع، فإن الزبون يدافع عن الطرف الأقوى، أو كرد فعل حسي، مثل مص إصبع محروق؟ صناعات بمليارات الدولارات تحاول المحافظة على أو إعادة إختراع ظروف تفضي بالتنشئة الإجتماعية إلى الإستسلام الغريزي، حاول أن تصل بالأمريكيين أو الإسرائيليين من كافة الطيف السياسي أن ينهوا (أو يبدؤوا) نقاش بدون تبديل احتياجات الفلسطينيين وآمالهم بقلق الأغلبية وسترى كم هي فعالة تلك الصناعات، حاول أن تمحي العبودية من المخيلة الوطنية، وستغمرك الثقافة المدرعة من الثراء والنفوذ المنغرسة في أساطير بياض البشرة.

خلال السنتين اللتين قضيتهما في بيروت، أخذت نظرة قريبة عن الصحفيين الذين يغطون الشرق الأوسط لإعلام الشركات الغربي، لديهم سطر للنخب المحلية يمثل قيم المدن الكبرى والحضر، ولكن بالمجمل هم مجموعة لا تثير الإعجاب وطنانة بشكل متجانس ومغرورة ولا تحترم الآخرين، لا تغير إتجاهك بسبب وهم الجدارة، ولا تخلط بين عملهم ككتبة للإمبراطورية وبين الموهبة.

ملاحظات المترجم:

* أي أن دعاية الحرب تسعى في مكان ما إلى تبرير الإبادة.

** إن معارضة هذه السياسة التي تنفي الآخر شكل من أشكال التعبير عن الوجود وتثبيته.

2019-03-05